تعقل كى تؤمن
ألفى شند
 
إهداء
إلى الأب يوحنا فور اليسوعي
بعض من تعاليمك لي اللامحدود
 
مقدمة
يتناول الكتاب مسألة فى غاية الاهمية ،  شغلت الفلاسفة  والعلماء والمتدينون على مر العصور ،  فيما يتعلق بالعلاقة بين الايمان والعقل ( الفلسفة والعلم  ) ، وهل بمقدور الإنسان المعاصر مع ما بلغه من الالقلسفة وعلم في العصر الحديث ، أن يستغنى عن الايمان بشكل كامل ؟ .
 
 أغلب النظريات الأنثروبولوجية ترى أن الإيمان والعقل متلازمان ومتداخلان ، فالعقل يرتكز على أسس مبادىْ عقلية فى اداء وظائفه ، وهو لا يعمل من فراغ ، ولنما بناء على مدخلات بعد معالجتها فى ضوء مبادىْ عقلية يعتنقها  المرء   . والايمان بالمثل يرتبط إرتباا وثيقـًا بما يسري إلى العقل ، إذ إنّ التفكّر الإيمانيّ مبنيّ في قسط عظيم منه على موقف العقل . وكلّ ما يصيب التفكّر العقليّ يصيب بالضرورة التفكّر الإيمانيّ
 
وحين نتحدث عن الإيمان ، فنحن نعني به الإيمان الدينى وعلى وجع التحديد الايمان المسيحى ومرجعتيه الكتاب المقدس ، أى الايمان الموحى به حسب الكتاب المقدس من الله ،   يصفه بولس الرسول فى رسالته للعبرانيين "أما الايمان فهو الثقة بما يرجى  والإيفان  بأمور لا ترى" (عب11: 1)   ؛ على الجانب الآخر، نعنى بالعقل تلك الملكةٌ  التى يمتلكها جميع أفراد الجنس البشري التى تؤهّله للإدراك والتنظيم والتنسيق والرّبط ، مما يتيح له حرية الاختيار والتحكم في ارادته ورغباته ، وتبيان الحقيقة ، مرجعية نفسه لا غير. ونعنى بالعلم منظومة القوانين والنظريات والسنن المستخلصة عبر الملاحظة و والتجربة ، والتي ما تكررت النتائج ثابتة . 
 
نتناول القضية من زاوية ووجهة نظر  الكنيسة الكاثوليكية الجامعة ، فقد حرّر لوثر إصلاحه البروتستانتى من قبضة العقل، ، ومع أنّه كان يعترف بأنّ العالم صنيعة الله، فإنّه كان يفصل بين المعرفة الإيمانيّة والمعرفة العقليّة للعالم.
 
وبالمثل الكنائس الارثوذكسية فى الشرق فقد  ظلت بمنأى عن هذه  الاشكالية التى واجهت الكنيسة فى الغرب ، منذ اليوم الاول لاعتناقها المسيحية في مواجهة الفلسفة اليونانية ، وصياغة اللاهوت الطبيعى . بينما عاشت كنائس الشرق بمنأى عن  الثورات العلمية المتلاحقة - منشغلة بعلم الكلام – إنطلاقا من مبدأ القديس باسيليوس الكبير (329او 330 - 379م) "ان المعرفة معرفتان: الأولى معرفة الطبيعة التي يصل الإنسان اليها برؤيتها وفحصها والتبحّر في علومها ، ومعرفة الإنسان لله التي تأتي من الله نفسه ، اذ انكشف هو نفسه في الكتب المقدّسة". ولا علاقة بين هذين المجالين .  
 
وتأتى أهمية طرح هذه القضية لكون الازمة التى يمر بها العالم اليوم فى الغرب والشرق تعود فى الواقع الى خلل التوازن فى العلاقة بين الايمان والعقل والعلم . وهو ما تغالجة الكنيسة الكاثوليكية فى ووثيقة بابوية هامة  بعنوان  "الإيمان والعقل" .
المؤلف
 
الفصل الاول
الفلسفة إحدى أقدم العلوم التي عرفها الإنسان منذ قديم الزمن بالفطرة فى بحثه عن إلاجابة ماهو الكون والوجود والموت ، وتعود تسميتها فلسفةً إلى الكلمة اليونانيّة " فيلوسوفيا"  أي حب الحكمة ويقال أنّ فيثاغورس ِ العظيم  (   570 - 495 ق.م) هو أوّل من استخدم هذه الكلمة ،. واليونانيون هم أوّل من أولى هذا العلم اهتمامًا كبيرًا؛ فظهر فيهم العديد من الفلاسفة كأفلاطون، وأبو قراط، وأرسطو، وسقراط واليونانيون هم أول من جعل من الفلسفة علما قائم بذاته ، ومن التاريخ علما له سمانه 
 
ولقد مرت الفلسفة تاريخيا بأربعه حقب أو عصور أساسية: حقبة الفلسفة القديمة أو اليونانية، وتبدأ بنشأة التفكير الفلسفي لدى اليونان ، ويعتبر طاليس صاحب أولى التأملات في أصل الكون، وتضم أعلاماً بارزة.
 
وحقبة فلسفة العصور الوسطى ( الفترة ما بين الأعوام 400 – 1400 تقريبا)، حيث قام بعض الفلاسفة الذين  اعتنقوا المسيحية منذ القرن الثالث الميلادى،  شرح العقيدة المسيحية فى نسق فلسفى يطلق عليه اسم الفلسفة المسيحية،  وترتبط فلسفة العصور الوسطى ارتباطًا وثيقًا بالفكر المسيحي اللاهوتي، فأغلب أفكارها دينية لاهوتية.وتضم أعلاماً بارزين مثل أوريجين، وأغسطين، وانسلمون ،  وتوما الأكويني. ثم حقبة الفلسفة الحديثة التي تبدأ من عصر النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر وتنتهي بوفاة هيجل سنة 1831.
 
وعند هذا التاريخ تبدأ حقبة الفلسفة المعاصرة والمستمرة حتى الآن. وتضم الفلسفة الحديثة أعلاماً بدءا من فرنسيس بيكون (1561-1626) ورينيه ديكارت ،  وسبينوزا ،  ولايبنتز ، وجون لوك ،  وديفيد هيوم ، وأخيراً إمانويل كانط (1724-1804) الذي يُنظر إليه على أنه آخر الفلاسفة الكلاسيكيين .
 
واختلف المؤرخون حول الفيلسوف الذي يبدأ عنده تاريخ الفلسفة الحديثة، فالبعض، وهم الأكثرية، ينظرون إلى ديكارت على أنه أول فيلسوف محدث، ويذهب البعض الآخر إلى أن الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون . وتتميّز عن الفلسفتين السابقتين بثلاث خصائص هي:
أولاً: نظرتُها العلمية في مقابل النظرة الإستاطيقية "الجمالية"عند اليونان والنظرة اللاهوتية في العصور الوسطى، كما تتميّز ثانياً: بالرّوح الفردية في الدين والعلم، إلى جانب الفكر الفلسفي. وهي ثالثاً فلسفة دولية وليست قومية، بمعنى أنها نتاج فلاسفة من دول متعدّد. ةوهناك فلسفة ما بعد الحداثة التى ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، وتلاشت بسرعة .  وهى فلسفة   نقدية عدمية ، تدعى نسبية صحة كل شىء في القيم، والاخلاق،  والأديان، ومن أشهر رموزها : مارتن هيدجر ، ومشيل فوكو، وجان دريدا.
 
ينصب اهتمام الفلسفة على القضايا الأساسية والعامة التي تهم البشرية تتجاوز أساليب العلم فى وصف الواقع ، تقوم الفلسفة على منهجٍ أساسيٍّ ثابتٍ لدى علماء الفلسفة وهي: التساؤل والذي يقود إلى العديد من الأسئلة الفرعية ، والمناقشة النقديّة لذلك التساؤل، والجدل والحوار المنطقيّ، وإقامة الحجج والبراهين، حول ما وراء الطبيعة ، والإله والكون والوجود والملائكة ، وهل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ وبعكس الأديان تباينت الآراء الفلسفية تارة، وتوافقت تارة أخرى؛ فقد انقسم الفلاسفة في رؤينهم لله إلى خمس فرق رئيسية: الأولى فرقة الماديين التي أنكرت وجوده وقالت أنْ لا إله للعالم، وإن العالم وُجد مصادفة. والفرقة الثانية فرقة العقليين التي قالت إن العقل يفترض وجوب وجود إله للعالم، لكن هذا الإله أسمى من إدراكنا، ولذلك لا نستطيع أن نعرف عنه شيئاً. والفرقة الثالثة فرقة وحدة الوجود التي قالت إن الله والعالم جوهر واحد، فهو من العالم والعالم منه. والفرقة الرابعة اعترفت أن الله ليس هو العالم، ولكنه القوة المحرِّكة للعالم، وبذلك نفت عنه الذاتية وجعلته مجرد طاقة. والذاتية هي الكيان الذي يتَّصف بالعقل والإدراك. أما الطاقة فهي مجرد قوة، لا عقل لها أو إدراك. 
 
ولقد اعترفت الفرقة الخامسة أن الله ذات، ولكنها انقسمت فيما بينها من جهة ذاته وصفاته إلى أربع شيع رئيسية: فالأولى رأت أنه ذات له صفات زائدة عن ذاته، والثانية رأت أن صفاته هي عين ذاته، والثالثة رأت أن الصفات الإيجابية لا تتلاءم مع تفرُّده بالأزلية، فأسندت إليه الصفات السلبية وحدها، والرابعة رأت أن الصفات هي من خصائص المخلوقات، ولذلك نفتها عنه، رغبةً منها "حسب اعتقادها" في تنزيهه عن الاشتراك في خصائص هذه المخلوقات. والذين أسندوا إلى الله الصفات السلبية وحدها قالوا إنه غير جاهل وغير عاجز وغير مرغم. والذين نفوا عنه الصفات قالوا إنه لا يعلم ولا يقدر ولا يريد.
 
المسيحية والفلسفة
 دعت الجماعات المسيحية الأولى نفسها باسم "الغرباء"، وعزفوا عن السياسة والتجارة والفلسفات ، وانصرفوا الى الاهتمام بالفقراء والعجزة والمرضى ، والإخلاص في الزواج . لكن بعد ان تبينوا تأخر مجيء للمسيح الثانى ، أخذت المجتمعات المسيحية تنفتح نحو المشاركة في الحياة الاقتصادية والثقافية . 
 عانى المسيحيون فى القرن الثانى  والثالث من  إضطهادات كثيرة ، عرفت باسم الاضطهادات العشرة في الإمبراطورية الرومانية، مئات  خلالها الآلاف من المسيحيين؛ بسبب رفضهم عبادة  الاهة الإمبراطور ونيذ للعالم الوثني وقيمه. 
 
انتشرت الكنائس في الريف كما في المدن، وظهرت المؤسسات الكنسية، كالأبرشيات تأخذ شكلها المعروف، وظهر اللاهوت الدفاعي أي مجموع الكتابات التي تدافع عن العقيدة بوجه خصومها، لاسيّما الغنوصية والمانوية . 
 
بدءا من القرن الرابع، ، اعترفت الامبرطورية الرومانية أبان الإمبراطور قسطنطين  بالمسيحية ديانة رسمية بموجب مرسوم غاليريوس التسامحي ثم مرسوم ميلانو عام 312 . 
 
 كانت المسيحية في بداية ظهورها ، تعاليم ووصايا صافية خالية من االفلسفة ، لذا  وجد أتباعها  أنقسهم فى صراع بين عيش الانجيل والفلسفة و أنماط الحياة التي كانت سائدة عند كلٍّ من الرومان والإغريق .
 
 انصرف المسيحيون عن الفلسفة اليونانية، واعتبروها مغايرة لعقائدهم ، فالكون فى الفلسفة اليونانية غير مخلوق، و قديم قدم الله نفسه، من ناحية أخرى، فالمسيحية دين وحي يقوم على الإيمان لأجل الفهم ، ومرجعيتها الميتافيزيقية محددة ومثبتة فى نصوص الكتاب المقدس وهو ما تنافى مع  الفلسفة التى تقوم على البحث الشخصي المستقل الحر عن الحقيقة .
 
أمام هذا التناقض  حث ، المعلمون الأوائل  الانسان المسيحى  أن يصدّق الوحي الإلهيّ بقلبه حتّى لو امتنع العقلُ عن هذا التصديق ، حتى  يستقيم للعقل، من هذه الاباطيل الرائجة كى ينشط الإدراك الصائب، وتحذير بولس الرسول وأضح  "أياكم وان يخلبكم أحد بالفلسفة ، بذلك الغرور الباطل القائم على سنة الناس وأركان العالم ، لا على المسيح" (رسالة بولس الرسول لأهل كولو سي 2: 8 ) خاصة بعد مجمع نيقية الذي دعا إليه الإمبراطور قسطنطين نفسه عام ٣٢٥م، والذي أعطى شكلا مقننا وموحدا للمسيحية، ويعتبر كل عقيدة مخالفة هرطقة . 
 
مبرور الوقت، وجد آباء الكنيسة الاوائل  أنفسهم فى ىحاجة الى  بلورة منظومة لاهوتية لما جاء فى الوحى  على قدم المساواة مع الفلسفة ، للدفاع عن العقيدة في وجه خصومها وللبرهنة على صدق ما جاء به الكتاب المقدس في مقابل ما جاء في كتب الفلسفة، والتسلح بالحكمة العالمية.   فعلى سبيل المثال رأوا في فلسفة  أرسطو عن "الجوهر والشكل يصلح لشرح  تجسد المسيح رمزيا في  سر القربان المقدس .
 
 إنقسم  آباء الكنيسة إلى فريقين ازاء استخدام المفاهيم الفلسفية فى شرح العقيدة المسيحية ،فريق رأى أن العلوم القديمة، من فلسفة وآداب وثنية، تفيد المسيحية، وأن أغلب تلك العلوم يؤيد تعاليم الكتاب المقدس، وأن الفلسفة ما هي إلا البحث عن الحقيقة التي استقرت في العقيدة المسيحيّة، وان قول القديس بولس الرسول في كولوسى 8:2 (انظروا أن لا يكون أحد يسيبكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح)، تبدو  لأول وهلة أن المسيحية ضد الفلسفة، وضد طلب المعرفة،.
 
لكن من يركز في كلام بولس الرسول يفهم أنه ليس ضد الفلسفة ولا حب المعرفة، ولكنه هنا يتكلم عن التعاليم الباطلة؛ فالفلسفة هي حب الحكمة والله هو الحكمة الحقيقية. 
 
  أغلب أنصار هذا الفريق كان من فلاسفة مدرسة الإسكندرية ، وقد كان من الطبيعي بعدما أمنوا بالمسيحية ان يستغلوا علمهم في خدمة دينهم الجديد، خاصة أنهم كانوا يمارسون التدريس، ومن هؤلاء جوستين الذي كان أستاذاً للفلسفة، وبعد أن دخل المسيحية ظلّ يبشّر بتعاليم أفلاطون، ويدَّعي أن أفلاطون وسقراط وهيراقليط كانوا مسيحيين قبل أن يظهر المسيح، وأن الفلسفة كانت تسعى إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه المسيحية ، مدعمون رأيهم   بمقولة للقديس اوريجين التي تقول :" بان الله خلق الانسان على صورته ومثاله ( الكتاب المقدس)، فالعقل الانسان هي صورة الله في الانسان  . اذن العقل وانتاجه الفلسفى اعلى من اي سلطة في تحديد المعرفة والحقيقة" .
 
وفريق ثان من أباء الكنيسة اللاتينية رأى أن التوفيق بين الحقيقة المسيحية وبين التعاليم الدنيوية أمر مستحيل، وأن الفلسفة إذا اقترنت بالمسيحية أدت إلى الضلال والإلحاد. وأنّ الأدب والثقافة على العموم لا يمثلان إلا مباهج الحياة الدنيا ومغرياتها، وأن أولئك الذين يدرسون أساطير "هومر" وقصص "زيوس" والآلهة لا يكتسبون منها إلا رجساً، من هؤلاء "ثيرتولبان" (150-230م) حيث كان يعتبر أن الدراسات اليونانية إلحاداً أو زندقة، وأن الفلسفة وراء ما دخل المسيحية من ضلالات وبدع غنوصية.
 
انتصر  الفريق الاول ،  لوجود إرتباط وثيقة بين علم اللاهوت والفلسفة . فالفلسفة تعنى لغويا محبة الحكمة ، الفلسفة تبحث عن الله العلة الأولى وقد تبحث عنه فى الكون والطبيعة لتصل بين النسبى إلى المطلق أو من الوجود إلى الجوهر وتسمى هذه الفلسفة بالفلسفة الفيزيقية (أو الفلسفة الطبيعية ) وتبحث أيضاً عن النفس والموت والحياة الأخرى وتسمى هذه الفلسفة بالفلسفة المتيافزيقية ( أو ماوراء الطبيعة ) . 
 
لذا تعد ددراسة الفلسفة أمرا ضرورىا للتأهل لدراسة اللاهوت  لكى يفرق بين مباحث اللاهوت والآراء الفلسفية. و دراسة الفلسفة تزود دارس علم اللاهوت الملاحظة والتامل والاستنباط والاستنتاج والتحليل والتفكير المنطقى  والدفاع للوصول إلى الحقيقة . وأيضاً لأن الفلسفة هى أم العلوم كلها وكل علم ندرسه إنما تدرس فلسفته وأفكاره . 
 
خلال القرون الأربعة الأولى  بلور آباء الكنيسة  مبادئ العقيدة المسيحية ، صيغت فى قانون يعرف باسم قانون الايمان  وفى منظومة لاهوتية تقوم على المنطق والبراهين الفلسفية، وحل اللاهوت محل الفلسفة التي فقدت استقلاليتها في العالم المسيحي؛ وتحولت إلى مجرد ذراع للدين، أو كما يقولون خادمة مطيعة للعقيدة
 
استخدمت الفلسفة فى خدمة  شرح العقيدة المسيحية  بواسطة رجال تشربت ثقافتهم الفلسفة اليونانية، وأول أولئك القديس بولس الذي كانت تربيته هيلينية وكتابات سينيكا وإبيكتيتوس مألوفة لديه.  وكان من الطبيعى أن تتسرب بعض العبارات الرائجة فى ذلك الوقت الى مواعظه وكتاباته ت. فقد وؤد فى سفر أعمال الرسل ، ان بولس حاور الفلاسفة في أريوس باغوس بسبب معرفته لكتابات اليونانيين (أعمال الرسل 17: 28)، أيضا  ذكر انه اقتبس كلمات فيلسوف كريتي لشرح ما يقوله في رسالة تيطس (تيطس1: 12) .مع  إنه كان يرى أن الإيمان يكفي نفسه بنفسه. 
 
 تعمق التوافق بين الفلسفة واللاهوت بواسطة مدرسة  الإسكندرية وعلماءها من أمثال اقليمنضس الإسكندري والقديس جوستين الشهيد وأوريجانوس الذي تأثر بمنهج فيلون والفسفة الأفلاطونية المحدثة.  وتبدو أثار استخدام الفلسفة فى الفكر المسيحى  مبكرا  في تعبير "المسيح لوجوس" أى الكلمة فى الإصحاح الأول من  انجيل يوحنا. وهو الإنجيل الرابع الذي يرجح أن يكون قد كتب في نهاية  القرن الأول الميلادي . وفى  التعبيرات الفلسفية  الواردة  فى رسائل بولس الرسول في لهجتها ومضمونها . ويقول الباحثون أنها قريبة الشبه برسائل "سنكا "ومقالات "ابكتيتوس"، وليس ذلك بالمستغرب ، فقد نشأ بولس الرسول ببلاد طرسوس في وسط شاعت فيه الأفكار الرواقية.  العجيب أن يوستينوس، الذي نادى برفض الفلسفة الوثنية فى شرح العقيدة المسيحية ،‏ كان أول مَن استخدم اللغة والمفاهيم الفلسفية للتعبير عن الافكار المسيحية، معتبرا هذه الفلسفة «آمنة ونافعة
 
وهناك من  رأى ان الفلسفة ، كانت تمهيدا للإنجيل ، وأن بعض الفلسفات هي «لاهوتٌ حق»، ، ففد رأى اقليمنضس الاسكندرى ان "الفلسفة أُعطِيت مباشرة من الله لليونانيين إلي أن يتجسد الرب…الفلسفة كانت لليونانيين مثل الناموس الذي قاد العبرانيين إلي المسيح". والعجيب أن يوستينوس، الذي نادى برفض الفلسفة الوثنية،‏ كان أول مَن استخدم اللغة والمفاهيم الفلسفية للتعبير عن الافكار المسيحية، معتبرا هذه الفلسفة «آمنة ونافعة».‏  ويذكر كتاب تاريخ للمسيحية الاولى  ‏‏:‏ «كان علماء الماورائيات المسيحيون يصفون اليونانيين الذين عاشوا في العقود التي سبقت مجيء المسيح بأنهم كانوا يجاهدون بعزم لكن على غير هدى لمعرفة الله،‏ محاولين مجازيا ان يبتدعوا يسوع من فكرهم الاثيني الفارغ،‏ وأن يخترعوا مسيحية من خيالهم الوثني الضعيف».‏
وقد أدى تطويع الفلسفة لحدمة شرح العقيدة المسيحية  الى ظهور بالفلسفة المسيحية التي تصهر العقل والوحي في آن  واحد. فقد جاء فى موسوعة أباء الكنيسة الجزء الأول صفحة 16 مانصه : "لقد وضعت الفلسفة اليونانية الأساس الطبيعى لعلم الاهوت . فالبلاغة اليونانية أستخدمت فى الخطابة الكنسية وكذلك الفن اليونانى فى خدمة الكنيسة المسيحية .والكثير من الأفكار والحكم اليونانية الكلاسيكية باتت تبدو كأنها نبوات عن الحقائق المسيحية  .
 
