الإرهاب والكباب وتجديد الخطاب
مقالات مختارة | أمينة خيرى
السبت ١٧ ديسمبر ٢٠١٦
الحقيقة الوحيدة الثابتة حالياً هى أننا وقعنا فى حيص بيص فيما يتعلق بـ«تجديد الخطاب الدينى»، فلا أحد يفهم المقصود بالعبارة، ولا أحد يريد أن يفهم أن العبارة لا تعنى بالضرورة معنى واحداً لا ثانى له، ولا أحد لديه الجرأة على المجاهرة بما يدور فى خلده حالياً حول الخطاب الدينى، وكثيرون خائفون مهتزون مترددون فى اتخاذ خطوة فى هذا الاتجاه، فيجدون أنفسهم إما مشتومين ملعونين من آخرين يرون أنهم وحدهم المتدينون الفاهمون للدين خير فهم، وإما ملومين معتوباً عليهم من كبار المسئولين حيث تلميح بأن ما قاموا به من خطوات ليس هو المقصود بتجديد الخطاب، أو مغتالين مسحولين بحكم أن محاولاتهم للتجديد والتحديث سيراها البعض بكل تأكيد على أنها كفر وإلحاد يستوجب القتل فى سبيل الله. ومنذ تفوه الرئيس عبدالفتاح السيسى بهذه العبارة قبل عامين بالتمام والكمال إلا بضعة أيام، وكثيرون يصولون ويجولون ويسيرون فى دوائر مفرغة بحثاً عن منفذ للتجديد، أو مهرباً للإبقاء على التجميد أو حتى مخرج للتعبير عن أفكار ومخاوف ظلت حبيسة الصدور على مدى عقود. لكن العامين الماضيين أعادا مشهد المواطنين المطحونين المغلوبين على أمرهم الذين يرزح كل منهم تحت تلال من المشكلات الحياتية التى لا أول لها أو آخر، لكن حين جاءهم الفرج فى فيلم «الإرهاب والكباب» حيث سألتهم وزارة الداخلية عن مطالبهم،
اختلفوا تارة، وتشتتوا تارة، لكن بعد تفكير عميق واتفاق القاعدة العريضة على مطلب واحد، طلبوا «كباب وكفتة مع السلاطات»، وركزوا على مركزية الطحينة التى تأتى مع السلاطات مثلما يفعلون فى أوروبا والدول المتقدمة. فمنذ عقود تضاءلت خلالها الثقافة المصرية، وتقزمت ثقة المصريين فى أنفسهم وقدراتهم، وفتحوا الأبواب على مصاريعها أمام ثقافات لا تمت لهم بصلة، وأفكار بعيدة كل البعد عن أصولهم وأسلوب حياتهم، فرقصت مصر على السلالم، تغير مظهرها ليشبه الثقافات الوافدة، وتقهقرت الدواخل وتدهورت العقول والقلوب مع انهيار التعليم والصحة والرعاية وشيوع الفساد على مدى ما يزيد على أربعة عقود، فخرج هذا المسخ القبيح ذو المظهر المحافظ والمحتوى «المخوخ» فى أحوال كثيرة. ولأن الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى جاءت فى أوقات صعبة، حيث مصر ترزح تحت تلال من المشكلات المتواترة والتربصات التى لا تتيح لها فرصة النهوض والوقوف على قدميها مع تفجر آثار التعليم المهترئ والصحة العليلة والذمم الخربة إلى آخر القائمة المعروفة، فقد فرحنا كثيراً بقدوم الدعوة التى طال انتظارها، لكننا فى الوقت نفسه وجدنا أنفسنا عاجزين عن التصرف فيها. بين أيادينا علبة فيها كنز ثمين قادر على صنع المعجزات وإخراجنا من بالوعات الفكر التى غرقنا فيها،
لكننا عاجزون عن فتح العلبة. ليس هذا فقط، بل هناك من يحاول فتحها عنوة فيفشل فيهبدها على الأرض غضباً، وآخر يتسلل إليها محاولاً سرقتها حتى لا يفتحها أحد ويبقى الحال على ما هو عليه، وثالث يرى أن علينا الاحتفاظ بها مغلقة لأن فتحها قد يثير مشكلات أو يغضب مشايخ أو يعكنن مزاج أئمة، ورابع تظاهر بأنه من بنها ويتصرف كأنه لم يعلم بوجود علبة الكنز من الأصل، وحفظاً لماء الوجه ينظم مؤتمراً حاشداً مرة أو يشكل لجاناً نوعية مهمتها فحص شئون العلبة وتدريب الكوادر على تلميعها وتنظيفها شرط أن يتم ذلك من الخارج ودون فتحها. وحين يتجرأ أحدهم ويفتح جانباً منها ويطرح رؤية -تحتمل الصواب أو الخطأ- تقوم قومة الدنيا، ويدخل القاصى والدانى فى جدل عقيم بين مكفر لصاحب جهد التنقيح ومطالب باختيار المنقحين تبعاً لمقاييس خاصة لا يخلو الكثير منها من شبهة تطرف وملامح انغلاق وجمود تشبه الخطاب المطلوب تجديده أصلاً. وها نحن نلف وندور فى دوائر مفرغة على مدار عامين كاملين كان يمكن أن نقطع شوطاً معتبراً خلالهما على طريق التجديد والتنقيح والتطهير. لم نلتفت للقضية -أو بالأحرى الكارثة- الأصلية وهى تنقية ما لحق بالتفسيرات الدينية من شوائب وعكارة حتى غطت على الدين نفسه، وصار الدين الإسلامى فى الألفية الثالثة يبدو وكأنه دين آخر مغاير ومخالف كل الأديان، حيث التكفير والفظاظة والقسوة ورفض الآخر وأحياناً رفض بعضنا البعض طالما لا نتبع مقاييس الأيزو التى ابتدعها مشايخ التطرف. ما فعلناه هو أننا تفرغنا لمجادلة بعضنا البعض، فيما يمضى دعاة التكفير والقتل باسم الله والتفجير والتفخيخ تنفيذاً لشرعه،
قدماً فى طريقهم. ويظن البعض أننا نملك كل الوقت لتشكيل اللجان وإصدار الدوريات وتفعيل خدمة «أنت تسال وأنا أجيب»، أو «أنا أسأل وأنت تجيب» أو «كلنا يسأل وكلانا يجيب»، وذلك من أجل تجديد الخطاب الدينى. والحقيقة أن الوقت المهدر يكلفنا أرواح الكثير من الأبرياء، ويعمق الفروق والفجوات بين أبناء البلد الواحد، ليس فقط مسيحيين ومسلمين، ولكن أيضاً مسلمين ومسلمين، وذلك بعد ما زرعت الجماعات الدينية بذور السلفية والجهادية والإخوانية وغيرها لتجعل المنتمين لها مختلفين عن غيرهم من المصريين الـ«سادة». محاربة الفكر الذى تمكن من مفاصل مصرية كثيرة على مدى عقود لن يُنجز بإعدام مائة «حبارة»، أو معاقبة آلاف الإخوان من أبناء الجماعة الإرهابية. محاربة الفكر الذى جعل مصر المتنورة المتفتحة على مدى قرون تدخل القرن الـ21 وكأنها مقبلة من العصور الوسطى يجب أن يمر بتجديد الخطاب الدينى، وذلك بعد ما نتفق على المقصود بالعبارة.
نقلا عن الوطن
