فى مثل هذا اليوم 11يوليو 1882م..

سامح جميل

والزعيم أحمد عرابي المفترى عليه..
لم تخلُ مصر طوال تاريخها من الأطماع فى موقعها الجغرافى، وهذا كلام ليس للاستهلاك بقدر ما هو حقيقة راسخة وفاعلة وقائمة دوما.
 
ولذلك شهدت بلادنا أنواعا وأشكالا من الغزو والعدوان والمعارك، ما لم تشهده بلاد أخرى فى العالم، منذ الهكسوس، حتى الأمريكان والصهاينة، وبالتالى كان الشعب المصرى يجد نفسه طوال تاريخه يتعرض لأشكال متجددة من العدوان.
 
تنافست القوتان البارزتان فى ذلك الوقت، والدخول عبر البوابة الاقتصادية، وإثقال مصر بالديون التى قصمت ظهر الحكومات المصرية المتعاقبة فى ذلك الوقت، وتمرير فكرة أن تكون الخزانة المصرية خاضعة للمراقبة، وبالتالى للنفوذين الأجنبيين الفرنسى والبريطانى، وقد تعاقب هذا النفوذ حقبة بعد حقبة، حتى استقرت الهيمنة البريطانية العظمى على مصر، والتحكم فى كل المصائر الاقتصادية والسياسية والثقافية.
 
ورغم هذا الجدل العنيف بين المصريين عموما وفى مختلف مستوياتهم الاجتماعية، والمستعمر الإنجليزى أو الفرنسى، فإن المصريين كانوا قد استطاعوا أن يبدعوا حراكا ثقافيا وسياسيا وفكريا عارما، وأصبحت هناك حركة سياسية واضحة ومتمردة، منذ هبوط الشيخ والمعلم جمال الدين الأفغانى، الذى استطاع أن يمرر أفكاره لنخبة من المصريين المثقفين، وعلى رأس هذه الأفكار فكرة التحرر والاستقلال.
 
وكان الضابط أحمد عرابى، أحد التلاميذ المباشرين للأفغانى، وقد تأثر بالفعل بأفكاره، وراح يطالب -كما كتب أساتذة التاريخ المعاصر- بحقوق الضباط المصريين فى القوات المسلحة، وكان الجيش المصرى هو المدرسة الوطنية الأعلى، والمكلّف منذ ذلك التاريخ بحماية البلاد خارجيا وداخليا، وكانت الوقفة الشهيرة فى 11 سبتمبر عام 1881، واشتد الصراع بين عرابى وصحبه بدرجات عنيفة وخطيرة، حتى وصلت إلى الصدام العسكرى العنيف، وجرت الخيانات والرشى والانكسارات، والتى كانت قمتها فى 11 يوليو 1882، هذا اليوم الذى ضربت فيه الإسكندرية بضراوة، وفيه تم إعلان الجيش المصرى، بل هزيمة المصريين جميعا، ليدخل هذا اليوم فى سلسلة أيام مصر الحزينة، ويفوق هذا كل الأيام التى مرّت بها مصر قبلا وبعدا على مدى تاريخها، فهو اليوم الذى أدخل البلاد فى دوامة الاحتلال الفعلى للبريطانيين ليدنسوا أرض مصر لمدة سبعين عاما وأكثر حتى 1952.
 
ولم يكن الاحتلال الإنجليزى لمصر إلا بوابة للكوارث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التى عملت على تعويق مصر وشعبها لعقود طويلة، وما زلنا نعانى من هذا التعويق حتى الآن، إذ إن هذا الاحتلال كان سببا مباشرا فى عمليات الإفقار والتجهيل والتغريب التى حدثت فى مصر.
 
ورغم أن أحمد عرابى كان أحد الأبطال المصريين الأوائل فى تأجيج الروح الوطنية، فإنه لوحق بكل ما يشوه مسيرته وتاريخه وتوجهاته، للدرجة التى دفعت أحد الشباب فى يوم ما يقابله على أحد المقاهى، ومن فرط التشويه الذى حدث، وعمل على غسل أدمغة ذلك الشباب، ما كان من ذلك الشاب إلا أن بصق فى وجه عرابى، فنهض الرجل من مجلسه، والتزم منزله حتى مات...!!