الفلسفة المسيحية
تراجعت الفلاسفة اليونانية، فى أوربا خلال الألفية الأولى بعد ظهور المسيحية، وظهر فلاسفة مسيحيين  يقدمون تفسير للوحي وطبيعة المسيح والحق المُعلَن في الكتاب المقدس مستندين على منطق الفلاسفة اليونانيين القدماء، ورددوا أن الفلسفة تكمل الإيمان عن طريق العقل أو تكمل العقل عن طريق الإيمان، فالفلسفة، إلى جانب امتلاكها أدوات المنطق واستنتاج البراهين، قادرة على التعبير وشرح المعتقدات اللاهوتية . 
واجهت الفلاسفة المسيحية مشكلتين كبيرتين. المشكلة الأولى، هي مشكلة تعارض نهج  الإيمان مع العقل. والمشكلة الثانية، هي مشكلة إشتقاق العموميات من الخصوصيات.
 اتجه رجال الدين المسيحي إلى الفلسفة الأفلاطونية الجديدة كمصدر فكري يدعمون به دينهم الجديد. أول هؤلاء هو الفيلسوف المسيحي أوغسطينوس (354 -  430 م) الذى دون  في كتاب اعترافه ، إن التعاليم الأفلاطونية مهدت لإعتناقه المسيحية. وهو الذى أعطي المسيحيه نسقها القكرى الكامل ولاتزال الكنيسة إلى الآن تستقي من أعمال كتاباته. كانت فلسفته البوتقة التي انصهر فيها الفكر المسيحى مع للفلسفة اليونانية؛‏ كما كانت أيضا الوسيلة التي نُقل عبرها نتاج هذا الانصهار إلى الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى والكنائس البروتستانتية.‏ 
 
تتبنى الفلسفة المسيحية  سلوك وافعال واقوال وتعاليم للسيد المسيح  مصدرا لتعلم الأخلاق . وأن العقل أمر ضروري لاكتمال الإيمان ، فلا يكفي مجرد الإيمان بل لا بد أن تعقل ما آمنت به ، وهي ليست معارف مجردة عن الحقيقة إنما هي طريق عملي للخلاص 
 
يرى القديس أوغسطينوس ان الإيمان ليس مجرد عاطفة مجردة من أي سبب عقلي، بل هو حقيقة يتقبلها العقل، وأنه لابد للإيمان الصادق من التعقل، وما دام الإيمان يقتضي العقل فإن الايمان  لا ينفر من نقد العقل ، فهو لايستقل بذاته في ادراك الحقيقة المطلقة ، بل لابد له في ذلك من سلطة اخرى وهي عند اوغسطينوس سلطة الكتاب المقدس وسلطة الكتاب المقدس تعني الايمان به ، فالايمان ضروري للتعقل كما التعقل ضروري للايمان .وإذا كانت الحقائق الايمان  لايمكن البرهنة عليها ، لكن بالامكان البرهنة على انه يمكن الاعتقاد بها وتلك هي مهم العقل ، فالعقل يسبق الايمان ، ولكن هناك عقلا آخر يتبعه فيذقول اوغسطينون : اعقل كي تؤمن وآمن كي تعقل .
 
 يرى القديس أوغسطينوس ان الإيمان ليس مجرد عاطفة مجردة من أي سبب عقلي، بل هو حقيقة يتقبلها العقل، وأنه لابد للإيمان الصادق من التعقل، وما دام الإيمان يقتضي العقل فإنه لا ينفر من نقد العقل . العقل عند اوغسطينوس لايستقل بذاته في ادراك الحقيقة المطلقة ، ، ل فساد العقل البشرى بسبب الخطيئة الأصلية (خطيئة آدم وحواء أى عدم طاعة الله) ، يضعه في حال العوز الفطريّ ةالحاجة إلى سند الألوهة، تُصوّب عملَه، وتوجّه نشاطَه في قصد الإخضاع والهداية، وبالرغم ممّا كان يسوقه أوغسطينوس في امتداح العقل القابل للإستنارة، فإنّ السّمة الغالبة في فكره اللاهوتيّ تشاؤمٌ صريحٌ وإصرارٌ بيّنٌ على بؤس الإنسان وانعطاب مقدّراته العقليّة الذاتيّة.
 
وأنه  لابد لرنشان في ذلك من سلطة اخرى وهي سلطة الكتاب المقدس وسلطة الكتناب المقدس تعني الايمان به ، فالايمان ضروري للتعقل كما التعقل ضروري للايمان . وإذا كان بعض حقائق الايمان لايمكن البرهنة عليها ، ولكن بالامكان البرهنة على انه يمكن الاعتقاد بها وتلك هي مهم العقل ، فالعقل يسبق الايمان ، ولكن هناك عقلا آخر يتبعه .  وصاغ اوغسطينوس قاعدة تحكم هذه العلاقة  : "اعقل كي تؤمن وآمن كي تعقل" . من منطلق هذه القاعدة ، يقول نلميذه  اللاهوتى  أنسلمون أسقف  كنتربري   (1033 –   1109) "الايمان باحث عن العقل" .، ، بمعنى ان العقل لا بد يستند الى شيء في بدايته ، على قاعدة او مرجعية او منطق اخر سواه ، ولا يوجد شيء اخر سوى الايمان، فالايمان هو الحجر الاساسي والمنطلق الاول لدى العقل، لانه لا يستطيع العقل التفكير في لا شيء ، وان تعقل شيء فهو عقل الايمان .لايمان يحتاج الى العقل وبالعكس..
 
أما الفيلسوف واللاهوتى توما  الأكوينى (1225 - 1274 ) ،  الذى تقوم فاسفنه  على الملاحظة والتجربة ويعنبر المجردات ليست سوي أسماء وألفاظ جوفاء. 
 
فقفد ووضع صياغة جديدة لقاعدة  القديس اغسطينوس التى تقول  " أومن كى تغقل"  . إذا كنت مخطئا ، فأنا موجود ، وعلى هذا علينا النحو: " أعقل ثم أؤمن"، هذه الصياغة الفلسفية قد جعل إدراك الحقائق المطلقة هي جزء لا يتجزأ من سيرورة سبق العقل للإيمان .  وخلافا للقديس اغسطينوس  يتصور ان الطبيعة البشريّة حسنة  ، وعلينا ان نثق ققة  ثابتةً بمقدُرات العقل الإنسانيّ. ، واعتبار ان الايمان والعقل نورين من الله، الا ان الله قد احلّ في  "الانسان نور العقل"، اذا لا يمكن ان يختلفا او يتناقضا؛ بل العكس هما يتعاونا ومن ثم يمكن معرفة الله عن طريق االمعرفة الايمانية والمعرفة العقلية أى عن طريق اللاهوت والفلسفة ،ويرى ان «كل حقيقة أيّاً كان قائلها، هي من الروح القدس» . 
ويرى القديس توما الاكوينى اذا تعازضت العقيدة مع نفسها أو الحقائق المعروفة  ، فهذا علامة على أنها غير صحيحة   ودهب اخرون الى ان الايمان والعقل مصدرين للمعرفة منفصلين لكل منهما اختصاصه ومجاله ،  بتم حسم  الخلاف الظاهرى بينهما من جانب الدين اذا كان الامر دينيا ، ومن جانب العلم اذا كان الخلاف  دنيويا .
وفى هذه القضية بقول الفيلسوف الالمانى ايمانويل ( 1724  - 1804 ) في كتابه الشهير "نقد العفل المحض" أنّ كلّ ما هو خارجُ التجربةِ الحسيةِ لا يستطيعُ العقلُ أن يدركَه ، وتلك هي حدودُ العقل. فقضايا مثلَ وجودِ الله، وماهيتِه، وحريةِ الإرادةِ، وخلودِ الروحِ، وغيرِها من القضايا الميتافيزقيةِ لا يمكن التعاملُ معها بالعقل. االعقل يعمل بناء على المدخلاتِ الحسيةِ ومعالجتِها داخلَ قوالبِ المبادئِ العقليةِ لكى  تتحوّلُ تلك المدخلاتُ لمعرفةٍ .ويضيف : "إنّ المدخلاتِ الحسيةِ بدون المبادئِ العقليةِ هي شيءٌ خارجُ الوصفِ والتحديد، والمبادئُ العقليةُ بدون المدخلاتِ الحسيةِ ليس لها معنى" . وبالتالي كلُّ ما هو خارجُ التجربةِ الحسيةِ هو خارجُ نطاقِ العقلِ ،   وأى محاولةٍ للعقلِ في سبرِ أغوارِها تصل به للتناقض؛ فلا يستطيع إنسانٌ تقديمَ برهانٍ مطلقٍ سواءٌ بالإيجابِ أو بالنفي .
 
 ويالتالى  كلّ الأدلةِ العقليةِ على وجودِ الله هي فكرةٌ مغرقةٌ في عقلانيةٍ خاطئةٍ تخطّت حدودَها فتاهت عن الحقّ؛ لأنّ إدراكَ الحقيقةِ العُليا وطبيعةِ الإلهِ هو إدراكٌ يقعُ خارجَ نطاقِ الحواسِّ وبالتالي خارجَ نطاقِ العقلِ والمعرفةِ، وأيُّ تصوراتٍ من تلك النوعيةِ أساسُها العقلُ ستؤدي لتناقضات. وشق كانط طريقًا آخرًا غيرَ العقلِ – الذي أثبتَ قصورَهُ – لإثباتِ القضايا الميتافيزيقيةِ السابقةِ وهو طريقُ إرادةِ تنفيذِ القوانينِ الأخلاقيةِ التي بداخلِ كلِّ إنسانٍ. "إنّ الأخلاقَ إنّما تقودُ على نحوٍ لابدّ منه إلى الدّين، وعبر ذلك هي تتوسّعُ إلى حدِّ مشرّعٍ خَلْقيّ،  في إرادته تكمن تلك الغايةُ النهائيّةُ من لخلقِ الله العالم" .
 
العالم  والخلق : 
 العالم عند أوغسطينوس ليس قديما بل محدث خلقه الله من لا شيء بمحض مشيئته وإرادته الحرة، ومن العبث أن نسأل ما كان يفعل الله قبل خلقه الخلق أو أين كان قبل أن يخلق العالم، إرادة الله قديمة، وفعله قديم ولا يوجد قبل ولا بعد إلا في مخلوقاته، فلا الزمان ولا المكان أزليان. 
 
وان العالم أثر لله تتألق فيه الصفات الإلهية، كالوحدة والحقيقة والخير والجمال، ناقصة متفاوتة بسبب نقصه وتفاوت موجوداته، وذلك أن كل موجود فهو واحد بماهيته، ولكن ثمة فرق بين وحدة الجسم القابل للقسمة بما هو جسم، وبين وحدة النفس التي لا تنقسم بحال 
 
وأن الله لا يريد بالضرورة إلا ذاته، وأنه يريد غيره بالاختيار  فهو ليس يريد بالضرورة أن يكون العالم، ولا أن يكون أزلًا، ولا أن يكون حادثًا، وهكذا يحسم الخلاف الطويل العنيف بين أنصار القدم وأنصار الحدوث،وإذن فقد خلقت الموجودات من العدم بفعل حر، يدل على ذلك أيضًا أن ليس العالم أزليًّا
وعن  كيف كان الخلق؟ هل أوجد الله الأشياء على التوالي في ستة أيام؟ إن في هذا التصور تشبيهًا لله بالصانع الإنساني يصنع في الزمان، فلا ينبغي فهم الكتاب على ظاهره، والكتاب نفسه يشهد بأن الأيام الواردة فيه ليست كأيامنا، من ذلك أنه يذكر خلق الكواكب في اليوم الرابع، وكيف تكون أيام وليال بلا شمس؟! وأن يومًا واحدًا يمثل زمن تكاثر الحيوانات على وجه الأرض، ومثل هذه السرعة في التكاثر يفوق ما للطبيعة من قوة معروفة، وأن الله استراح في اليوم السابع، يعني أن الله كف عن الخلق وأن الراحة مستمرة إلى وقتنا، وإذن فليس اليوم السابع يومًا عاديًّا، وليس المراد أن الله أحدث العالم على ما نرى اليوم، إنما تم الخلق في لحظة، والأيام الستة تفصيل لتلك اللحظة غير المنقسمة.
 
وان الله  خلق بعض الأشياء بالفعل، وهي الدائمة الثابتة على صورتها، والبعض الآخر بالقوة، وهي الكائنة الفاسدة، الطائفة الأولى تشمل الملائكة والنور والجلد والعناصر الأربعة والكواكب ونفس الإنسان الأول، والطائفة الثانية تشمل النبات والحيوان خلقها الله في «أصول بذرية» غير محسوسة أودعها طين الأرض على أن يتعهدها بعنايته ويبلغها إلى النضج والظهور فتخرج منها أجيال الأحياء على مر الزمان
 
ويتسأل اغسطينوس ، إذا كان العالم صنع الله، وكان الله الخير بالذات، فكيف يوجد الشر في العالم؟ مسألة شغلت أوغسطين منذ انضمامه للمانوية، وأعانه أفلوطين على حلها، نقول: «أعانه»، ونعني أنه أعطاه فكرة طبقها هو تطبيقًا جديدًا، فحصل على حل جديد، الفكرة هي أن كل موجود فهو خير بما هو وجود، وأن الشر، وهو عدم الخير .
 
لقد وجد الزمان بوجود العالم لأن الزمان هو مقياس حركة الأشياء، وقبل أن يخلق الله الأشياء لم توجد حركة؛ وبالتالي لم يوجد زمان، كذلك لم يوجد المكان قبل الخلق إذ لا وجود للمكان خارج العالَم، ولا ينبغي أن نفسر وجود الله بمعنى أنه حال في مكان ما فهو في كل مكان ولكن دون أن يتموضع في مكان، كما أن علمه بما كان وما سيكون لا يعني سبق العلم والتنبؤ وإنما يعني أن الماضي والحاضر والمستقبل مهما كان بعيدا دائما حاضر كحضور التو واللحظة في علمه الذي لا يتجزأ ولا ينقسم ويحيط بكل شيء، ولا طائل من أن نسأل لماذا خلق الله العالم؛ فإرادة الله ومشيئته هي العلة الوحيدة لوجود كل الأشياء وليس من علة فوقه تحدد فعله أو تحد من إرادته وقدرته.
 
الدةلة والقانون والحرب الشرعبة :
انشغل الفلاسفة المسيحيين ، بمسألة  العلاقة بين الرعية والسلطة السياسية  والعدل  والقانون وشرعية الحرب ، إذ  يعبر نصور   القديس اغسطينوس عن موقف المسيحية الاولى من  الدولة  بصفة عامة . فيقول فى كتابه "مدينة الله" وجوب طاعة السلطات على حذو بولس الرسول فى رسالته الى أهل روما  "على كل نفس أن تخضع للسلطات الحاكمة، فلا سلطة إلا من عند الله، و السلطات القائمة مرتّبة من قِبل الله، حتى إن من يقاوم السلطة، يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيجلبون العقاب على أنفسهم، فإن الحكام لا يخافهم من يفعل الصلاح، بل من يفعل الشر" (13: 1-4) فهو يعتبر السلطة الدينية اوالمدنية تفويض من الله ، و كلّ تمرّد على السلطة الحاكمة يُعتبر عصياناً يعاقب عليه القانون.
 
وبناءً على مبدأ التفويض، فإن طاعة الحكام هي "أمّ الفضائل "، و هي توجد على رأس هرم الفضائل. ويحضّ أغسطينوس على طاعة السلطة السياسية الأرضية، حتى و لو كانت سلطة جائرة، ما دامت لا تسعى إلى التحكم في ضمائر الناس وعقيدتهم الدينية. 
 
وأورد أغسطينوس ثلاثة حجج للدفاع عن فكرة طاعة الولاة : أولا، أن الله يهب الحُكم لمن يشاء، مؤمنا كان أو وثنيا، لحكمة لا يعلمها إلا الله؛ ثانيا، قد يكون حكم الظالم تصرفاً إلهيا من أجل تهذيب النفوس و صرفها عن الشعور بالكبرياء، ثالثا، قد يكون الظالم أو الوثني مجرد وسيلة يسعى الله من خلالها إلى استتباب الأمن والسلام في الحياة المشتركة بين المواطنين، ومع ذلك، عندما يتجاوز الظلم حدّاً لا يُطاق، يصبح العصيان واجباً، غير أنّ المقاومة تظلّ روحية، ولا يُثني عن محبة العدو، مهما عظُم الظلم .
 
ومن حق الدولة ان تشرع القوانين ، ويقتضى ان تتوفر فيها الشروط الاتية :   أولًا: يجب أن يصدر عن القانون الطبيعي، فليس القانون الجائر قانونًا، ولا يمكن أن يعطي الحق المطلق للحاكم، بطريقة تخلق له منفعة تُفْرَض على الرعية كحق واجب؛ لأن أساس الحق العدالة لا منفعة الأقوى، وأساس استخدام القوة أنها وسيلة لتأييد العدالة.
 
 ثانيًا: القانون الوضعي أضيق نطاقًا من القانون الطبيعي، فهو لا يتناول سوى الأفعال الظاهرة، ويغض الطرف عن بعض الشرور، ليتفادى شرورًا أعظم، تاركًا لله المعاقبة على ما لا يعاقب القانون الوضعى عليه. 
ثالثًا: القانون الوضعي تابع إلى لظروف الزمان والمكان، فإن من العدل تدبير الأخلاق بحسب اختلاف أحوال الإنسانية الخاطئة، فلا ينبغي اتهام شعب بالرذيلة إذا ما بدت لنا حكمته أدنى من حكمة شعب آخر أو عصر آخر، إن العدالة ثابتة، ولكن الناس متغيرون، ويذهب حق تأييد العدالة بالقوة إلى حد مشروعية الحرب؛ فيقول: للحرب خصوم يزعمون إنها مضادة للأخلاق، ويشقى الناس من ويلاتها، الحرب الممقوتة هي التي يحدوها حب الفتح أو الحقد والانتقام، ولكنها واجبة فى حاله التصدى للمعتدى، والامتناع عن شنها يؤدى إلى انتصار الأشرار، وهي نكبة خلقية، وإغراء للاشرار بالتمادي، وفتنة للآخرين، بينما تكف المقاومة شرهم، فالحرب مشروعة متى كانت الوسيلة الوحيدة لصيانة الحقوق المهددة، والذين يموتون فيها مائتون حتمًا يومًا ما، وهم إنما يموتون لكي تحيا الأجيال التالية في كرامة وسلم، فعلى الجند الطاعة، وهم لا يعتبرون قتلة؛ لأن القتل الذي حرمه الله هو الصادر عن هوى شخصي، عليهم الطاعة حتى ولو كانوا يشكون في عدالة حربهم، فإن الإثم يقع على صاحب السلطان لا عليهم، ولا يحق لهم العصيان إلا إذا كانوا على يقين تام بمنافاة حربهم للعدالة، على أن الحرب، إذا كانت ضرورة، فهي ضرورة محزنة، فلا أقل من أن تسودها الرحمة بحيث لا يؤتى فيها من الأفعال إلا الضروري للانتصار، وكم تكون الإنسانية سعيدة لو أنها صغيرة يعامل بعضها بعضًا معاملة الأسر المتحابة ! 
ولمشروعية الحرب، وضع أغسطينوس عناصر يجب أن تتوفر فيها كي تكون حربا عادلة مشروعة، وهذه العناصر هي:
 
يجب أن تكون متوافقة مع قانون الطبيعة، أو بأمر إلهي.
 
