د. مينا ملاك عازر 
الصادق مع نفسه فقط هو من يدرك أن الأزمة التي نحن بصددها بفضل خسارتنا أمام جنوب أفريقيا -ثالث مجموعتها- في دور ثمن النهائي، وعلى أرضنا، وسط جمهورنا -الذي من المفترض دافع قوى للاعبينا- لا تكمن أبداً في كون هؤلاء اللاعبين بينهم متحرش عتيد التحرش يسانده لاعبون متضامنون معه خائفين على مستقبله الذي لم يخف عليه هو نفسه أثناء فعلته، بل قل فعلاته المتكررة هذه، ولا حتى أن اتحاد الكرة من بين رجاله متحرش كبير أو أن اتحاد الكرة اتخذ قرار عقابي وعاد عنه بعد ضغوط نجم الفريق الأوحد كما يروج له الإعلام المصري، إنما الأزمة التي كشفت عنها الخسارة والخروج المذل للاعبينا تكمن في أن لدينا منظومة فاسدة اعتادت تقديم البطولات وتأيفها وتفصيل الجدول لمصلحة فريق بعينه، لألا يغضب جماهيره الذين يبدو أنهم أكثر عدداً أو من بينهم مسؤولين لا يفضلون إغضابهم أو على الأقل لأن الرؤى الأمنية ترى أنه من الأفضل أن يفوز هذا الفريق حتى أفرزنا مسابقة باهتة ضعيفة نفسدها متى كادت أن تكون جادة وقوية وبها رائحة التنافس الجاد لمصلحة ذات الفريق اللهم إلا استثناءات بسيطة نجح فيها الخصم من اقتناص بعض البطولات.
 
سادتي سيداتي القراء، هذه الكلمات صادقة لدرجة أحسب نفسي سعيد لكتابتها بأن أواجه الجميع بصدق بعمق مشاعري المغتاظة لخروج منتخبنا، والفرحة لأنه من المفترض لو جدت الإرادة لكشفنا عمق فساد ضارب في الأعماق، ودعوني أذكر بما جرى بعد الخروج المهين في كأس العالم وقتها حاول الكابتن حازم إمام الجاد في عمله أن يستقيل شاعراً بالذنب، فضغط عليه بالعدول عنها، وهو ما قد كان، وكلفوه باختيار مدرب فاجتهد وقدم اختياراته فكان الاختيار من الفاسدين لمدرب متهم بالفساد في الدوري الإسباني، عجباً تشعر بأن البيض الفاسد يتجمع جول بعضه، وكدنا نرى الكابتن المحترم والخلوق سليل المحترمين والجادين ينسحب لولا ضغوط مُرِست عليه جعلته يصبر لعل وعسى، لكن ها هي النتيجة تأتي مخيبة بعد عروض كاذبة توهم الشعب المصري بأن المدرب الجديد هجومي وصاحب كرة هجومية جميلة تعشقها جماهير الكرة المصرية الذين كرهوا كرة سابقه المدافع دائما والذي يبدو أنه كان يعرف وعلى دراية جادة بقدرات لاعبي مصر الضعيفة، وغير الواعية تكتيكياً، التي تجعلهم غير قادرين على أن يستوعبوا خطط معقدة توصلهم للعب الجماعي والجمالي المطلوب منهم.
 
تزداد الأمور تعقيداً باستضافتنا البطولة على أرضنا، واحتياجنا لطبقة معينة من الجمهور مهذبة ولا تثير الجدل ، تخشى من الأمن والإجراءات الأمنية، فاستدعين الأمن المشدد وهو مطلوب بحق، واستدعين العامل الاقتصادي الذي يسحق الشعب المصري في معظمه، فاستبعدنا الفقراء ومشجعي الكرة الجادين بأسعار تذاكر خيالية جعلتهم غير قادرين على مشاهدة المباراة في الملاعب وتشجيع اللاعبين، حتى رأينا الجماهير تسكت طويلاً أثناء المباراة وتضع أيديها على رؤوسهم وقت الأزمات، وكأنهم في حيرة أو كأنهم أدركوا أنه ليس مكانهم ولا دورهم ولا يعرفون ماذا يفعلون ظننا من المسؤولين أن أي تواجد جماهيري أيا كان نوعه قادر على أن يدفع اللاعبين على تخطي قدراتهم التكتيكية الضعيفة، وعقبة فشل المدرب وخيبة المنظومة، فكان السقوط بأكمله للمنظومة.
 
لا التحرش وفساد خلق اللاعبين كان له دور ولا سجود سابقيهم وادعاءهم التدين كان له دور في فشل المتحرشين ولا نجاح الساجدين، والمصيبة تكمن أننا صدقنا أننا نسير في الطريق الصحيح لثلاث انتصارات لم نكن نستحقها، جاءت على غير رغبة المنطق وبحظ واضح، ولم نفهم أن الحظ لا يساند إلا المجتهدين، ولا يمكن الاستمرار في السير خلاف للمنطق ونصل للهدف المنشود، فكانت الخسارة في اللقاء الرابع بشكل مزلزل، الكارثة أن المتحرش باتحاد الكرة ومعظم الأعضاء من سارقي ملابس المنتخب ومن شابههم من الفاشلين سيعودون ليترشحوا للانتخابات القادمة، كأن شيء لم يكن، بل ربما يعدلون عن استقالتهم التي امتصوا بها غضب الشارع المصري، وهنا ستكون الكارثة، أننا حينها سندرك أن الراعي الرسمي لكرة القدم في مصر ليس شركة ولكن أسلوب حياة وهو الفساد، وليس شيء غيره، الكارثة الأكبر حين يقف أحد المتحذلقين متساءل يعني مين يكون البديل لهؤلاء؟ وكأنه مرة أخرى يروج لأولئك الفاسدين، كحلول للوصول لنفس النتيجة مرة أخرى في بطولة أخرى.
 
المختصر المفيد نحن بحاجة لتغيير العقلية وأيادي نظيفة تحكم دون النظر لألوان قمصان الفرق لنحصل على بطولة جادة، تفرز لاعبين واعين دون النظر لدينهم ولونهم وعلاقاتهم ونسبهم.