يجب أن تكون تحت قيادة شرعية فلا يحق للفرد أن يجمع الجيوش ويشن حربا علي دولة أخري.
 
يجب ان تكون الحرب لهدف سامي بأن تكون قائمة علي المحبة رغم استخدام العنف، وأن تكون لسبب عاد كاستعادة الحقوق أو معاقبة المعتدي.
ويضيف : "لا يحق قتل الإنسان، ولكن هناك استثناء في الشريعة الإلهية، فإنه يحوز قتل الإنسان اذا كان قانون الطبيعة يبرر ذلك، أو أن هناك أمر إلهي، اذا منح الله شخصا ما سلطانا بالقتل، فانه ليس إلا أداة في يد الله، وبذلك لا يعتبر هذا الشخص قاتلا . ورأى أغسطينوس فى الآية الانجيلية التي تقول: " لا تقاوموا الشر، بل من لطمك علي خدك الأيمن فحول له الآخر"(متى 5/39)، أن هذه النصوص يجب أن لا تفهم حرفيا، وإلا فإننا نتهم يسوع بمخالفة تعاليمه، لأنه لم يدر الخد الأيسر عندما لطمه واحد من الخدام وإنما اعترض وقال: ان كنت قد تكلمت رديّا فاشهد على الردي وإن حسنا فلماذا تضربني؟" (يو 18/23)، وكذلك بولس الرسول، فعندما أمر حنانيا رئيس الكهنة أن يضرب بولس، اعترض بولس وشتم رئيس الكهنة قائلا له: "سيضربك الله أيها الحائط المبيّض.أفانت جالس تحكم علي حسب الناموس وأنت تأمر بضربي مخالفا للناموس"(أع23: 1-5) . ويستشهد القديس أوغسطينوس علي مشروعية الحرب بنص من انجيل لوقا 3/ 14 حيث سأل بعض الجنود يسوع أن يوصيهم فلم يطالبهم باعتزال الجندية، وقال لهم : "لا تظلموا أحدا ولاتشوا بأحد واكتفوا بعلائفكم"، ويقول القديس أغسطينوس وان كانت المسيحية تدين جميع أنواع الحروب لكانت النصيحة التي يقدمها الإنجيل للجنود الذين سألوا عن لخلاص، ان يلقوا أسلحتهم ويهجروا الجيش نهائيا، بل ان نصحهم بالقنوع في مرتباتهم بدل من عدم تحريم الجندية .
 
ويقول أغسطينوس، على الدولة إقرار الملكية الفردية وحمايتها، المالك الحقيقي هو الله خالق الأشياء، ولكن الحيازة المشروعة والشراء، والبدل، والهبة، والإرث، تخول الحق في الملكية، أما الاستيلاء بطرق أخرى على ملك الغير فسرقة واغتصاب، ولا يبطل سوء تصرف المالك حقه في ملكه، ولو أريد توزيع الخيرات والمناصب على قدر العدالة والكفاية والفضيلة، لتعرض النظام الاجتماعي لتقلبات لا تحصى، فإن مثل هذا التوزيع عسير التحقيق، إن لم نقل: إنه مستحيل، وهو على كل حال قصير الأجل، ولا ينبغي أن نتوقع العدالة التامة في هذه الحياة كما لو كانت المدينة السماوية ممكنة التحقق على هذه لأرض.
 
ظل تفسير أغسطينوس لرسالة بولس إلى مؤمني روميه، حول طاعة السلطات المرجعية المعتمدة، يستند عليه فى الخضوع للسلطات حتى الظالمة  حتىأدان البابا عريغور السابع الملك هنرى الرابع سنة 1076 وظهور اجتهادات دينيو تسمخ بعزل الولاة الطغاو وقتلهم فى  القرن الثاني عشر الميلادى .  قذهب القديس توما الاكوينى    ( (1225-1274   ان الدولة تقوم على ضرب من التعاقد، ويستند الى تعريف شيشرون الجماعة بأنها «كثرة منظمة خاضعة لقانون عادل يرتضيه الفرد، ابتغاء منفعة مشتركة» (الجمهورية م١ ف٢٥).  وان الملكية أفضل انظمة تالحكم ،ولا يوجد في الواقع نظام كامل أو نظام دائم، كل نظام فهو ينطوي على جرثومة فساد .
 
وان أهم وظائف الدولة تأمين الجماعة من الخطر الداخلي والخطر الخارجي، فمن الوجهة الأولى تضطلع الدولة بالتشريع، أي بإقامة العدالة بين الأفراد، فلا قيمة للقانون الوضعي إلا إذا صدر طبقًا للعقل ولأجل الخير العام، طبقًا للقانون الطبيعي .
 
والقانون يظل لغوًا بغير جزاء، على القاضي تطبيق العدالة، ومراعاة الإنصاف دون التقيد بحرف القانون عند الاقتضاء، وتبرئة المتهم حين لا تقوم البينة على الذنب، فلأن يخطئ في حسن الظن بمجرم خيرٌ من أن يظلم بريئًا، ولا يدين القاضي بحسب اعتقاده الشخصي، بل بحسب ما تبين له باعتباره شخصًا عموميًّا، وهذا لا يمنعه من استخدام معارفه الخاصة لجلاء الحقيقة، فإن لم تنجلِ على النحو الذي يعلم، كان عليه أن يحكم بما ظهر أمامه فقط، أما العقاب فهو على العموم تعويض عن الذنب، ولكنه في هذه الحياة تأديب أيضًا، فهو رادع  وإصلاح ، ومن ثمة عامل من عوامل السلام في المجتمع، وعقوبة الإعدام مشروعة .
 
 ويطالب الاكوينى الرعية  التقيد بوصية بولس الرسول فى رسالته إلى مؤمني روما- من منطلق أنّ الانصياع للحاكم يضمن حفظ الأمن داخل الحياة الجماعية، كما أنّ الفرد الواحد لا يضمن الأمان إلا داخل الجماعة، وعليه فإن وجود الدولة ضروريٌّ و يدخل في طبيعة الأشياء، وان إيمانهم  المسيحى لا يُعفيهم من الخضوع لسلطة الحكم المدني، و مع ذلك، توجد حالات خاصة  يحقّ فيها للمحكومين أن يتمرّدوا على الحاكم؛ فيقول: من الواجب على الحاكم أن يسعى إلى توفير الخير العام وإلى تحقيق العدالة التى تفترض  وجود قوانين أزلية ، وهي قوانين تنبع من الحكمة الإلهية، و لذلك، يتوجب على القوانين الوضعية أن تستمد من القانون الإلهي حتّى تصبح هذه القوانين ملزمةً، وعليه، يملك الحاكم الحقّ في إصدار الأوامر إذا ما ظلّت ممارسة السلطة منسجمة مع القانون، أما إذا انتهك الحاكم القانون والعدالة، يحقّ للمحكومين أن يتمردوا على الحاكم، بل يجوز قتله أو نفيه، ولكنه أجاز ذلك فى حالتين :  إذا ما اغتصب الحاكم السلطة واستولى عليها بالقوة من غير وجه حقّ، أو إذا ما أصدر الحاكم أوامر ظالمة، حتى وإن كان الجميع يعتر بأن حكمه شرعي .
 
لكن قتل الطاغية أو الغاصب فغير جائز لفرد يقوم به من تلقاء نفسه، ولكن للشعب بأجمعه أو ممثلًا في مجلس مشروع أن يستعمل هذا الحق.
 
 .وهو ما اعتمد عليه منظرى "لاهوت التحرير" الذى ظهر  فيما بعد فى تبرير الكفاح ضد الأنظمة الديكتاتورية والتى لا تراعى العدالة الاجتماعية .
 
 استنتج مارتن لوثر أب المذهب البروتستانتى  على مشروعيّة وجود السلطة الحاكمة، بناء على ماجاء في الرسالة إلى مؤمني روما و على إباحة الاعتراض على الحاكم وعلى تشغيل الجنود المأجورين ، و قد قسّم الناسَ إلى فئة تنتمي إلى مملكة الله و فئة تنتمي إلى مملكة الدنيا. و من ينتمي إلى الفئة الأولى لا يحتاج إلى “السيف الدنيوي" . 
 
لذا أوجب لوثر الانصياع للسلطة الحاكمة على امتداد كتاباته اللاهوتية ،. و من بين الأسباب التي ساقها ، وجوب حفظ السلم و النظام العام و كبح الشر. وعدم مقاومة الشر بالشر ، ويجب علي المرء أن يمتثل لأوامر السلطة حينما تأمره بحمل السلاح ضدّ الأعداء، ما دام الحكام يسعون إلى استتباب الأمن. و قد يكون العنف أداة تحقيق ذلك، ما دام ظاهرةً اجتماعيّةً موجودةً مثل وجود الزواج و الطعام و الشرب، و ما دام أنّ الشرع قد سكت هن هذه القضايا، فلم يحرّمها.
 
و هنا ميّز لوثر بوضوح بين حرية العقيدة و واجب الانصياع للسلطة. فالسلطة الدنيويّة ليست معنيّةً بعقيدة المؤمن و لا يحقّ للحاكم أن يفرض على المواطن اعتناق ديانة بعينها و لا أن يحارب الهرطقة. بالمقابل، لا يحقّ لرجال الكنيسة أن يتحملوا وظائف سياسية، لأنهم لا يشكلون سلطة. يجب على “الكنيسة أن تصبح بنيةً خاليةً من العنف" و الدليل على ذلك في نظر البروتستانت أن المسيح و الرّسل لم يؤسّسوا كنيسةً، بل أسّسوا جماعة قائمة على المحبّة، و هي جماعة تقوم على وجود معلّمين و مريدين، كما يقول لينك، و لم تقم أبداً على علاقة حاكمين بمحكومين.
 
و عندما يتدخل الأمراء في شؤون الدين يحقّ للمؤمن أن يشقٌ عليهم عصا الطاعة، بينما لا يحقّ الاعتراض على قوانين الأمراء التي قد لا يرضى الله عنها، ما دامت في خدمة مصالح الدنيا. يتبيّن من ذلك أنّ مارتن لوثر قد ربط الإصلاح الديني بمشكل توزيع السلطة و الحكم السياسي. فقد دعا سنة 1522 إلى عدم مواجهة الكاثوليك، ما دام التمرّد يصيب الأبرياء و المذنبين معاً و ما دام الله قد نهى عن التمرّد و العنف حتى لو  كانوا على ضلال.
 
 ويرى الاب متى المسكين ان للشخص تالمسيجى وطنان ، أحدهما ارضى ، والاخر سماوى . ويدعو الاب متى المسكين الفصل بين السلطة الروحبة والزمنية  ، اُنطلاقًا من آية الكتاب المقدس «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (متى 22: 21). ويرى أن القوتين متعارضتان لا يمكن أن تجتمعا معًا، فالواحدة تلغي الأخرى، وإذا مالت الكنيسة إلى القوة الزمنية سواء في العصور الماضية أو الحالية والحاضرة فهي بالضرورة تفقد معونة الروح القدس؛ فلا تشهد بالحق.
 
 
وان سلطة الكنيسة تنحصر ، فيما يختص بإيمانه، وعقيدته، وسلوكه الروحي. وطبقًا بتمتع المواطن المسيحى بحرية التصرف، وإبداء الرأي، والاشتراك في كل ما يخص وطنه، في كل الأمور الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية على السواء، دون الرجوع إلى الكنيسة مادام يخاف الله  .
فى الحتام أذا كان الايمان المسيحى لايرتبط بنظام سياسى أو اقتصادى معين ، الا أنه على ضوء تعاليمه وتوجيهاته، فإن للكنيسة الحق في إصدار حكمها الأدبيّ في القضايا التي لها علاقة بالشّأن السّياسيّ، إذا تطلّبت ذلك حقوق الانسان الأساسيّة بما فيها خلاص النّفوس، مستخدمة مختلف الوسائل الملائمة للإنجيل وخير الجميع (ك ع 76) .
 
لاهوت التحرير
لاهوت التحرير مصطلح أُطلِقَ على تيّارٍ لاهوتيٍّ مسيحيٍّ ظهر في خضمّ الظروف التي شهدتها أميركا الجنوبية في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى .ظهر مُصطلح "لاهوت التحرير" لأول مرة عام 1968وبالتحديد في جمهورية بيرو، وامتدت تبعياته  إلى خارج القارة  ، لاسما البلدان التى ترزح تحت نير القهر و الظلم والفقر فى أفريقيا وآسيا ، ولكن بمسميات أخرى ، وأُطرٍ مختلفة ، من قبيل لاهوت السود (black theology) واللاهوت الأنثوي (feminism theology) 
 
. يستند مؤيدي لاهوت التحرير إلى بعض كتابات  أنبياء العهد القديم فى العهد القديم  . على سبيل المثال، يحذر سفر ملاخي 3: 5 من دينونة الله للذين يستغلونالعامل : "وَأَقْتَرِبُ إِلَيْكُمْ لِلْحُكْمِ وَأَكُونُ شَاهِداً سَرِيعاً عَلَى السَّحَرَةِ ... وَعَلَى السَّالِبِينَ أُجْرَةَ الأَجِيرِ: الأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ وَمَنْ يَصُدُّ الْغَرِيبَ وَلاَ يَخْشَانِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ". (أنظر أيضاً إشعياء 58: 6-7؛ أرميا 7: 6؛ زكريا 7: 10). والى أقوال المسيح في إنجيل لوقا 4: 18 التى تبين عطفه على البائسين: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ". (أنظر أيضاً إشعياء 61: 1).  والى أقوال معلم الكنيسة الرومانية "توما الاكوينى :"  إذا انتهك الحاكم القانون والعدالة، يحقّ للمحكومين أن يتمردوا على الحاكم، بل يجوز قتله أو نفيه، ولكنه أجاز ذلك فى حالتين :  إذا ما اغتصب الحاكم السلطة واستولى عليها بالقوة من غير وجه حقّ، أو إذا ما أصدر الحاكم أوامر ظالمة، حتى وإن كان الجميع يعتر بأن حكمه شرعي . لكن قتل الطاغية أو الغاصب فغير جائز لفرد يقوم به من تلقاء نفسه، ولكن للشعب بأجمعه أو ممثلًا في مجلس مشروع أن يستعمل هذا الحق.
 
 يتمحور "لاهوت التحرير" حول خلاص الإنسان وتحريره على كافّة الأصعدة، ورفض كلّ تفسير يدجّن يسجن الإيمان في ممارسات تقويّة بحته . وفي تفسيرات روحيّة محضة، ويدعو لتحريك المجتمع الكنسي ليمارس ما يلزم عمله لمساعدة المظلومين والبائسين والمحرومين والفقراء من تغيير اوصاعهم  والدعوة تحمل قيام المجتمع الكنسي بكل ما يمكن عمله لتحرير المطحونين ليكونوا مستقلين، لهم سيادة على ذواتهم دون اعتماد على الغير، لذا فإن لاهوت التحرير ليس مجرد دعوة للتحليل العقلاني فحسب، بل دعوة للعمل الرعوي والخدمة النابعة من سماع أصوات الفقراء في كل عصر.
 
 بدأت إرهاصات "لاهوت التحرير" الأولى عام 1955 في لقاء لأساقفة أمريكا اللاتينية الكاثوليك  في مدينة "ريو دي جانيرو " بالبرازيل ، للتأكيد على  ضرورة تعزيز الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الانسان، وأحوال الفقراء، و تكوين  عدة حركات شعبية مثل حركة الطلبة المسيحيين، وحركة العماالمسيحيين، وحركة الفلاحين المسيحيين، وحركة التعليم الأساسي.  
 
في 1968 رأى المجتمعون فى مؤتمر ميديللين في كولومبيا،  أن كل شعوب أميركا اللاتينية فى ظل الأنظمة العسكرية الفاشية القائمة المتحالفة مع قوى رأسمالية تعيش في سجن كبير، وبالتالي هناك ضرورة لتحرير هذه الشعوب من هذا السجن الكبير واستنشاق نسيم الحرية والعدل الاجتماعى . وصدر عن المؤتمر وثيقتان بأسم العدالة والسلام، واعتبر المؤتمرون أنها ليست ساعة الكلام بل ساعة الفعل والعمل ارتكازاً إلى ثلاثة مفاهيم لبناء المجتمع الجديد وهي :  إثارة الوعي لدى الجماهير لكيما تدرك أهمية التغيير ، التحرير من الظلم والفقر والقهر ، المشاركة في الإصلاح.
فى اطار هذا العمل ، ظهرت الحاجة الى بلورة لاهوت التحرير . فعندما  طُلب من الأب "جوتييريز" اليسوعى  إعداد تقرير عن لاهوت التنمية، رأى استحالة الحديث عن لاهوت التنمية بدون الحديث عن لاهوت التحرير. في الوقت عينه، فى الوقت عينه 
كان "ليوناردو بوف" متأثراً بحركة التجديد الروحى ، ينتقد علناً انغلاق الكنيسة وجمودها في مواجهة مشاكل الفقراء ، ما عرّضه إلى المحاكمة على يد الكاردينال "راتزينجر" رئيس مجمع العقيدة والايمان الذي صار لاحقاً البابا بندكتوس الثالث عشر، وأجبر على الصمت فترة من الوقت ، حيث عاد فيما بعد  إلى الكلام عن "لاهوت التحرير" 
 
ومن الكتب المؤثرة في ترويج لاهوت التحرير . كتاب "ليوناردو بوف" الفرنسيسكانى "يسوع المحرر،" في سنة 1971  ودراسة نقدية لعلم المسيح"، ففي كتابه، انتقد بوف اللاهوت الدراسى الجديد لشخص المسيح، وتجاهل بعده الإنسانيّ؛ المسيح التاريخي الذي سطّر حياته التبشيريّة من خلال مواجهةٍ مفتوحةٍ مع السلطات الدينية والسياسية لزمانه. فبحسب "بوف"، كانت رسالة المسيح التحريرية تمثّل تحدياً للسلطات الدينية اليهودية والسلطة السياسية الرومانية. فهذا المُبشِّر الشاب، ابن نجارٍ بسيطٍ من الجليل ، بدأ رسالته بصعوده منبر المجمع اليهودي في الناصرة، حين دُعِيَ، ككلّ شابٍ بلغ سن الرشد، إلى قراءة التوراة. فاختار يومها، قصدًا، أن يقرأ من سفر إشعيا المقطع الذي يُنبئ بمجيء المسيح المُنتظر، مُقدِّماً إياه كمحرٍّرٍ: "روح الربّ عليّ، لأنّه أرسلني لأُشفي منكسري القلوب، وأُعيد للعُمي بصرهم، وأُعلن للأسرى إطلاق سبيلهم، وأُبشِّر المسحوقين بالحرية (متى 4 : 18) أعاد الكتاب إلى الكاهن، معلناً أمام الحضور: "هذه النبوءة تمّت اليوم على مسامعكم".
 
ووفقاً لـ "بوف"، كانت رسالة المسيح منذ بدايتها رسالة تحريرٍ. فحين قدّم نفسه ابناً لله وملكاً، كان يتحدّى ملك ذلك الزمان،. كما تحدّى المسيح حينها طبقة رجال الدين اليهود ، إضافةً إلى لعبهم دور الشرطي الذي يُبقي الشعب خاضعاً لروما بانتظار مجيء المحرّر.
 
وحسب "بوف"، وفى كتابه بقول "بوف" ان أوضح المسيح جليّاً شكل المملكة التي أتى يُبشِّر بها، فوصفها بأنّها مملكةُ الله التي يصبح فيها "الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (متى 19 : 330) ؛  مملكةٌ يُرفع فيها المتواضعون، ويُنزّل فيها المتكبّرون عن كبريائهم. ملكوتٌ يرِثُه الفقراء، ويشبع فيه الجياع، ويفرح فيه الباكون. (متى 5 : 112) ملكوتٌ لا يُعبد فيه سيدان: الله والمال، بل الله وحده، ( منى 6 : 244)  جاعلًا المال نقيضاً لعبادة الله، مُعلناً أنّه "من الأسهل أن يدخل جملٌ من ثقب إبرةٍ من أن يدخل غنيٌّ إلى ملكوت الله" (متى 19 " 24).  ملكوتٌ ليس من هذا العالم، راديكاليٌّ إلى حدٍّ لا يطيقه البشر في أسلوب حياتهم الأنانيّ ( يوحنا 15 :19). 
 
ويشرح "بوف" أنّ كون ملكوت المسيح من خارج العالم، ، فهذا يعني أنّ قدومه إلى العالم يتطلّب تغييراً جوهريّاً وجذريّاً لعالم البشر، أو ولادةً بشريّةً جديدةً مختلفةً تماماً.
ويرى "بوف" أنّه وبحكم عدم إتمام المسيح لملكوته في حياته بسبب محاكمته وصلبه، فإنّ الملكوت الذي أتى به، والذي لا يمكن أن يُدفن أو يُزال بعد دخوله التاريخ، قد وُلد مجدداً بقيامة المسيح من الموت في اليوم الثالث. وبمعنىً آخر، فإن البشريّة الجديدة التي سعى لتأسيسها، ولم تتحقّق في حياته، قد انفجرت كالنبع من قبره الذي دُفن فيه، ووُلدت بقيامته إلى العالم، متجاوزةً التاريخ والزمان وقوانين الطبيعة.
 
ةحسب "بوف" ان  ظهور المسيح بالجسد الحيّ كما ورد فى الاناجيل ، بعد قيامته، في أكثر من مكانٍ في آنٍ واحدٍ، فيدخل الغرف المُغلقة دون فتح الأبواب، وغيرها من الإشارات التي رأى فيها "بوف" رموزاً للعالم الجديد الذي لا يُطيع قوانين العالم الحالي، لأنه ليس منه، بل نقيضٌ له، رغم أنّه زُرع كبذرةٍ فيه من خلال موت المسيح وقيامته. ومن هنا، يعتبر "بوف" أنّ رسالة المسيحيّين تكمن في متابعة عمل مُعلّمهم الأوّل، من خلال بناء العالم الجديد، امتدادًا لحضوره في العالم، والنضال من أجل تغيير العالم. 
 
وفي 1971، أصدر "جوتييريز" كتابا بعنوان "لاهوت التحرير" لذي اعتبر أن التحرير يتحقق على ثلاث مراحل: 
1 - مرحلة التحرير الاجتماعي الاقتصادي للمجتمع حتى تتساوى الطبقات.
2- مرحلة تحرير الفقراء حتى يساهموا في توجيه دفة الأمور في البلاد. 
3 - مرحلة تحقيق الأخوة الإنسانية بين الجميع بناء على الإيمان المشترك للكل. 
وقد خلت هذه النقاط من أي إشارة لاهوتية أو عقيدية أو دينية، فما شدد عليه هو إدانة وقوف الكنيسة إلى جانب الأغنياء، والدعوة  الى أعاد قراءة الكتاب المقدَّس مركزاً على المقاطع التي تهتم بقضايا الفقراء والظلم والحرية .
أيضا كتاب "لاهوت"  التحرير " الذى صدر سنة 1971 للاب جوستافو جوتييرّيس" ويتضمن  نقداً للّاهوت المسيحيّ التقليديّ الذي ظلّ رهينة المفاهيم المجرّدة لقرونٍ، دون أن يتعامل مع متطلّبات الحياة المسيحيّة اليوميّة، انطلاقاً من أنّ واقع أمريكا اللاتينيّة يتطلّب لاهوتاً يستجيب لمشاكل شعوبها، بتوافق مع تفسير "بوف" لرسالة المسيح، وفى هذه النقطة يرى "جوتييرّيس" أنّ التناقض القائم بين كون المجتمعات اللاتينية مسيحيةً جداً، وكونها في الوقت نفسه لايتمتع افرادها بالمساواة ويعانون من للفقر والظلم بشكلٍ مستمرٍ، تناقضٌ يعود إلى طبيعة اللاهوت المسيحيّ الذي علّمته الكنيسة الرسمية لقرونٍ في هذه البلدان، والذي لا يأخذ طبيعة هذه المجتمعات وقضاياها بعين الاعتبار.
 
يركّز "جوتييرّيس" على التعليم  الكمسى التقليديّ حول مفهوم "الخطيئة"، التي لطالما اعتبرتها الكنيسة في لاهوتها التقليديّ عملًا فردياً يستلزم توبةً فرديةً، مشيراً إلى أنّه أصبح ثمّة خطيئةٌ جماعيّةٌ، أو خطيئةٌ بنيويّةٌ، تستلزم توبةً جماعيةً في أمريكا اللاتينية، لكون الجميع شركاءَ في النظام الظالم، إما من خلال أسلوب حياتهم، أو من خلال سكوتهم عن الظلم.
 
وحسب "جوتييرّيس"، ليست التوبة الفردية حقيقيةً ما لم تؤدِّ إلى تحوّلٍ جماعيٍّ في المجتمع؛ أيّ إلى بناء مجتمعٍ أكثر عدلًا وإنسانيةً. ولأنّ الخطيئة الاجتماعيّة بنيويّةٌ، فإنّ التوبة عنها تعني إحداث تغييراتٍ بنيويّةٍ، سياسّيةٍ، واجتماعيّةٍ، أو بعبارةٍ أخرى، تتطلّب تغييراً ثورياً.
 
 ويختم "جوتييرّيس" باعتبار التبشير المسيحيّ غيرَ مُجدٍ ما لم يسعَ إلى إحداث هذه التغييرات الثوريّة في المجتمعات التي يُبشّر فيها، وأنّ هذا يجب أن يقوده بالضرورة إلى مواجهة النظام الرأسماليّ وكلّ توابعه، والسعي إلى استبداله بنظامٍ آخر قائمٍ على أسس العدل والمساواة. 
 
كانت لأفكار "بوف" و"جوتييرّيس"، وغيرهم من لاهوتيّي التحرير، أثرٌ واسعٌ في الأوساط الشابّة من قواعد الكنيسة، أدّى إلى انخراط الكثير من الشباب المسيحيّين في أمريكا اللاتينية، من رجال الدين وعلمانيين طوال عقدي الستينينات والسبعينيّات في الحركات التحرّرية. ومع أنّ لاهوتَ التحرير نشأ فى طروف اجتماعية وسياسية واقتصادية عاشتها أمريكا اللاتينيّة، فقد انتقلت معطياته خارج القارة اللاتينية ، مع فروقٍ شتّى في الأولويّات والتأويلات بين منطقةٍ أخرى.  و أخذ يتطوّرمن حيث المضمون الثقافى . 
 
ويمكن القول أنّ لاهوتيّي تحرير أفريقيا كانوا الأكثرَ إبداعًا أو اجتهادًا من حيث التفكير والبحث والتبيئة الثقافيّة والجهويّة، في حين كان لاهوتيّو تحرير أمريكا اللاتينيّة أكثرَ تركيزًا على الصراع الاجتماعيّ والطبقيّ والصراع السياسيّ. وأما في آسيا فقد كان الوضع مختلفًا لأنّ نسبة المسيحيين قليلة وقد لا تتجاوز 3% من السكّان؛ ومع ذلك فقد برزتْ لديهم اجتهاداتٌ في اللاهوت تتحدّث عن تحرير  المزارعين والفلّاحين .
 
 وخلال السبعينينات والثمانينيات،عانت  الكنيسة الكاثوليكية من جراء لظهور لاهوت فى القارة ذات الثقل البشرى الكاثوليكى الاكبر فى العالم مخاطر تهدد وحدة بنية الكنيسة الجامعة ، بسبب مضمونه واسلوبه وصحة شروحه للكتاب المقدس ، و ومقاربته مقاربته للماركسية ، ولاسيّما أنّ بعض لاهوتيي التحرير قدّموا مقارباتٍ جريئةً على هذا الصعيد ، ففصة عن استخدام تعبيرات سياسية اقرب للمفاهيم الماركسية ، مثل التحرير محل الخلاص . يقول أنطونيو بيري   ، مثلًا، "إنّ الصنمية - التي تَظنُّ أنّها إيمان - أسوأُ من الإلحاد." وتحدّث عن "الإله الصنميّ" في وصفه "إلهَ البيض المنتصرين" و"إلهَ المستعمِرِين." ولذلك يرى "أنّ من الأحسن كثيراً أن تكون ملحدًا من أن تؤمن بمثل هذا الإله!"  وثمّة آخرون قبِلوا أن يتحوّل المظلومون والفقراء إلى العنف من أجل تحقيق مطالبهم. ، وتبنى فصيل منه العنف لاجل التحرر من الظلم والاستغلال .
 
  من أبرز رموز هذا الفصيل الراهب الكولومبي "كاميليو توريز" الذي حمل السلاح وقاتل إلى جانب الثوار الماركسيين حتى الموت تاركاً خلفه عددا من الراهبات والرهبان المقاتلين . ووصول بعض الكهنة من من رموز لاهوت التحرير إلى مراكز سياسية مهمة كنواب ووزراء، مثل جون أريستيد، وهو كاهن ساليزيانيّ من هاييتي، اشترك فعليًّا مع جماعات معارضة للحكم الديكتاتوري في بلده، وقد طلبت الرهبنة منه أن يتركها بعد ضغوط عليها من الحكومة. وفي أوّل انتخابات ديمقراطيّة وحرَّة أنتخبَ رئيسًا للبلاد ؛ على الرغم من حظر الفاتيكان عمل  الكهنة فى السياسة .
 
 ان ارتباط حركات تحررية بفكر لاهوتي أو بنزعة لاهوتية ليس أمرا جديدا ، وليست تجربة لاهوت التحرير هي التجربة الوحيدة . فلقد حفل التاريخ المسيحى بنماذج من المقاومة الشعبية للظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي في عصور مختلفة. ويكفي أن نذكر على سبيل المثال اقناع الرهبنة اليسوعية الفتية فى القرن السابع عشر الحكومة الاسبانية إنشاء مدينة "دولة" قوامها سلسلة من القرى والحواضر ، حيث قامت  بجمع الهنود الكوارانى ونقلهم من حال البداوة الى حياة الحضر ، ناعمين بالحماية والامان والحياة المدنية . وبالفعل ازدهرت أحوالهم على محتلف المستويات : الجتماعية والاقتصادية والثقافية  ، فضلا عن البنية العسكرية   . ويقيت تلك "الحواضر"  تؤدى رسالتها حتى سنة 1768 واجبر البابا اليسوعيين مغادرة المنطقة  بضغط من الملوك الاوربيين المعادين للكنيسة ولليسوعيين. وقبلها فى القرن الخامس عشر نضال وكتبات الادانة  النارية رجل الدين الاسبانى الاصل  الثائر المطران  "برتولومى لاس كازس" ضد حكومته الاسبانية الذي قاد الهنود ضد المستوطن الإسباني وانتصر للعبيد السكان الأصليين.    
 
لقد  تراجع خطاب لاهوت التحرير مع بداية الالفية الثالثة .  ولا يتعلّق تراجعة بصوابيّة الرؤية أو أحقيّتِها، بقدْرِ ما يتعلّق بالظروف الملازمة فى المجتمعات الحاضنة لمعطياته. 
 
إن تجربة لاهوت التحرير اللاتينيّة ستبقى وستظل مصدرا لاستلهام إمكانيات واسعة للنضال لاجل رفع الظلم والعدالة. وصوت زاعق للكنبية فى كل مكان وزمان ، ان الخلاص المسيحى  لايعنى خلاص الفرد فقط ، بل هو فى الاساس الخلاص الجماعى من الخطيئة بمفهومها العام . 
 
موقف الكنيسة من لاهوت التحرير :
 بتكليف من البابا بولس السادس، قامت اللجنة اللاهوتية الدولية في سنة  1976  بدراسة حول لاهوت التحرير، وأصدرت وثيقة وأربعة تقارير ملحقة، جاء في مقدمة الوثيقة الإشارة إلى علاقة لاهوت التحرير بالفاتيكان الثاني، وظهور تيارات مختلفة تنتمي للاهوت التحرير، فهناك لاهوت جوستاڤو جوتييرّث أب لاهوت التحرير، الذي يستقي لاهوته من تأمّل كلمة الكتاب، ولاهوت جون سوبرينو الكريستولوجيّ، ولاهوت كمارا الروحيّ، وغيرهم ، والخوف من تسيس البشارة، والتأثير على وحدة الكنيسة، وأشارت الوثيقة إلى أن نقطة انطلاق لاهوت التحرير هي انتشار الفقر وغياب العدالة، وأن ظهور نمط جديد من اللاهوت يحمل فهماً جديداً للملكوت الذى صار يشمل الأرض ويثير عدداً من الصعوبات: كخطر إخضاع كل شيء للمناقشة والتسيّس والتركيز على التنديد النبوي- كما كان يفعل أنبياء العهد القديم في مواجهة الظلم، والتركيز على بعض وجوه اللاهوت الكتابي كقراءة العهد القديم من زاوية علاقته بموضوع التحرير، ودراسة العهد الجديد بما يوصل إلى استخلاص معنى التحرير المسيحي. وأخيراً تطرقت الوثيقة إلى مكانة الله والإنسان في عملية التحرير، ومعنى التحرير الشامل، والعلاقة القائمة بين ترقية الإنسان وخلاصه، ورفض الكنيسة التزام الكهنة بالسياسة ورإنما هى سالة العلماني، واختتمت الوثيقة ببعض التحفظات على لاهوت التحرير. من ثمّ توالَت الوثائق الصادرة عن مجمع العقيدة الإيمانية والتي تنتقد لاهوت التحرير ، وتتهمه بتحويل المسيحية إلى مجرد عنصر من عناصر التعبئة على الثورة.
 
وفى سنة 1984 قام الكاردينال جوزيف راتسنجر  رئيس مجمع عقيدة والإيمان بكتابة وثيقة تعّبر عن رأي الكنيسة الرسمي بشأن لاهوت التحرير، ولم ترد فيها أيّ إدانة، بل ما ورد فيها كان استنكارا لبعض الأفكار المغلوطة، وتأييدا للفكر اللاهوتيّ الذي ينظر إلى الفقراء ويسعى إلى خلاصهم انطلاقًا من «إنجيل يسوع المسيح، الذي هو رسالة حريَّة وقوَّة من أجل التحرير… ».
 
ولم تصدر حتى الآن منذ صياغة لاهوت التحرير أيّ وثيقة من الفاتيكان تدين هذا اللاهوت، وما حدث هو أن استجوبت الكنيسة بعض اللاهوتيّين حول أحد أو بعض كتاباتهم، وأصدرت خطابا يفنّد الأفكار المغلوطه .
 
أما خارج معطيات لاهوت التحرير ، تنظر الكنيسة الكاثوليكيّة الجامعة إلى فصل السياسة عن الدين ، أى  العلمانيّة الصّحيحة (Laïcité) ، نظرة إيجابيّة منذ ظهورها في القرن التاسع عشر كتيّارٍ فلسفيٍ وأخلاقيٍ ساهم في إدخال تحوّلات جذريّة في حياة المجتمع، واعتبرها البابا بيّوس الثّاني عشر بما أسماه بالعلمانيّة السّليمة، كمبدأ أساسيّ من مبادئ المذهب الكاثوليكيّ، فهي تعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله (Cf. AAS, 25 (1958) 220)، وتحترم كلّ المذاهب والطّوائف في الدّولة، وتضمن حريّة المعتقد الدّينيّ، وممارسة الطّقوس، وسائر النّشاطات الرّوحيّة، والثّقافيّة، والخيريّة. إنّها آليّة صالحة للتّواصل بين مختلف التّقاليد الرّوحيّة والدّولة، لكنّ الكنيسة تشجب بشدّة ما أسميناه بالعلمانيّة السّلبيّة (Laïcisme)، لأنّ هذا النّوع من العلمانيّة يرفض الدّين والقيم الرّوحيّة والخلقيّة المستوحاة من الكتب المقدّسة. 
 
الستار على العصور المظلمة، ويأتي عصر النهضة بعلماء وفلاسفة مثل روجر باكون (1212-1292م)، وجون دونس سكوتوس (1265-1307م)، ووليام أوكهام (1280-1349م)، وجون بوريدان (1300- 1358م).
 
هؤلاء الفلاسفة مهدوا الطريق نحو أسلوب جديد في التفكير. فنجد نيقولا كوبرنيق (1473-543م)، جوهانز كبلر (1571-1630م)، جاليليو جاليلي (1564-1642م)، ووليام هارفي (1578-1657م). مثل هؤلاء وغيرهم من الفنانين والسياسيين هم الذين مهدو لعصر جديد مشرق للإنسانية. . تضم قائمة منظرّي الفلسفة المسيحية الحديثة أسماء عديدة  من اباء الكتيسة وفلاسفة مسيحون اخلاقيون وفلاسفة مسيحيون وجوديون، أبرزها أوغسطينوس، وتوما الأكويني، وفرانسيس بيكون، توماس بروان ،  باسكال، حون لوك ، وهوجو جروتيوس، جورج فيلهلم فريدريش هيجل ، وجان كالفن، وسورين كيركجارد، كارل بارث، ، مارسيل جبرائيل ، جورج بيركلى ، إيمانويل كانت  ...

ملحق (1)
الإيمان والعقل - توما الاكوينى
أحد كبار الفلاسفة حيث يحتل قمة هرم الفلسفة بعد ارسطو  ، وأعظم ايمانويل كنت وهيجل. ، وهو الأب الروحى للفلسفة الحديثة، فكثيرٌ من أفكار الفلسفة الغربية الحديثة إما ثورة ضد أفكاره أو اتفاقٌ معها، خصوصاً في مسائل الأخلاق والقانون الطبيعي ونظرية السياسة. ويعتبر لاهوته أساس لمذهب الكنيسة الكاثوليكية منذ مجمع الفاتيكاني الاول سنة 1879  .
 
ولد توما الاكويتى في قرية اكوينو التى ينسب إليها  الواقعة بين روما ونابولى في  جنوب إيطاليا سنة 1225 ميلادية، لعائلة من النبلاء . تلقي تعليمه الأول في  مدرسة دير مونت كاسين (Mont Cassin) للرهبان البنيديكتيين، ثمّ التحق  بجامعة "نابولي" لدراسة الفنون الحرة السبعة وهي "النحو، المنطق، الخطابة، الهندسة، الحساب، الفلك، الموسيقى"، بعد خمسه سنوات من وجوده في نابولى ، انضم الأكويني الى سلك رهبنة  اخوية الواعظين (الدومينيكان) سنة 1244رغم معارضة عائلته التي كانت تؤهله للعمل في البلاط الملكى أرسلته الرهبنة لللدراسة في معهد افتتح جديد للدومينيكان في مدينة كولون  تحت اشراف البرت الكبير الذي كان واحد من كبار الأساتذة في جامعة  كولون، وأعظم شراح أرسطو في زمانه . وقد تنيىء معلمه البرت الكبير بما سسيفعله هذا الثور ، وقال عنه: «على الرغم من أننا ندعوا هذا الرجل بالثور الغبي (لأنه كان يمشي بتثاقل وبطء) ، لكن دراسته وتعمقه في العقيدة واللاهوت سوف تجعل منه اسمًا يتردد صداه بقوة في جميع أرجاء العالم  يومًا ما».  
 
استد للاكوينى التدريس في جامعة كولونيا قبل الحصول على الاجازة العلمية التي تؤهله لذلك  .
 
عيّن الاكوينى أستاذا للاهوت في جامعة باريس بعد حصوله على درجة الدكتوراة في اللاهوت من جامعة فسها عام 1257 وهو في الحاديه والثلاثين من عمره ،قيل  السن المقررة بقانون الجامعة، حيث أعفاه البابا ألكسندر الرابع من هذا القيد ، وتقلد أحد كرسيين مخصصين لرهبنته بالجامعة ، فشهد منه الطلاب طريقة جديدة وبراهين جديدة ومسائل جديدة، ومنطق جديدًا للمسائل، ونورًا جديدًا، اعترضته صعوبات جمه مع أساتذة اللاهوت في باريس لتأويله برسطو ، وخاصة مع المعترضين على حق الدومينيكيين والفرنسيسكيين في التدريس بالجامعة، وحربت كتبه من قبل أساقفة باريس حتى قرر البابا يوحنا الثانى والعشرين في سنة 13323 لتصريح بتداول مؤلفاته ، واعتبره معجزة  انارت الكنيسة اكثر من كل الاساتذة قبله. 
 
رجع توما الاكوينى  إلى إيطاليا لإنشاء معهد عال جديد، فاختار نابولي مقرًّا له، واستأنف التعليم، حتى كان السادس من ديسمبر ١٢٧٣ فإذا نغيير بالغ يتعرض له أثناء القداس، فينقطع عن التعليم وعن الكتابة والإملاء، فيسأل في ذلك فيقول: «لقد أوحيت إلي أشياء ما أرى كل ما كتبته إلا كالهشيم بالقياس إليها»، ومن ذلك اليوم فرغ للعبادة، وترك القسم الثالث من المجموعة اللاهوتية ناقصًا، فأتمه رجلند كاتبه زميله في الرهبنة.
 
دعى توما الاكوينى إلى مجمع كنسي يعقد بِلِيون فلبى الدعوة، ولكنه مرض في الطريق بين نابولي وروما، فلجأ إلى دير بندكتي، وتوفي بعد شهر في  في السابع من مارس عام 1274م ، فكان لوفاته وقع شديد في جميع أنحاء أوروبا. .طوّبه البابا يوحنا الثاني والعشرون قدّيساً عام ١٣٢٣م. واعتبرته الكنيسة الكاثوليكية أحد معلمى الكنيسة الـ، 3 . وجعله البابا لاون الثالث عشر شفيع الجامعات و المدارس الكاثوليكية سنة ١٨٨٠م .
 
فلسفته :
معظم فلسفة توما الاكوينى ، تنصب على الإيمان الذي يعتمد على العقل، أي الإيمان الطبيعي -كسائر الإباء الدومينيكان ، لم يبقبل الاكويني عقيدة الحبل بالعذراء بلا دنس قبل إفرارها من الكنيسة التي كانت ومازالت مثار جدل بين الكنيستين الشرقية الغربية - من هذه الفلسفة، برهان وجود الله وماهية اللة وصفات الله بالمنطق..
 
أسس الأكويني فلسفة واقعية انتقائية، متأثرًا بالأرسطية والرواقية، إضافة إلى المسيحية والأفلاطونية المحدثة والأوغسطينية، كما تأثر بما كتابات شيشرون وابن سينا وابن رشد وابن جبرول وابن ميمون اليهودى من شروح لأرسطو. تفهم توما الأكويني الميتافيزيقا الأرسطية من اصولها  الإغريقية ، واتَّهَمَ ابن رشد بتحريف فلسفة أرسطو، واستنكر الأطروحات التي كانت تنسب لابن الرشد في ذلك الوقت، ومنها : القول بقدم العالم، ونفي إمكانية الخلق من عدم، والفصل بين العقل والروح . ولكنه لم يقف عند حدودها؛ كان مقتنعا بأن نسق أرسطو يحتاج رغم كل شيء إلى إضافات تجعله أكثر انسجاما مع تقاليد اللاهوت المسيحي .
 
  وقد فام توما الإكويني، بتنصير أرسطو. أي فهم فلسفته في ضوء التعاليم المسيحية. وهو ليس بالعمل الهين، خصوصا  ان أعمال ارسطو كانت محظورة وقتئذ ، وهى  ليست مسيحية بالمرة ، فكان ارسطو يرى الأرض أبدية لا خالق لها. الإله لا يبالي بالإنسان ومصيره. والروح ليست خالدة . والهدف من الحياة هو السعادة ، والكبرياء فضيلة، والتواضع رذيلة
 
مزج توما الأكوينى اللاهوت بالفلسفة الأرسطية . وكان اللاهوتى الفرنسيسكانى بونافنتورا يعيب عليه أنه يخلط ماء العقل بخمرة الحكمة الإلهيّة، ممّا حمل الأكوينيّ على الردّ بأنّ الماء لا يلبث أن يتحوّل إلى خمر، على نحو ما جرى على أيدى يسوع فى عرس قانا الجليل.  وانه لا أحد يمكنه ان يصل إلى الحقيقة ، مالم يتفلسف فى ضوء الإيمان . وقد أزال القديس توما بنفسه هذا الالتباس وقدم الحلَّ الفَصْل حول العلاقة الصحيحة بين العلم والإيمان، أو بين الفلسفة  والاهوت، وتأكيد  حقوق العقل واستقلاليته، والتأكيد على حقوق الوحي واستقلاليته وانه لايمكن ان يكون خلاف  بينهما: أي أن الفلسفة تبقى فلسفة، متميِّزة في منهجها وموضوعها ونتائجها؛ واللاهوت يبقى لاهوتًا، له منهجه ومواضيعه ونتائجه، وكلاهما يكونان معا جناحين عظيمي، يحلِّق بهما الإنسان ليرتقي إلى علياء الحقيقة.
 
يقسم الاكوينى  المعرفة الى قسمين المغرفة بالايمان عن طريق الوحى والعفيدة ، ومعرفة نتوصل اليها الانسان  عن طريق العقل والفلسفة  ولايمكن ان يكون ثمة تناقض بينهما لان مصدرهما الله. كما قسم الحقيقة ثلاث اقسام ، حقيقة نتوصل اليها بالعقل ، وحقائق نستمدها من الايمان والكتاب المقدس ،  وهى تفوق قدرة العقل .، وحقائق يمكن ادراكها من الايمان والطبيعة مثل وجود الله . وبرى توما الاكوينى ان  البراخين الموجوده في الطبيعة يجب الارتكاز عليها ، مادام هناك من لا يقبل او يسلم بكلام الكتاب المقدس" ، لكن يرى ان البرهين  المعتمده على ظواهر الطبيعية لوجود الله تستطيع ان تشمل بعض الحقائق ،  لكن لايمكن ان يشمل كل الحقيقة .
 
ومن المهم جدا ان تفصل بين الاجزاء التي يمكن البرهنة عليها عن طريق العلة الطبيعية من التي لا يمكن ايجاد البرهان لها .  وان هناك ترابط بين طرق الجقيقة  الثلاثة  لان ما يعلته الله هو الحقيقة  . وبالتالي يمكن معرفة الله عن طريق االمعرفة الايمانية والمعرفة العقلية أى عن طريق اللاهوت والفلسفة ، احدهما يبدأ من الله لمعرفة المخلوقات والموجودات ،والثانى يبدأ من الموجودات والمخلوقات لمعرفة الله .
 
وعن طريق المعلرة الطبيعية  ، يذهب الاكوينى لاثيات وجود الله .، فيقول اللاكوينى ان  العلم الطبيعي يؤكد وجـود علة سببية للمعلولات . فالواضح أن الرجوع إلى ما لا نهاية له في أسباب الموجودات مستحيل . فلا بد من التوقف عند علة أولى . كما تؤكد الحركة في الكون أن كل متحرك إنما يحركه كائن آخر. وفي العالم هناك  كائنات معرضة للزوال ، الأمر الذى يردى الى حدوث فراغ أو عدم . فلا بد إذاً من وجود كائن واجب الوجود..كما ان الصفات العامة المطلقة ، كالخير و الجمال و الإرادة و العدل …إلخ . أي الصفات الروحية الملازمة لكثير من الكائنات بنسب متفاوتة . هـذا الكمال المطلق هو إذاً علة لوجود كائن مطلق .
 
أيضا من جهة نظام الطبيعة، وله وجهان: أما الواحد فإننا نرى الموجودات العاطلة من المعرفة تفعل لغاية، وهذا ظاهر من أنها تفعل دائمًا أو في الأكثر على نهج واحد بحيث تحقق الأحسن، ما يدل على أنها لا تبلغ إلى الغاية مصادفة بل قصدًا، وما يخلو من المعرفة لا يتجه إلى غاية ما لم يوجه إليها من موجود عارف، فإذن يوجد موجود عاقل يوجه الأشياء الطبيعية كلًّا إلى غايته، وأما الوجه الآخر فهو أن جميع الكائنات منظمة فيما بينها لانتفاع بعضها ببعض، والمتباينات في نظام واحد ما لم تكن منظمة من واحد، هذا الدليل مستمد من كتاب السماع الطبيعي .
 
من هذه البراهين على وجود الله ،  يخلص الاكوينى من ذلك  ان  المعرفة الطبيعية يجب أن تسبق الإيمان . فقبل الكلام عـن أزلية العالم أو حدوثه  وبعض المعطيات الإيمانية الخاصة بماهية الله و صفاته ، ينبغي البدء بإثبات وجود الله . لكي يتم الارتقاء إلى الإيمان
 
ينصرف الأكويني إلى الكلام عن ماهية الله بعد التأكد من وجوده. فيقول: ينبغي التدليل على الفوارق بين الذات الإلهية وسائر الكائنات انطلاقاً من أمرين أساسيين : إثبات بساطتها و كمالها لأن كل الكائنات مركبة وناقصة .  يستحيل أن يكون الله مركباً وإلا صار مادة قابلة للتجزؤ ، فيقع في النقص . إنـه روحٌ محض  . ولا يكفي أن نقرّ بوجود الله ، بل ينبغي إيضاح العلاقة بينه و بين مخلوقاته لكي يكون فهمنا له صحيحاً . لذلك حاول القديس توما تفصيل الكلام عن هذه العلاقة بين الله و سائر الكائنات .
 
 والطريق للارتقاء الى معرفة الحقيقة عند توما الاكويتى يكمن في الانسجام بين الايمان والعقل. ومن قناعته هذه ، جاء اهتمام الاكوينى باللاهوتت الطبيعى ، واعتباره وسيط بين الدين والفلسفة ، وطوع الفلسفة لتكون خادما للدين ، بجانب اعطاءه شكل عقلانى  ومنطقى لتقوية   دعائمه .
وقد اعتنى توما الأكويني بالمسألة الأخلاقيّة متمثّلا الفكرة الأساسيّة للأخلاق الطبيعيّة عند أرسطو وقوامها نزوع الإنسان عفويا وطبيعيّا نحو الخير والسعادة. واهتمّ أيضا بدراسة الفضائل ومنها العدل والحقّ والمساواة فبحث في أخلاق الفرد والأسرة والدولة.
 
مؤلفات الاكويني :
ترك "الأكويني" تراثًا ضخمًا من الإنتاج الفلسفي واللاهوتي، كتب معظمها في العشرين عامًا الأخيرة من حياته الفكرية، بلغ عددها  98 كتابًا يصل بعضها إلى 3 آلاف سفحة خلال فترة عمره القصير  49 سنة ، أهم كتابين له هما الخلاصة الفلسفية، والمجموعة اللاهوتية.
 
- الخلاصة الفلسفية او الرد على المناوئين للديانة المسيحية ، الذى وضعه ما بين 65-1254 م،  فيه حاول بناء إطار لمعرفة  الحقيقة حسب الايمان المسيحي، وذلك عن طريق إقامة جدال خيالي مع شخص غير مؤمن بالمسيحية، في هذا الكتاب يحاول شرح مفهوم الحكمة فالحكيم هو الشخص الذي يعرف نهاية الأشياء أي محصلة العمليات، او الحوادث شبهها بالبَناء الذي يملك تصورا عن شكل البناية في النهاية. 
 
 - الخلاصة اللاهوتية ـ وهو اشهر كتبه ، مكتوب على شكل جدال فلسفي ، لخص فيه مؤلفاته السابقة في ترتيب بديع ينتظم ثمانية وثلاثين مبحثًا أو مقالة، كل مبحث ينقسم إلى مسائل، وكل مسألة إلى فصول، فيجيء الكتاب في ثلاثة آلاف فصل تشرح وجوه المسائل، وترد على عشرة آلاف اعتراض، ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام كبرى يدل عليها المؤلف في أول كلامه، فيقول: «لما كان الغرض المقصود بالذات في هذا التعليم (أي اللاهوت) هو تعريف الله في ذاته، ومن حيث هو مبدأ الأشياء، ومن حيث هو غايتها، فسنبحث في الله أولًا، وفي حركة الخليقة الناطقة إليه ثانيًا، وفي المسيح الذي هو الطريق إليه ثالثًا»، فالقسم الأول: ينظر في الله الواحد، وفي الله الثالوث، وفي الخلق والمخلوقات، والقسم الثاني: مخصص للأخلاق، ومقسم إلى قسمين، الواحد: في المسائل العامة، والآخر: في الفضائل بالتفصيل . والقسم الثالث: يتناول العقائد
 
 الكنسية كما كتب شرحًا لبشائر الإنجيل ورسائل بولس الرسول استند فيه إلى أقوال أباء الكنيسة. توشكل المجموعتان اللاهوتية والفلسفية طرحا مفصلا لمذهبه في الفلسفة و اللاهوت
 
 وهو في كل ما كتب كان يتوخى الترتيب المحكم، ويقدر القول على قدر المعنى، ويقطع بالرأي دون ما تردد، في اعتدال قليل النظير، حتى في أشد المواقف، يسوق الحجة في وضوح ورشاقة، يرمي إلى الإقناع وتأييد الحق، لا إلى المكابرة والفوز الشخصي. ورغم مكانة البارزة في تاريخ الفلسفة، القليل كتب عنه بالعربية.
 
وقد اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية  كتبه منذ البابا لاوون الثالث عشر ا، وأعادت  نشر أعماله ، وأسَّست أكاديمية باسمه  في سنة 1879، وظهر ما يهرف  تيار التومائية  الجديدة. 
 
الفصل الثانى
الإيمان والعلم
من الشائع ان الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ناصبت العداء للعلم ونكلت بالعلماء، وتذكر بعض الكتابات ان الكنيسة الكاثوليكية  خاضت صراع مع العلم، وأنها ضيقت على العلماء والاكتشافات العلمية . ومن أبرز المعارك بين الكنيسة والعلم في  أذهان الناس محاكمة عالم الفلك  جاليليو (1564 – 1642) لقيامه بنشر مخطوطة علمية،   تدحض التصور الخاطىء ان الأرض مركز الكون، وذلك إثر اكتشافه بالتليسكوب أربعة أقمار تدور حول المشتري ، وهي ليست مختلفة عن مادة الأرض ،  واجباره مكرها أمام المحكمة ان يقول: "أرفض وألعن وأحتقر القول الخاطئ الإلحادي بدوران الأرض، وأتعهد امام الكتاب المقدس ، بتبليغ محكمة التفتيش عن كل ملحد يوسوس له شيطانه بتأييد هذا الزعم المضلل " . بعد إعلانه العلمي الذى كان بتعارض مع التفسير  الحرفى لماوؤد فى سياق روايات رمزية  وتعبيرات بلاغية فى الكتاب المقدس  ، مثل " ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس . دور يمضي ودور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد. والشمس تشرق، والشمس تغرب، وتسرع إلى موضعها حيث تشرق (سفر الجامعة – الاصحاح الاول : 3-5) .
 
بدأ الخلاف بين رجال الكنيسة والعلماء مع  إعلان العالم الراهب البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (Nicolaus Copernicus)  في أواسط القرن السادس عشر ، دوران الأرض والاجرام السماوية الاخرى  حول نفسها، وأنّ الشمس هي مركز الكون وليست الأرض، فكان هذا الاكتشاف بمثابة الكارثة بالنسبة للكنيسة لأنه كان متناقضًا مع نظرية فيثاغورث، التى كانت سائدة  وقتئذ  واسنخدمها  كاتب سفر التكوين ، فحاكمته الكنيسة بميزان الحقائق التى كانت تعلنها، واتهموه بالكفر، ومنعوه من التدريس، وحرّقوا جميع أبحاثه.
 
ثم جاءت  نظرية "التطور وأصل الانواع " التى احدثت زلزال مازالت توابعه مستمرة حتى يومنا هذا، تلك النظرية التي قدمها تشارلز(19-0 – 1992) عالمالتاريخ طبيعي والجيولوجيا ، وتقول  ان كل الكائنات الحية من  النباتات والحيوانات  من "أصل خلية  أميبية واحده ، تغيرت ونطورت  بطريقة طبيعية تدريجيا من اشكال كانت فى الماضى ابسط حتى وصلت الى ماهى عليه الان   ، بفعل عوامل عديدة منعا الانتخاب تاطبيعى والبقاء للاصلح  والاقوى والقدرة على التكيف مع البيئة المحيطة ، لكن لم يوضخ دارون لماذا لم تتطور كل الخلايا الأحادية ؟.لا لا يغد دارون أول من تحدّث عن التطور "بمعناه عدم ثبات الأنواع " بل سبقه الكثيرين ابتداء من فلاسفة الإغريق، حيث اقترح أنكسماندر أن الحياة نشأت في البحار ثم انتقلت إلى الأرض، كذلك قدمت الفلسفة التاوية في الصين القديمة رؤية تقوم على عدم ثبات الأنواع وتكيفها مع البيئة
 
وما ترتب على فرضية الراهب الكاثوليكي البلجيكي جورج لومتر ( 1894 -  1966) العلماء الفلكييّن والباحثين في نشأة الكون،   وأطلق عليها نظرية الانفجار الكبير (بالإنجليزية: Big Bang)، وهى تفترض   أن  العالم الذي نعيش بدأ منذ حوالي 13.7 مليار سنة نكون نتيجةً إنفجار كبير حدث في الفضاء  . وان الكون بدء على شكل كرة نارية صغيرة  بالغة الكثافة والسخونه ،  صغيرةٍ جدًا تعرضت للانفجار والتضخم تدريجيًا مكونة جسيمات صغيرة تمددت حتى أصبح الكون على ما هو عليه الآن، وذلك تحت تأثير درجات الحرارة شديدة الارتفاع  ،  ولا يعرف علماء الفلك بعد إذا كان الكون قد يتوقف في آخر الأمر عن التمدد ، ويبدأ بالتقلص أو سيستمر بالتمدد إلى ما لا نهاية. 
 
أدت هذه النظريات العلمية وغيرها فى الماضى إلى حدوث  صدام بين الكنيسة واصحاب هذه النظلايات  وذلك  لكون ما جاء بنظرياتهم  يتعارض مع التفسير الحرفى لما ورد مجازا حزلها فى الكتاب المقدس  .
 
انطلق موقف رجال الدين فى ذلك الوقت من مفهوم خاطىء للوحى الإلهى ، مايعرف بالوحى الإملائى (الحرفى) أى ان الله أملى على كتاب العهد القديم  كل كلمه وكل حرف، وهو مفهوم  مازال شائعا عند الكنائس الشرقية حتى يومنا هذا . وبالتالى أى خطأ فى النسخ أولفظ غير مناسب او عير لائق أو تعبير تاريحى أو علمى غير دقيق ، ينسب لله ، وينفى عنه الالوهية .
 
 ظل  الخلاف قرون طويلة – وسيظل  مادام هناك مفهوم خاطىء للوحى الالهى فى الكتاب المقدس ، وهناك من يعتقد أن الكتاب المقدس كتاب تاريخ وكتاب علم ، وهو مصدر الوحى  والمعرفة الوحيد ، وهو موقف  يتعدى ما ذهب اليه بعض آباء الكنيسة الاوائل،أمثال اقليمنضس الإسكندري، أوريجانوس، وباسيليوس الكبير ، أن الكتاب المقدس يتضمن احداثا رمزية يسهل فهمها، لا حقائق تاريخية ، ولا يجيب عن جميع الأسئلة، وهو يوحي بما يفيد هدانا الروحي،  وان كلامه عن العالم يوقظ  فضوليتنا دون أن يرضيها، وان رواية الخلق فى سفر التكوين ، كما يقول عالم اللاهوت الألماني كارل راهيز  كتبت في عصر ما قبل العلم، مثقلة بتصورات زمانها. وما تنادى به الكنيسة اليوم ان الوحى والعلم نور من الله ، عملا بقول القديس توما الاكوينى أى فكرة صائبة أيا كان قائلها هى وحى من الله . وقد فطنت الكنيسة الكاثوليكية الى خطورة هذا المفهوم ،الحرفى للوحى (الاملائى)   ويصعب الاخذ به مع تغير اللغة تماما الي لغة اخرى او  احدث .
 
الوحى الالهى
 يرتكز الإيمان المسيحي على أن الله أعلن عن ذاته وقصده الالهى ، والطريق للخلاص الروحى  ،   بانواع وطرق عديدة " أقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ." (سفر التثنية 18: 18) . و إنَّ الله، بعد أن تكلَّم تكراراً وبطرقٍ مختلفة بالأنبياء "كلَّمَنا في هذه الأيام الأخيرة ببيسوع المسيح " (راجع عب 1 / 1-2). فلقد أرسل إبنه، الكلمةَ الأزلي ليقيمَ بين البشرِ ويُخبرهم عن خفيّاتِ الله (راجع يو 1 /1-18. بعد أن تجسد المسيح الله الكلمة   وأعلن بنفسِهِ البشارةَ التي كان الأنبياءُ قد وعدوا بها، أَمَرَ رسلَهُ وأعطاهم المواهبَ الإلهيَّة ليكرزوا بها على الجميعِ يُنبوعاً لكلِّ حقيقةٍ خلاصيَّةٍ ونظامٍ أخلاقي. (المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الوحي الإلهي، رقم 3.)
 
وكلمة الوحي مصدرها يوناني وتعني : كشف عن - رفع الغطاء - عمَّا هومحجوب . فالله بمبادرة منه يكشف عن أمور تفوق ادراك العقل البشرى لاتتناقض العقل . وتؤكد الكتيسة في المجمعَ المقدّس  الفاتيكانى الثانى بأنَّ العقلَ البشريَّ يستطيع بنورِهِ الطبيعيّ أن يعرف الله، مَبدأ كلِّ شيءٍ وغايته، معرفة ً أكيدة ً، وذلك عن طريقِ المخلوقات (راجع رو 1 : 20)؛ 
 
ويقول المجمعُ المقدس أيضا   : إن الله اختار لصياغة الكتب المقدسة أناساً في كمال إمكاناتهم ووسائلهم، واستخدمهم لكي – بعمله فيهم وبواسطتهم – يدوّنوا كمؤلفين حقيقيين كل ما يريده، وما يريده فقط .  
 
ويضيف المجمع الفاتيكانى الثانى "أنّ المجمع يُعلن صراحةً أنّ الله لا يمكنه أن يخاطب الإنسان بكلام إلهيّ صرف، إذ إنّ الطبيعة البشريّة لا يسعها على الإطلاق إدراك الألوهة في كيانها وفي أفعالها وفي أقوالها، ولذلك كان لا بدّ للتدبير الإلهيّ من أن يُعلِن عن المشيئة الخلاصيّه بالسان البشر واساليب البشر  في قوالب شتّى من التعبير البشريّ، يقدّم حقيقة معيّنة، قد يعبّر عنها بطرق متنوّعة في نصوص تعتمد أساليب مختلفة، فتأتي تاريخيّة أو نبويّة أو شعرية أو بأنواع أُخرى على نحو يما يقرب كلام الله للطبيعة البشريّة، حتّى يستطيع الإنسانُ أن يدركه ويتفقّه. 
 
 (لمجمع الفاتيكاني الثاني، كلمة الله Dei Verbum ، دستور عقائدي في الوحي الإلهي،فقرة  12) .
 
ومن المسلم به ان لكتاب المقدس يحتوى على العديد من الصور الرمزية لشرح الحقائق الروحية . فقد استخدم السيد المسيح فى تعليم  الحقائق الإيمانية المجردة امثال وقصص رمزية، كقصة الابن الضال  (لوقا 15: 11-32) يمثل الإبن الضال في القصة الإنسان العادي الخاطيء ويميل للأنانية وحب الذات. ويرمز الأب إلى الله، وهى ترمز إلى رحمة الآب وإستعداده لقبول الخاطىء، وفرح الله عندما نترك الخطية ونطلب غفرانه. مثل الزارع في ( متى 13: 3-9 ) تمثل البذار والأنواع المختلفة من التربة كلمة الله والإستجابات المختلفة لها .  وضرورة التمييز بين مستويين من المعنى موجودين في العهد القديم، وهو ما ندعوه المعنى "الحرفي أو التاريخي" ، والمعنى "الروحي"، وأن نصوص الكتاب المقدس ذات مغزى روحى ، وليست  مادة للتاريخ أو مادة للعلوم، وأن العبرة من قصة الخلق، كما وؤدت فى سفر التكوين بالكتاب المقدس لا تبغى شرح كيف تمت عملية خلق الكون والانسان ، وإنما  توضيح أن الله رافق البشرية والكون في مسيرة الخلق والتطور. لذا يمكن القول ليس ثمة تعارض بين الايمان يالوحى والعلم ، إذا ما فهمناهما على الوجه المناسب ، ان اوحي ينصب على الحقائق الايمانية ، الوصايا وسبل الخلاص الروحى . اما الامور الاخري العلميه والتريخيه فقد تكون صحيحه وقت تكون خطأ اوخياليه .  
 
وتعتقد الكنيسة فى ضوء إيمانها الحى أن الوحي الإلهى فى الكتاب المقدس يختص بالحقائق الإيمانية فقط ، وهى تتعلق بسبل الخلاص . و إنَّ ما في الإلهيّات من أمورٍ ليست بحدِّ ذاتها صعبةَ المنالِ على عقلِ الإنسان، يستطيعُ الجميعُ، حتّى في ظروف الجنس البشريّ القائمة، أن يعرفوها بسهولةٍ وأن يَتيَقَّنوا مِنها تيقـُّـنًا ثابتًا لا يخالطه غلط 
 
.  وان وما ورد من الأمور الأخري فى الكتاب المقدس سواء العلميه والتاريخيه ، إنما تعبر عن ثقافة كاتب الأسفار، والعصر الذى كتبت ، وتبيان ذلك سهل وواضح  :«وأما العزّاب، فليس عندي لهم وصية خاصة من الرب، ولكني أعطي (أنا بولس) رأياً باعتباري نلت رحمـة ً من الرب لأكون جديراً بالثقة». (1 كو 7 : 25)، وغالبا ما تكون أفكار الكاتب مفيدة ،  ولكن ليست معصومة من الخطأ ،. وإنما العصمة تنحصر  ما ساقه  الوحي من للحقائق الإيمانية في الكتب المقدسة ، و هو الذي يجعل منه مرجعاً أكيداً للحياة المسيحية.  (المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الوحي الإلهي، رقم 3 ، 4 ، 5 ، 6)
وتتحدث رسالة للبابا لاون الثالث "الله الكلى العناية " عن طبيعة وحى الكتب المقدسة، فتعلن أن الروح القدس، المؤلف الأول والأساسي، استخدم بعض الأشخاص كوسيلة  للكتابة، فإن الروح القدس بقوته الفائقة الطبيعة، حركهم وساقهم إلى الكتابة، وساعدهم عند الكتابة، بحيث أنهم أدركوا إدراكا صحيحا كل ما أمر بكتابته، ولا شيء غيره، وأرادوا كتابته بأمانة، وعبروا عنه تعبيرا صحيحًا، معصوما من كل خطأ فيما يخص الحالقائق الايمانية ،  وما عدا الحقائق الايمانية  ذلك لايعد مصدرها الله تعالى ، إنما الثقافو والمعرفة الساءدة فىذلك العصر ..وقد استبدل المجمع الفاتيكاني الثاني للـ"دستور العقائدي في الوحي" اللغة الدفاع ضيقة الأفق عن عصمة الكتب المقدسة (خلوها من الخطأ) التى جاءت  فى الرسالة العامة  للبابا لاون الثالث "الله الكلى العناية ،  بلغةٍ أكثر إيجابية فى العبارة التالية :  «تعلمنا أسفار الكتاب المقدس بثبات وأمانة وبعيداً عن الخطأ في الحقائق التي أراد الله تسجيلها في الكتب المقدسة» .
ويمكن القول ان الوحى فى المسيحية هو ( إلهام) إلهى  وليس (إملاء)  ، بينما الوحى فى الاسلام "إملاء" من الله، يتلقاه النبى ، دون أن يكون له أدنى تدخل فيه، ولكونه كلام الله لايجوزأن يتترجم حرفياً، ويسمح فقط بترجمة المعانى الواردة.  أما فى المسيحية، أن الله قد "ألهَم الانبياء والرسل لكى يكتبوا كلام الرب " أقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ." (سفر التثنية 18: 18) .
وقد عززت  الثورات العلمية المتلاحقة   والاكتشافات الأثرية والتقدم التكنولوجي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وعمليات التنقيب فى حضارات بلاد النهرين (البابلية والآشورية)، والحضارة المصرية القديمة، والكنعانية، وما أسفرت عنه في نصوص العثور على مخطوطات غاية فى الاهمية منها سفر أشعياء بالكامل يرجع تاريخ  كتابته الى سنة 1000 قبل الميلاد   بوادى قمران والبحر الميت وغيرها على على تجاوز المفهوم الحرفى  لتفسير ماجاء في الكتاب المقدس.  وقد شجع البابا بيوس الثاني عشر (1939- 1958م) حرية البحث في  دراسات الكتاب المقدَّس، والبحث عن معلومات عن كتاب العهد القديم، لتحديد الشكل الخاص والظروف التي عمل فيها  كاتب السفر ، والفترة التي عاشها، والمصادر وصوروا التعبيرات التي استخدموها  . (أنظر كتاب التوراة ، ريتشارد فريدمان ، ، ترجمة عمرو زكريا ص 25. )
 
الايمان والعلم نوران من الله
ماحدث عن الكنيسة من أخطاء فى الماضى ،  مرجعه إصرار رجال الدين فى القرون الغابرة على احتكار مصدر المعرفة ، بغرض السيطرة على عقول الناس، واستمرار  قبضتهم على زمام السلطة الروحية والزمنية معا.وإذا كان ثمة علاقة بين الايمان والعلم  فهي بالأحرى علاقة تكامل. فالعلم يقود إلى معرفة الطبيعة، والدين يقود إلى معرفة معنى الوجود ، ولكل منهما مجاله .دائرة العلم مختلفة عن دائرة الدين في أصلها ومناهجها، وفي الغاية منها. واتجاهي العلم والدين، في الحقيقة ، أمرين متوازين من نقطة البداية حتى نقطة النهاية، لكى يصلا كما يقول عالم الحفريات اليسوعى تيارد دى شاردان إلى نقطة احدة  سماها نقطة "أوميحا" (انظر ملحق2)  . فالعلم موضوعه المادة أي الوقائع المتراكمة أمام حواسنا، والتي يمكن أن تخضع لتجاربنا ومشاهداتنا، أما الدين فمجاله الإيمان وهو "الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى"، ولو كان يخضع للبرهنة لانتفت الحاجة اليه واصبح علما لا إيمانا ، وموضوعه العقائد، من حيث هي وحي، والعبادات والسلوكيات وممارسات طقوس معينة وما وراء الطبيعه، والغاية من الحياة والكون،  رجل العلم يحاول تعليل الخليقة على أساس مبدأ السببية، أما رجل الدين فهو يحلل الوجود على أساس مبدأ الغائية، فهذان المبدآن "السبب" و"الغاية" ،  يستطيع الفكر البشري أن يستوعبهما، من منظور التكامل وليس التوافق .  فالعلم يهتم بطبيعة الأشياء ، وآليات عملها، أما الدين فيهتم بمعانى الأشياء وغايتها، ولا يغنى أحدهما عن الآخر، فالبشرية ليست اليوم أفضل حالا،ً وأقل تحديات، وأسعد حالا، مما كانت عليه من قبل، بعد كل هذا التطور الهائل في العلوم والتقنيات، لأن العِلم لا يهتم بمعنى الأشياء بقدر ما يهتم بمعرفة بنيتها وكيفية عملها، ولايعطى إجابة لفضول الإنسان، وتتصف المعارف العلمية بكونها نسبية، محدودة، تعددية، وأنها دوماً قيد المراجعة وإعادة النظر. 
 
وقد فطن عدد من الفلاسفة لذلك فيقول كارل فريدريك أن: "العلم والدين يحتاج أحدهما للآخر، فلا يكون أى منهما  أقرب إلى معناه ما لم يأخذ الآخر أخذا تاما" ، والى قصور العلم عن تقديم معنى كُلي للوجود، من هؤلاء الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل ( Bertrand Russell) فعلى الرغم من إيمان رَاسِل بالعلم طريقا للخلاص؛ فإنه يقرر بأن العلم لا يقوى على إجابة أبسط الأسئلة الأنطولوجية والميتافزيقية، "إن أكثر الأسئلة أهمية وإثارة تقع خارج قدرات العلم، مثل إذا كان الوجود ينقسم إلى مادة وعقل، فما المادة وما العقل، وما العلاقة بينهما؟ وهل للكون غاية وهدف؟ هل هناك قوانين حقيقية تحكم العالم أم أنها تصورات عقولنا التي تهوى النظام؟ ولِمَ تهوى عقولنا النظام؟ ما حقيقة الإنسان؟ هل هناك مسلك محمود في الحياة ومسلك غير محمود؟ أم أن هذه تصوراتنا ؟.. مثل هذه الأسئلة - وغيرها كثير- لا إجابة لها في المعمل.
 
وفى إطار هذا المفهوم والعلاقة التكاملية بين الدين والعلم ، لم يعد هناك اشتباك أو تنافس بينهما ، يل تكامل  من مظاهرة  أنشاء  الكنيسة الكاثوليكية  فى العام 1936 الأكاديمية البابوية للعلوم، وهى هيئة علمية مستقلة تضم عدد من العلماء المتخصصين من جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى أعمال المرصد الفلكي البابوي التي تشكل مراجع موثوق بها، وتتعاون الكنيسة مع غير المؤمنين والملحدين في دراسة البحوث العلمية، وتهتم الاكاديمية البابوية للعلوم  بسائر العلوم خصوصًا الرياضيات الفيزيائية والرياضيات الطبيعية.
 
قال البابا فرنسيس فى حديث أمام الاكاديمية البابوية في أكتوبر 2014 حول خلق الكون، ودور الله فى تكوينه، والخلاف حول النظريات العلمية "عندما نقرأ عن عملية الخلق في سفر التكوين يتهيأ لنا أن الله عبارة عن ساحر مع عصا سحرية قادرة على الاتيان بكل شيء، لكن الأمر ليس على هذا النحو".
وتابع إن " نظرية التطور لدارون  لا يتعارض مع مفهوم الخلق، لأن التطور يتطلب خلق كائنات تتطور". 
 
لم تكن تصريحات البابا فرنسيس هى الأولى من نوعها  حول نظرية التطور، ففى عام 1950 تحدث البابا بيوس الثانى عشر بحذر شديد عن عدم وجود تناقض بين نظرية التطور والإيمان الكاثوليكى، وقد كان أول بابا يلمح إلى ذلك، وفى عام 1995 بنى البابا يوحنا بولس الثانى على رأى سلفه بشكل واضح ومباشر فى بيان أرسله للأكاديمية البابوية للعلوم، قال فيه ان المعرفة الطبيعية تقودنا إلى الاعتراف بنظرية التطور على أنها اكثر من فرضية، ودعا رجال الدين المسيحى إلى الاطلاع على آخر الأبحاث العلمية، وحث رجال الدين والعلمانيين على تفسير الكتاب المقدس فى ضوء الأبحاث العلمية بشكل جيد .
 
وفى  12 مايو 2017 كرمت الأكاديمية البابوية للعلوم الراهب جورج لوميتر اليسوعى (1894-1966) الذي وضع أسس نظرية أن الكون  بدأ مع انفجار ضخم، وصرح  رئيس المرصد الفاتيكاني غي كونسولماغنو إن أبحاث لوميتر تثبت أن من الممكن التوفيق بين الإيمان بالله وبين نظرية الانفجار الكبير.
 
وتابع "كان لوميتر نفسه مهتماً جداً لجهة تذكير الناس بأن الخلق الإلهي المبدع ليس أمراً حدث قبل 13.8 مليار سنة، بل هو أمر يحدث بشكل مستمر". وأضاف كونسولماغنو أن الاعتقاد بأن الله هو من خلق الانفجار الكبير " يقلل من قدره إلى إله طبيعي، مثله كمثل الإله جوبيتير الذي كان يلقي سهام البرق. ليس هذا هو الإله الذي نؤمن به نحن المسيحيين".
 
وحول احتمال اكتشاف وجود حياة على الكواكب الاخرى ، وإمكانية الهجرة والإقامة بها، وانعكسات ذلك على الإيمان المسيحى وعقيدة الخلاص ، يقول الكاردينال جوزيه كابرييل فونيس، عالم الفلك والرئيس السابق للمركز الفلكي في الفاتيكان، أن وجود كائنات فضائية في عوالم أو كواكب أخرى لايناقض الإيمان المسيحى،  وهو أمر محتمل جداً وشبه أكيد،  وسنعتبر الكائنات الفضائية العاقلة إخوة لنا، وبسؤاله في حالة وجود كائنات فضائية ، فهل هي تحتاج ( لعملية خلاص ) كالتي قام بها المسيح ؟ أجاب الكاردينال قائلاً : إذا كانت هناك كائنات عاقلة في الكون نظير الإنسان ، فإنه ليس بالضرورة أن يحتاجوا لعملية خلاص !! 
 
وأضاف الكاردينال جوزيه فونيس : قد تكون هذه الكائنات تعيش في حالة عشرة وبراءة  مع خالقها !! أن تجسد المسيح هو عمل وحيد ومتفرد ولايمكن تكراره في الكون، ولكن هذا لن يمنع هذه الكائنات العاقلة أن تتمتع برحمة الله، وهو موقف كنسى غير رسمى حتى الان –  ليس مجرد موائمة بين العلم والايمان ! ويستند لكتابات الاهوتى الدومينكانى "جوردانو برونو" (1548 – 1600) التى تقول أن النظام الشمسى هو واحد من مجموعة نظم تغطى الكون في صورة نجوم لانهاية لها . و إن كل من النظم النجمية الأخرى تشتمل على كواكب ومخلوقات عاقلة.
 وتشجع الكنيسة الكاثوليكية وتَدعَمَ الى بذل الجهد فى  الأبحاثِ العلميةِ الطبية، وتحث أبناءها على المشاركة فى تطوُّرِ الطبِّ الحيويِّ، كما تَرغبُ في أن تَكون نَتائجُ هذه الأبحاثِ في مُتناولِ شعوبِ المناطقِ الفقيرةِ والمنكوبةِ بالأمراضِ . فمثلا  ففى مسالة الانجاب، تجيز الكنيسة استعمال تقنياتِ الإخصابِ الإصطناعيِّ المُتجانس التي تحلُّ محلَّ الفعلِ الزوجيّ، أما التقنياتُ التي تعينُ الفعلَ الزوجيَّ وتساعدُ على خصوبتِهِ فهي مَسموحة، هذا مع رفضُ جميعِ تقنياتِ الإخصابِ الإصطناعيِّ غيرِ المُتجانِس. 
 وحول جواز نقل الاعضاء البشرية  من شخص لآخر عند الحاجة، قال البابا يوحنّا بولس الثاني فى  29 أغسطس 2000 ، "لا يُمنح عضو بالكامل من الجسم، بل يُمنح جزءٌ من أعضاء الجسم "، وصرح البابا بندكتس السادس عشر فى  7 نوفمبر 2008 ، أنه من الضرورى احترام بعض المتطلبات الأخلاقية؛ ففي حالة نقل عضو من شخص حيّ، لابدّ من الحصول على موافقته، والتأكّد من غياب الأخطار المفرطة على صحته، كما أنّ الموافقة المعلنة للمانح شرطٌ مسبق كي تكون لعملية الزرع سمة الهبة، ولا تُفسّر كفعلٍ قسري أو كاستغلال، في حالة نقل عضو أو أكثر من شخص متوفي، فمن الضروري الحصول على موافقة المانح عندما كان على قيد الحياة أوعائلته، وكذلك التحقق من الوفاة، ولاتجيز الكنيسة الكاثوليكية  إطلاقا نقل عضو من كائن حيوانى إلى  الإنسان؛ من منطلق الحفاظ على كرامة الانسان كونه خلق على صورة الله ومثاله. 
 
و تشجع الكنيسة العملِ في الأبحاثِ المتعلقةِ بإستخدامِ الخلايا الجذعيةِ البالغةِ ودَعمُها، وذلك لأنها لا تُسبِّبُ أي مشاكلٍ أخلاقية. وتحرم الاستنساخ التكاثرُى اللاجنسيُّ ، أوالاستنساخ المعملى للعلاج الطبى أو التلاعب فى الجينات الوراثية. وقد حذر البابا يوحنا بولس الثاني فى 18 أغسطس 2002 ، من المخاطر المرتبطة بالهندسة الوراثية، وقال:  "إن الإنسان يتصرف باستمرار كما لو أن الله غير موجود، بل ويصل به الأمر إلى انتحال مكانة الرب". 
 
واضاف البابا: "إن الإنسان يزعم لنفسه حقا إلهيا للتدخل في ألغاز الحياة البشرية، ويرغب في تحديد الحياة البشرية عبر التعديلات الجينية ووضع حدود للموت".

ملحق  (2)
الإيمان والعلم –بيلار دى شاردان
أحدثت نظرية "التطور وأصل الانواع " ، التي قدمها تشارلز داروينCharles  Darwin) ) عالم التاريخ طبيعي والجيولوجيا ، والتى تقول  ان كل الكائنات الحية من  النباتات والحيوانات  من "أصل خلية  أميبية واحده ، تغيرت ونطورت  بطريقة طبيعية تدريجيا من اشكال كانت فى الماضى ابسط حتى وصلت الى ماهى عليه الان   ، بفعل عوامل عديدة منها :الانتخاب ااطبيعى البقاء للاصلح  والاقوى ، والقدرة على التكيف مع البيئة المحيطة زلزال مازالت توابعه مستمرة حتى يومنا هذا . لم يكن دارون"  ارون أول من تحدّث عن اتطور الكائنات الحية  ، بل سبقه الكثيرين ابتداء من فلاسفة الإغريق، حيث قال الفيلسوف "أنكسماندر (546 ق.م  -  60 بب.م) ان الحياة نشأت في البحار ثم انتقلت إلى الأرض، كذلك قدمت الفلسفة التاوية في الصين القديمة رؤية تقوم على عدم ثبات الأنواع وتكيفها مع البيئة . وبعد نحو تسعة عشر قرنا تبلورت الفرضية الى نظرية علمية تستند على دلة وبراهين ، أمن بها  بها العالم واللاهوتى  "تيلارد  دى شاردان " وتقبلتها الكتيسة الكاثوليكية بعد قرون من الومن  في اطار تفسير نشأة الحياة .
 
تيارد دى شاردان والتطور الطبيعى :
الأب الراهب اليسوعى  تيلارد دى شردان واحد من أعظم علماء القرن العشرين فى نظر جميع أهل الفكر من مؤمنين ومتشككين وملحدين على السواء . أول من أوجد صيغة فكرية جديدة  مبينيه على العوامل المشتركة بين الدين والعلم. 
 
ولد تيارد دى شاردان  فى الأول من مايو  عام 1881 في مقاطعة الأوفيرن القديمة ،  جنوب فرنسا ، وقد تركت سلاسل البراكين الخامدة فى المنطقة والبقايا المحمية لغابات هذه المقاطعة الجنوبية أثرًا كبيرًا على تيلار. الأمر الذي عبَّر عنه في سيرته الذاتية الروحية قلب المادة حيث قال:"أن الأوفيرن كانت بالنسبة لي متحفًا لتاريخ الطبيعة ومحميةً للحياة البرِّية. كما أعطتني سارسونا التي في الأوفيرن الطعم الأول لفرحة الاستكشاف. إني مدين للأوفيرن بأثمن ممتلكاتي التي هي: مجموعة من الحصى والصخور الذي ما زال ممكنًا اكتشافها هناك حيث عشت".
 
كان الابن  الرابع بين أحد عشر أخا لسيدة هى أبنة  الاخت الاكبر للكاتب والشاعر الفرنسى "فولتير" . أتم المرحلة  الثانوىة ، ولم يبلغ بعد الحادية عشرة من سنه ؛ وتفوق فى كل شئ باستثناء مادة الدين؛ وكان على شغف خاص بالجغرافية، ولكنه ، مع هذا كله ، كان يصر على أن يصبح كاهناً "لكى يعيد فرنسا إلى الله "، وقد أعطاه تعليمه عند اليسوعي حافزًا قويًا للاستمرار في تفانيه لكلٍّ من البحث العلمي من جهة ولحياة الصلاة التي اختارها لنفسه من جهة أخرى.  انخ عام 1899رط فى سلك الرهبانية اليسوعية، ولكنه ما أن ابرز نذوره الأولى حتى تسلمت زمام الحكم فى فرنسا حكومة تعادى رجال الدين فأعلنت عليهم حرباً عنيفة، وأغلقت عدداً كبيراً من المدارس الكاثوليكية، فهرب تيارد مع اساتذته وزملائه، بملابس نسائيه، إلى جزيرة جرسى البريطانية حيث تابع دراسة الفلسفة، ولكن هناك كان ينازعه فى داخله اتجاهان عنيفان: فقد أخذ عن والده حب العلم، وتشرّب من والدته التقوى المسيحية، فاختلط عليه  الاختيار بين ان يكون رجلاً روحياً من جهة، وأن يحترف العلم من الجهة الأخرى، فافهمه مرشده الروحى أن بمقدوره  أن يكون عالماً وكاهناً معاً.
 
وقد اصدر تيارد نحو ثلاثين كتاباً، حيث يعتبر كتابه "ظاهرة الإنسان"في نقطة المركز منها، من دون أن يقل عنه أهمية كتابه الكبير الآخر"البيئة الإلهية" الذي كان هذا الأب المفكر قد وضعه في العام 1927.
 
 جاء تيارد إلى مصر قبل سيامته كاهنا، للتدريس لمدة ثلاثة سنوات فى مدرسة العائلة المقدسة بالقاهرة . وفى مصر ، تطورت ميوله المتعلقة بعلوم الطبيعة، ومن خلال زبارته للريف والصحراء كان ينكب على دراسة النباتات والحيوانات والمستحاثات العائدة إلى مصر القديمة. وفي الوقت الذي كان يتابع فيه بجد متطلبات دراسته كان تيارد دى شاردان  يجمع المستحاثات ويراسل علماء الطبيعة في مصر وفي فرنسا. وتبين مجموعة رسائله لتلك الحقبة المصرية شخصيةً ذات قدرات عالية في المراقبة.
 
عام 1907، نشر تيلارد أول مقالة له بعنوان " أسبوع فى الفيوم" . كما أنه أُخبر في نفس العام 1907 أنه، وبسبب اكتشافه لثلاثة أنياب عائدة لأسماك قرش في مقالع قرب القاهرة، وإن أصنافًا جديدة من هذه الأسماك قد أسميت بتيلارديا قام بإرسالها إلى الجمعية الجيولوجية الفرنسية.
 ومن القاهرة، ؛ عاد بعدها إلى فرنسا لاستكمال دروسه اللاهوتية حتى تم رسامته كاهناً علم 1912، درس في السوربون 1919 لمدة ثلاثة سنوات ، نال شهادة الدكتوراه في العلوم الطبيعيّة، وعمل منذ العام 1920 أستاذًا في مادة علوم ما قبل التاريخ فى الكلية الكاثوليكية. ولما نشبت الحرب العالمية الأولى انخرط فى الشعبة الصحية من فرقة القناصة الرابعة المغربية، ونال عن بسالته، فى معركة فردان وسواها تقدير رؤسائه فى الجيش فكافأوه بوسام جوفة الشرف، وصليب الحرب والنوط العسكرى . 
 
 فى فترات الهدوء فى الجبهة ، كان يكب على التأليف، فكتب أهم مقالاته: " الحياة الكونية "، و" الأتحاد الخلاق "، و" المسيح فى المادة "، و" الكاهن "، و " عالمى "، و " الكون السرى ". وكان يرى الله لا مجرد خالق الكون بل باعث الحياة فيه، فهذه نقطة البداية التى تواصل العمل فى الكون، وكان يرى الكون والإنسانية فى تطور دائم نحو تعقد أعظم ووعى متزايد، وان هناك طريقة عامة للتطور أسماها " قانون زيادة التعقد ". إلا أن ما كتبه من أرض المعركة كان قد أربك رؤسائه اليسوعيين وكان سبق انذاره ، وخاصة منها تلك المتعلقة بإعادة التفكير بمواضيع التطور والخطيئة الأصلية. وبشكل متدرج،  ومع ردود الفعل على مايكتبه  ، بدأ تيلار يدرك أن ما تحتاج إليه الكنيسة، على حدِّ قوله، هو:"... إعادة تقديم العقيدة، بشكل أكثر واقعية، وعالمية، وبطريقة أكثر "كونية"..." .
 
  وفى السنة 1923 قام الأب تيارد برحلات إلى الصين للتنقيب عن الحفريات فى الصين زهاء عشرين سنة . وفى عام 1928 انيطت به مسؤولية التنقيب الجيولوجى والحفريات غير البشرية ، فى بعثة دافيدسن بلاك ، فى منطقة " جاو كوتيان " حيث عثر على أول جمجمة لإنسان بكين ، ولما تحلى به من المواهب النادرة فى التحليل والتبسيط ذاع اسمه فى العالم كله، وساهم فى اندونيسيا ، فى التنقيب عن إنسان جاوا . ثم قصد إلى الهند وبورما مستشاراً للعالم دى تيرا؛ وإلى جنوب افريقيا لينظم برنامجاً للتنقيب عن " انسان الجنوب "، ومن بعد سافرإلى الولايات المتحدة ليقارن بين التركيب الجيولوجى لغرب امريكا وشرق آسيا . وبعد الحرب العالمية الثانية انصرف للأبحاث الأنتروبولجية مع معهد روكفورد والمتحف الأمريكى للتاريخ الطبيعى فى نيويورك .
 
 في العام 1925، بناء على مذكرة لمجموعة من الاساقفة الفرنسيين على كتاباته ومحاضراته للفاتيكان  ، أمر تيلار مرةً أخرى بتوقيع وثيقة يستنكر فيها نظرياته المثيرة للجدل، وبأن يغادر فرنسا بعيد انتهاء الفصل الدراسي. عدد من زملاءه  في المتحف، صحوه بترك اليسوعيين والتحول إلى كاهن رعية. بينما نصحه آخرون، بالتوقيع على الوثيقة من منظور أن توقيع سيكون تعبيرًا عن وفائه للكنيسة وليس تنازلاً فكريًا أمام متطلبات المجمع الكنسي. بعد فترة من الخلوة والتفكير والضلاة، وقَّع تيلار في تموز 1925 على الوثيقة. 
 
بعد حين قصد تيلارد  روما حيث مقر رئيس الرهبنة  يلتمس السماح بطبع كتابه " الظاهرة – الأنسان " قوبل بالرفض، فقال حين ذلك، والدمع يملاً عينيه " انهم لا يريدوننى أكتب !.. بل لا يريدون أن أفكر! " بيد أنه اناط ثقته بالله وكتب إلى الرئيس العام للرهبانية اليسوعية  قائلاً : " .... أنى اشعر الآن بأنى أوثق ارتباطاً من اى زمن آخر من حياتى بالمسيح والكنيسة ، ولم يسبق لى أن رأيت المسيح أكثر حقيقة وتجسداً ، واكثر سيادة على الوجود مما أراه الآن، إنى أقر تماماً بأن فكرتى عن المسيحية بشكلها الحإلى سابقة لأوانها، أو ناقصة ؛ وان نشرها فى الوقت الحاضر قد لا يكون مناسباً " . 
وقد كوفئت طاعته، فان رئيسه المباشر الأب جوف قد أشار عليه بتعيين قيم على كتاباته ليكفل لها النشر بعد وفاته، وفى الأحد ، عيد القيامة 10 من فبراير 1955، وبعد ما قدس قداسه وحضر القداس الحبرى فى كاتدرائية القديس بطرس، ذهب لحفلة فى دار البلدية بنيويورك . وفيما كان فيها بتناول الشاى مع نفر من اصدقائه سقط ميتاً بفعل نوبة قلبية فى العاشر من ابريل سنة 1955. وكان ذات مرة قد اعرب عن أمله " بان يذهب للقاء المسيح الناهض من القبر فى عيد القيامة" ، حيث كتب:"ربّي إنّي فتّشتُ عنك بكلّ ما فيّ من قوى، وبكلّ ما أعطتني الحياة من ظروف قاسية. لم أتوانَ أبداً عن التفتيش عنك، وعن وضعك في قلب المادّة الشاملة، وليكنْ لي الفرح في أن أغمض العين يوم النور الشفّاف الشامل، يوم يشعل كلّ شيء بشمول نارك  الّالهبة". ومن يمر بقبرة خارج مدينى نيويورك يقرأ هذه العبارة مقوشة عليه : " لجسدك ، يا سيدى يسوع ، فى أقصى امتداده ... وللعالم الذى اضحى ، بقدراتك وبإيمانى ، بوتقة حية مجيدة يذوب فيها كل شئ ليولد من جديد ، أكرس نفسى وجميع المواهب التى أسبتها على جاذبيتك الخلاقة ، ونصيبى الضئيل، من العلم، ونذورى الروحية، وكهنوتى " العزيز على " وأعمق نوازعى الإنسانية، فى هذا التكريس أحب، يا سيدى يسوع، أن أحيا، وفيه أموت ".
بعد وفاته لم يتوقف صراعه الفكرى مع الكنيسة . ففي العام 1962، صدر عن مكتب الحبر الأعظم البابا يوحنا الثالث والعشرين يحذر مرةً أخرى من أفكار تيارد دى شاردان غير القويمة، يقول : إن بعض أعمال الأب بيير تيارد ده شاردان، وحتى منها تلك التي نشرت بعيد وفاته، قد طبعت وهي تلقى رواجًا لا يمكن الاستهانة به. لذلك، وبغض النظر عن بعض جوانبها الإيجابية المتعلقة بالعلوم والفلسفة واللاهوت، فإنه من الواضح أن هذه الأعمال مليئة بملابسات مكررة وبأخطاء جدية مهينة للعقيدة الكاثوليكية. لذلك فإن آباء المجمع المقدس العائد للحبر الأعظم، يحثون جميع الأساقفة ورؤساء المعاهد الدينية، وعمداء المعاهد ورؤساء الجامعات، على الدفاع عن عقول البشر، وخاصةً منها عقول الشباب، من أخطار أعمال الأب تيارد ده شاردان وأتباعه.  بعد ذلك بفترة قصيرة وضح الكرسي الرسولي الحبر الأعظم أن التصريحات الأخيرة لأعضاء من الكنيسة، ولا سيما تلك التي ظهرت في الذكرى السنوية المئوية لولادة  تيارد ، تفسر على أنها تراجع عن المواقف السابقة التى جاءت فى .البيان الصادر عن المكتب الصحفي للكرسي الرسولي، ، فان البيان الصادر، 1962  لا يزال يمثل السياسة الرسمية للكنيسة حتى يومنا هذا " .
 
لكن أثبتت الأيام صحة ماقاله تيارد دى شاردان لرئيسه العام فى الرهبنة اليسوعية " إن كتاباتى المسيحىة بشكلها الحالي سابقة لأوانها، أو ناقصة" . وبالفعل قرأت الكنسية الكاثوليكية كتاباته ، بعد المجمع الفاتيكانى الثانى (1962 – 1963) وانفتاحها على العالم المعاصر بعيون جديدة . ففى عام 1950 تحدث البابا بيوس الثانى عشر بحذر شديد عن عدم وجود تناقض بين نظرية التطور والإيمان ، وقد كان أول بابا يلمح إلى ذلك. وفى عام 1995 بنى البابا يوحنا بولس الثانى على رأى سلفه وبشكل واضح ومباشر فى بيان أرسله للأكاديمية البابوية للعلوم، قال فيه ان المعرفة الطبيعية تقودنا إلى الاعتراف بنظرية التطور على أنها اكثر من فرضية. واستخدم البابا يوحنا الثالث والعشرون فى رسالته العامة " السلام على الارض " قبسا من أفكاره ، كما برزت فى كثير من وثائق المجمع الفاتكانى الثانى . وفي عام 2009، اشاد البابا بنديكتوس السادس عشر بفكرة دي شاردان التي تعتبر الكون "المضيف الحي" . بل أعرب كبار اللاهوتيين عن تأثرهم بنظريات تيارد دى شردان، فكتاباته تقدم بصيرة جديدة للمسائل اللاهوتية والعلمية. 
 
فلسفته : 
حين قرأ تيلار كتاب هنري برجسون " التطور الخلاَّق" عقب صدوره ، وجد نفسه أمام مفكرٍ حلَّ إشكال الثنائية الأرسطية للمادة والروح لصالح حركة كون يتطور مع الزمن. وقد تعرف تيلار على كلمة تطور من خلال برجسون. فربط، على حدِّ قوله، ما تعنيه هذه الكلمة .أمن تيارد من خلال التأمل والبحث العلمى فى الحفريات بصحة للخطوط العامة حول نظرية التطور لعالم الطبيعة الإنجليزي تشارلز دارون وانه لايمكن فهم سر الإنسان والكون بمعزل عن تلك نظرية  .  
 حاول بيار أن يدمج الفكري العلمي والديني في نظريته حول تطور العالم. كلنا يعلم بنظرية التطور التي وضعها 
تشالز داروين  في منتصف القرن التاسع عشر،  والتي عصفت  العالم الفكري  والديني في وقتها. فقد لاح للناس من جديد هوة كبيرة بين العلم والدين كما حدث في زمن غاليلو و كونبركريوس الذين قالا أن الأرض تدور حول الشمس وليس كما كان يعتقد بطليموس الاغريقي، اي ان الأرض هي مركز الكون.
 
تيار دي شاردان كان يرى تطورا واضحا هادفا نحو الوحدة، حيث يقول يتخيل المرء بان الكون هو جامد لا يتحرك بينما في الواقع ، يتقلص  ويمتدد،  يتفتق وينتشر ، ينمو ويتسع،  يبني ذاته، يخلق و يواصل التطور نحو  إكمال  ذاته، متقدما من  ضغط إلى تزاحم ثم التعقيد ثم إلى الوعي ثم ولادة فكر.
بكلمة أخرى هناك تطور مقصود ومحكم ومخطط في كل أنواع الحياة، بعيدة عن الصدفة ، جريا على نظام باطني يسوقه صعودا من اسفل إلى  الأعلى، من اقل تطور إلى الاعقد ،على غرار فكرة الدفع الحيوي لفيلسوف الفرنسي بيرغسون، الذي يسوق العالم  من اللاوعي إلى  الوعي او جدلية هيجل. إلا أن عند بيار الموضوع هو اكثر شمولا ، حيث ان لهذا التطور وجود غاية روحية تنتهي في المسيح الذي هو هدف الكون أو المحبة أو الوحدة الواحدة في الوجود.
 
ويواصل قوله ( أن الله وضع الروح في المادة ، فاختبأ  فيها، وحبلت بها بنوع ما ). وفيما يلي مراحل تطور الكون حسب رأي بيير تيار دي شاردان:-

المرحلة الأولى 
 بدء المادة بالحركة
يقول بيار تبدو المادة من ناحية الظاهرية ثقيلة وجامدة، لمن يتمعن فيها مليئا سوف يراها مملوءة من العقل والذكاء (أفكار هيجل) . فالمادة تبني وتنظم ذاتها بطرق مختلفة فمهما بدأت مفشاة  فأنها تحتل في تضاعيفها من الوجدان بشبه غيبوبة أو لا شعورية.
بالنسبة  تيار دي شاردان( الكون هو مغلف بالروح،  حيث يقول حيثما وقعت المادة وقعت على الروح، لذاك نراه يناجيها ويقول  أيتها المادة المقدسة يا حاملة الروح في رحمك) .

المرحلة الثانية   
 توحيد بنية الحياة بنوع اعقد فيها شعور
في المادة المجبولة بالروح، هناك قدرة او طاقة كامنة لها الامكانية على التسامي اكثر فأكثر نحو الروح. كلما نمى فيها جهاز العصبي فكلما زاد الوعي والوجدان والحساسية والشخصية  فهناك نظام مخطط ومرسوم نحو تقدم متواصل، تقوم بقزة  لتنتقل من  الفقريات إلى الثدييات منها إلى القرديات ثم إلى الإنسان.
 
المرحلة الثالثة   
ظهور الإنسان
بعد تقدم وتطور متواصل  لمدة ثلاثة مليارات سنة ن يظهر الإنسان على حلبة الوجود،  في آخر تطور من التكوين الأرض ( تطوير الثالث)،وذلك لا اقل من مليون سنة ، يصعد بصمت وبمشقة ، مارا بأجناس مختلفة كما هو مبين من الهياكل العظمية المتحجرة داخل طبقات الأرض ، كانسان نياندرتال ( الذي اكتشفه فولهروت في 1857 في وادي نياندرتال في ألمانيا إنسان كرومانيوم في مقاطعة الجنوب الغربي لفرنسا وإنسان البيتاكنتروبيس والصيننبروبس .
 
ومن مقدرته على  اختراع أدوات الحجرية والنار والرسوم وغيرها هي علامات الحضارة
هذه الظاهرة الفريدة من نوعها في تاريخ الوجود، أن دخول الفكر البشري إلى الكون هي ظاهرة غير وليدة للصدفة كما يعتقد البعض ، بل هي مقصودة وكامنة في نظام التطور.

المرحلة الرابعة 
 البشرية في طريق وحدة فكرية
بعد آلاف القرون توقف التطور الكوني على صعيد الفسلجة، لكن بدا تطور من نوع  آخر
( تطور اجتماعي)، في منتصف القرن العشرين  وبعد أن ذاق العالم مرارة حرب العالميتين الكبيرتين  بدأت البشرية تقترب نحو بعضها تقبل بعضها ،هذا التطور هو على صعيد الاجتماعي سياسي يتسع لدول اكثر فاكثر ، رغبة الدول الشعوب تزداد يوما بعد يوم نحو اتحاد ، هذه هي نفس الطاقة الروحية التي تدفع الإنسان نحو  أخيه الإنسان فهي تعمل عملها داخل نخبة من البشر وتحضهم على التفاهم والتقارب نحو الوحدة في الرأي والقلب  والعمل مع الحفاظ على حريات الفرد.
 
كذلك فتح مجالات أمام طلاب والباحثين في شتى المجالات العلمية والفكرية، حيث تزداد عملية الاتصال الفكري بين هؤلاء .
 وكأنه كان تيار دي شاردان  يحدس وضعية هذه الأيام التي نعيشها  والتي يستخدم فيه الانترنيت.
 
المرحلة الخامسة   
  خاتمة التطور علامة اوميغا
أن تيار التوحيد الكوني سيتابع جريه وينتهي يوما بالجميع الناس  في  طرأ واحدا، حيث سوف تنتصر الحقيقة على الضلال، والمحبة على الكراهية، وسوف تكون هناك عنصره جديدة ونهائية وتفضي إلى  فوز الروح بالوحدة.
هذه الشركة تفترض وجود كائن مطلق متسام ومتعال منه تنحدر وتأخذ كيانها وكمالها، وإلا لكانت مبهمة بلا رأس ولا عقب ، فوحدة الأرواح تتطلب وجود الله حتما، هذا الإله نحو نقطة الدائرة في  تطور تاريخ ، هو علامة اوميغا (الحرف الأخير من اللغة اليونانية)  التي إليها يتوجه كل شيء ، هو ليس مثال أعلى فقط، لكنه شخص متسام، علة الكون ، أي الله  فهو ألفه وياؤه، وبدؤه ونهايته، هو الذي وضع قوة الروح في المادة وجعلها تتطور ثم تعود فتتجمع وتتوحد لتعود إليه في النهاية
 
  المرحلة السادسة     
 المسيح الكلي أو الكوني
حينما كانت البشرية نحو كمالها الروحي، إذ بحدث هام وخطير يحدث ، قفزة روحية هائلة تحدث ، إلا وهي ظهور المسيح في التاريخ. لقد اجتمع فيه الإله والإنسان معا.
 
هذا كان بمثابة تهيئ الكون لاتحاد بالله ، كان ظهور أو تجسد يسوع هو اعظم حدث يجري لتطور البشرية وتقدمها، يريد بالمسيح ، يسوع الناصري الذي ظهر في أطر الزمان والمكان ،وهو الخالق والمصدر والأساس لهذا الكون الفسيح ، والمثال الأعلى الذي على صورته تتكون الكائنات، إن يكون هو البيئة أو الوسيط الإلهي الذي يحرك كل شيء.
 
هو نقطة التي تلتف حوله كل العناصر وتتوحد، بكلمة أخرى هو الطاقة المحركة والقطب والغاية التي يصبو إليها كل  الرغائب وتجد مركزها ووحدتها.
أما نهاية العالم، هي اجتماع جسد المسيح الروحي  أو السري بكامله، اي اتحاد جميع الضمائر ذات الإرادة  الصالحة في المحبة والروح. هي نهضة الإنسانية بأسرها في الله الذي يجمع ويضم إليه كل ما خلقه بدافع حب وجودة لا توصف.
 
هزت هذه الأفكار العالم هزا عنيفا، من المؤمنين والغير مؤمنين على السواء، من العلماء واللاهوتيين، فمن محبذ ومهلل لها، ومن ناقد وساخط عليها، وقد كتب عن تيار دي شاردان كما قلنا  انه الشخص الذي  ولد في غير زمانه.
 
أراد أن يجمع العلم والأيمان، بالأحرى أن يقرب الأيمان للعلماء بلغة يفهمونها، ليكون لحياتهم مغزى ومعنى. فكان تيار فعلا رائدا في فكره النير، رو حيته المتصوفة وطاعته 
 
التامة لأوامر الكنيسة حتى بعد أنبهته و إعطت  القصاص له. 
 
مولفاته :
ترك الأب تيارد إرثا كبيرا من المؤلفات إلا أن معظمه لم ينشر بقرار من رؤساءه فى الرهبنة حتى لايثير أزمة مع الكنيسة بلغت نحو 507 عملا على شكل مقالة أو بحث أو قصة ،  من أهمها  واشهرها كتاب  "الانسان الظاهرة" الذى وضعه العام 1940، فى هذا الكتاب وضع تيارد خلاصة فكره الديني العميق، ولكن أيضاً خلاصة تبحّره في الكثير من العلوم ومن بينها الفيزياء والجيولوجيا، وعلم حفريات ما قبل التاريخ . في هذا الكتاب ينظر تيارد إلى الطبيعة بوصفها "حركة  تطورية، جرى نموها تبعاً لأربع مراحل أساسية". وهو يحدد لنا هذه المراحل، مطلقاً على أولها اسم "مرحلة ما قبل الحياة"... وفيها يفيدنا تيّار أن المادة، في مرحلة ما قبل الحياة، تطورت من حال لا انتظام لها، إلى شكل يعرف انتظاماً محدداً، وبعد ذلك، في المرحلة الثانية، يحل زمن الحياة، الذى تحولت فيه الكائنات من وجودها العشوائي إلى أنواع تزداد تركيبتها المعقدة أكثر وأكثر، وبعد ذلك يحل دور الإنسان، الذي يدخل عند ذاك مسرح الحياة والعالم وظهور الفكر... وتكون المرحلة الرابعة والأخيرة حين يعبر الوجود من مستوى البيوسفير منطقة أو حيّز الحياة غير المفكر إلى مستوى النوسفير منطقة أو حيّز الحياة المفكر، حين يؤكد الذكاء الخلاق للكائنات البشرية وجوده... وإذ تنجز هذه المراحل الأربعة، يقول لنا تيّار دي شاردان،  أن الكائنات تتطور لتتلاقى عند مستوى جديد، يطلق عليه اسم"البقاء" أو نقطة"أوميجا" التي تتوحّد فيها الكائنات جميعاً في سبيل الوصول إلى إنجاز الذات الأسمى فى المسيح الكونى . وكان تيارد قد أصدر قبل هذا الكتاب ، نحو ثلاثين كتاباً، لا تقل عنه أهمية ، خاصة  كتابه "البيئة الإلهية" الذي وضعه في العام 1927.
 
من مؤلفاته : -       ظاهرة الإنسان  -      رسائل مسافر -       المجموعة الزوولوجية (ذات العلاقة بعلم الحيوالإنسانية -       الوسط الإلهي -       مستقبل الإنسان -       الطاقة البشرية-       تفعيل الطاقة -       المسيحية والتطور-       قلب المادة -       نحو المستقبل-       تكون عقل: رسائل من كاهن مجند (1914-1919 -    كتابات في زمن الحرب -       رؤية للماضى -    ظهور الإنسان -       رسائل بين صديقين (1926-1952) -       رسائل إلى ليونتين زانتا -       مراسلات بين تيلار ده شاردان وموريس بلونديل -  دراسات لشاردان ودي تيرا.
.وقد بيع من كتابه هذا أكثر من 500 ألف نسخة منها وترجم إلى اكثر من 20 لغة. 
 
الفصل الثالث
الايمان والتربية
تؤمن العقائد المسيحية ، الولادة الجديدة بالماء والروح ، أى ان المرء لايصبح مسيحيا بمجرد الإيمان بالعقيدة المسيحية والعمل بتعاليم المسيح  ، وإنما التحول إلى إنسان جديد وتعبر عنه رمزيا بالمعمودية (إنظر رسالة بولس إلى أهل أفسس ، الإصحاح الرابع)  فى فكره وأخلاقه وسلوكه وأعماله .  ويستلزم ذلك  خلع الإنسان القديم، والتحول إلى إنسان جديد على صورة المسيح .  لذا ا تولى الكنيسة اهتماما فى رسالتها الروحية بالتربية والتعليم . ودعمت الكنيسة الاولى التعليم فى العصر البيزنطى والقرون الوسطى وحتى يومنا هذا  ، فأنشأت المدارس والجامعات وأهمها مدرسة الاسكندرية المسيجية وجامعة القسطنطينية التي كانتت ُدرّس الفلسفة والقانون والطب ونحو اللغة اللاتينية واليونانية وبلاغتها، 
 
، وبفضل العلماء المسيحيين نشطت المدارس الأكاديمية الفلسفيّة والفلكيّة في الإسكندرية وأهمها مدرسة الإسكندرية المسيحية ، وبنيت أيضًا المدارس . وفقًا لدراسة بعنوان  الدين والتعليم حول العالم ، شملت 151 بلد قامت بها مركز بيو للأبحاث عام 2016 يتصدر المسيحيين المرتبة الثانية كأكثر الجماعات الدينية تعليمًا، إذ تصل معدل سنوات الدراسة للمسيحي في العالم حوالي 9.3 سنة، وهو أعلى من المعدل العام الذي يبلغ 7.7 سنة، بالمقابل تصل معدل سنوات الدراسة لليهودي في العالم حوالي 13.4 سنة، ويصل معدل سنوات الدراسة للملحدين واللادينيين حوالي 8.8 سنة .
 
1-  مرحلة مدرسة الرعية : تعليم مبادئ المسيحية، وكان هدفها تهذيب العقل والخلق، وكانت الأسر تعاون هذه المدرسة.
 
2- مرحلة مدارس الحوار الديني: وكانت متأثرة بطرق التعليم عند اليونانيين، تدريس الفنون كالموسيقى والتصوير والادب.
 
3-  مرحلة المدارس الأسقفية والكاتدرائية: بداية من القرن الثالث الميلادي في المدن الكبرى، وقد كانت مراكز تعليم متقدمة، ومتطورة في كثير من الأحيان ، اهتمت بتدريس الفلك والراضيات والفيزياء  البحث العلمى  ، خرّجت مجموعة كبيرة ومتنوعة من العلماء والفلاسفة . مثلت مناهج هذه المدارس نواة العلم الحديث، .  تحول عدد منها إلى جامعات مرموقة فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر.
 
كانت القراءة والعلم نشاطا هاما فى الأديرة ، فقد وضع  القديس بنديكتوس ( 480 -567  ) مؤسس الحياة الرهبنية فى الغرب نظام للرهبنة مختلف نوعا ما عن نظام الرهبنة الشرقية، حيث تضمنت قوانين القديس بنديكتوس التى طبقت فى اديرة الغرب من القرن السادس حتى القرن الثانى عشر الميلادى من الراهب العمل بأيديهم مدة سبع ساعات يومياً وسمح أن يستبدل الراهب العمل اليدوي بعمل عقلي، كما خصص ما يتراوح بين ساعتين وخمس ساعات
 
يومياً للقراءة، وحددت واجبات الرهبان في الدير خلال 24 ساعة على الشكل التالي  :
-  أربع ساعات للصلاة الجماعية .
 -  أربع ساعات للصلاة الفردية و القراءات ا، خاصة للكتاب المقدس  وكتب الادباء .
-  ست ساعات لنسخ المخطوطات .
-  عشر ساعات للنوم والأكل والراحة ،وخصص بعض الرهبان لفلاحة الأرض، والبعض لرعاية الماشية ، والبعض لنسخ وتأليف الكتب ، حسب قدرات وامكانيات الراهب، ومن المُثير للدهشة أن الأديرة فى الغرب نقلت عن القديس باخوميوس المصرى أب حياة الشركة الرهبانية، وأوِّل مُشرِّع للحياة الرهبانية ، عقوبة لحمايِة الكُتُب والمكتبات، إذا أخذ الراهب كِتابًا ولم يهتم به بل ازدرى به ،  وكانت القوانين تمنع الزوار من تقديم أي شيء للدير ما خلا الكُتُب.  
 
هذه الأديرة كانت مدارس لتعليم  الحرف التقليدية والمهارات الفنية وحافظت أيضًا على الثقافة والمخطوطات القديمة داخل الاديرو ومكتباتها. فضلًا عن توفير حياة روحية لرهبانها، كانت الأديرة أيضًا مركز إنتاج زراعي واقتصادي، لا سيما في المناطق النائية، وأصبحت الأديرة إحدى القنوات الرئيسية للحضارة .
 
 قام الرهبان بنسخ المخطوطات، والكتب الثمينة الدينية والفلسفية والتاريخية والأدبية والفلكية والقانونية في المناسِخ (وهي حُجرات النُّسَخ في الأديرة). حافظت الأديرة على التراث الثقافى للعصور الغابرة من التلف والاندثار،  ويجمع المؤرخون انه لولا الرهبان والأديرة، لاستطاع طوفان البرابرة محا الحضارةالرومانية . 
 
قبل القرن الثامن أنشئت الكنيسة مدارس الكاتدرائية  للتعليم الأساسي اللغة اللاتينية والعقيدة ، وبحلول القرن . بحلول الحادي عشر برزت هذه المدارس كمراكز التعليم العالى ، وفي كثير من الأحيان شكلت نقطة انطلاق لكثير من الإنجازات في أوروبا الغربية ،  وبعض من هذه المدارس كانت نواة الجامعات الأولى في الغرب 
 
شجغت الجامعات المسيحية في العصور الوسطى في دول أوروبا الغربية، حرية البحث وخرّجت مجموعة كبيرة ومتنوعة من العلماء والفلاسفة . وتعتبر جامعة بولونيا ذات الأصول المسيحية أقدم جامعة في العالم. 
 
احلت لجامعات محل مدارس كاتدرائية كمراكز للدراسات المتقدمة وكانت هذه الجامعات مرتبطة بالكنيسة والمؤسسة المسيحية، طورّت الجامعات ذات الأصول المسيحية: أساليب تدريس لمحاضرات ومناظرات، والعيش المشترك في الكليات ومساكن الطلبة، والقيادة المتغيرة دوريًا لعميد المنتخبين، والبنية الداخليّة وفقًا للكليات وفكرة الدرجات الأكاديمية . قامت هذه الجامعات تدريس الفنون ،  فضلًا عن دراسات متقدمة في تخصصات القانون والطب،   والكيمياء والفيزياء والرياضيات واللاهوت .
 
 ةقامت الرهبنة الدومينيكانية والتي أسسها القديس دومينيك عام 1215 أنارة الفكرية والعلميّة فى اوروبا ، فكانت مثلًا جامعة السوربون تحت رعايتهم فضلًا عن جامعة بولونيا وجامعة سلامنكا التي خرجّت وعلّم فيها عدد هام من كبار اللاهوتيين والفلاسفة المسيحيين. كما أسس الرهبان الدومينيكانيين عدد كبير من من المدارس والجامعات في أمريكا اللاتينية وآسيا ولعلّ أبرزها جامعة سانتو توماس في الفلبين التي تعد من أفضل الكليات في العالم والجامعات وذلك وفقًا للتصنيف الأكاديمي لجامعات العالم .
وقامت الرهبنة اليسوعية تأسست سنة 154 بالعمل كمربين للملوك في الدول الكاثوليكية. ، وتأسيس عدد كبير من المؤسسات التعليمية  فى اوربا وخارجها   ، وكان للرهبان اليسوعيين الفضل فى إنشاء الجامعات خارج أوروبا فى الهند، واليابان، والصين، وكندا، وأميركا الوسطى، والجنوبية، وأستراليا، من بينها جامعة سانتو دومينغو في 1538، وأولى جامعات المكسيك وليما في عام 1551، وفي جواتيمالا في عام 1562، وجامعة بوغوتا عام 1573، وجامعة قرطبة الوطنية في الأرجنتين عام 1613.  خرّجت مدارسهم وجامعتهم نخبة وصفوة المجتمع . كما أسس القديس جان باتيست دي لاسال رهبانية إخوة المدارس المسيحية أو الفرير عام 1684 في مدينة رانس في فرنسا، وأدارت الرهبانية مدارس ابتدائية وثانوية ومدارس داخليّة وكليات ومعاهد لتدريب المعلمين فادّى ذلك إلى نشر التعليم ، رفع مستوى التعليم في البلدان الى يقيمون فيها .  كان يتم التدريس فيها كافة المواضيع كللاهوت والفلسفة والقانون والطب والعلوم الطبيعية .
 
وشغل نسبة كبيرة من رجال الدين والرهبان المسيحيين مناصب كأساتذة في هذه الجامعات، وكان بعضهم مؤسسين وآباء لبعض فروع العلم ، منهم على سبيل المثال لا الحصر : الراهب روجر بيكن الفرنسيسكانى (1214 - 1294)، الاستاذ في جامعة أوكسفورد" المشكِّل والمكوِّن للثورة الصناعية في اوروبا لأنه دعا إلى الاختبار والملاحظة، كأساس للبحث العلمى،  وان المناقشات المنطقية لا تكفي بدون وجود اختبارات وتجارب تجرى على المعطيات التي أمامنا للتحقق من صحة ما ذهبنا اليه من فرضيات وتجنب الاراء الشعبية غير المنطقية   ، والتقاليد  المتبعة، (أنظر ملحق 3). . والراهب غريغور يوهان مندل عالم النباتات  ،وواضع قوانين علم الوراثة ، الذى أثبت بعد تجارب وابحاث  قام بها فى حديقة الدير على نبات البازلا أسس قانون الوراثة ،  التى تُسمى في يومنا هذا بقوانين مندل للوراثة . والأب "فرانشيسكو كريمالدي" أول من اكتشف ظاهرة انحراف الضوء وسماها بنفسه بهذا الاسم المتفق عليه في الأوساط العلمية ، وشارك في رسم خريطة سطح القمر وتضاريسه، وبالمناسبة فان هذه الخريطة تزين حالياً مدخل المتحف الوطني للفضاء في العاصمة الامريكية واشنطن ، ويوصف الرهبان  اليسوعيون بأنهم المساهمون الكبار والأهم في الفيزياء التجريبية ، وعلم الزلازل وعلوم الفضاء  ، وقد تمت تسمية 35 من الفوهات على سطح القمر على أسماء علماء ورياضيين  يسوعيين..   
 
كانت الأديرة كليات زراعية، اهتمت بالبحوث الزراعية واجراء تجارب لطرق زراعية  جديدة ، وانتاج محاصيل لم تكن معروفة .  وبفضلهم أصبحت بلدان عديدة  فى أوربا بلاد زراعية أو ذات وفرة زراعية  وحيوانية .
 
 فقد يسرت الحياة الرهبانية للراهب ، التأمل فى الله والكون والطبيعة، ، وحياة التجرد، والنظام  والهدوء وتحمل الجلد  فى الدراسة والبحث . كتب المؤرخ لورانس برينسيبي   » من الواضح في السجل التاريخي أنّ الكنيسة الكاثوليكية كانت على الأرجح أكبر وأحد أهم رعاة العلم في التاريخ، أن العديد من المساهمين في الثورة العلمية كانوا من رجال الدين  ، وكانت المؤسسات الدينية العديدة من المؤسسات ذات التأثيرات الرئيسية على صعود العلم الحديث. وكتب  المؤرخ ج.ل هيلبرون "الكنيسة الكاثوليكية أعطت المزيد من المساعدات المالية والدعم لدراسة علم الفلك لأكثر من ستة قرون، بدءًا من استعادة المعارف القديمة خلال العصور الوسطى المتأخرة وفي عصر التنوير، ربما أكثر من غيرها من المؤسسات« ويقول المؤرخ لورانس برينسيبي » من الواضح في السجل التاريخي أنّ الكنيسة الكاثوليكية كانت على الأرجح أكبر وأحد أهم رعاة العلم في التاريخ، كما كان رجال الدين الكاثوليك من المساهمين في الثورة العلمية"، ويضيف جورج  مينو فى كتابه "الكنيسة والعلم" » ان الكنيسة التي أعلنت دوما الخلاف بين الإيمان والعلم، هي التي أنتجت العديد من أساطين العلماء، فساهمت في تقدم بعض المواد العلمية  «. 
 
وما تزال الكنيسة الكاثوليكية حتى اليوم تساهم في تطوير العلوم ، فمثلًا ترعى الكنيسة الكاثوليكية العلوم عن طريق الأكاديمية البابوية للعلوم والتي تأسست عام 1936 بطلب من البابا بيوس الحادي عشر، لتعزيز تقدم العلوم خصوصًا الرياضيات الفيزيائية والرياضيات الطبيعية ودراسة المشاكل المعرفية ذات الصلة؛ وقد خرجت أسماء هامة في علم الفيزياء في القرن العشرين أمثال الحائزين على جائزة نوبل في الفيزياء ستيفن هوكينغ وتشارلز هارد تاون.
 
ومن أثار اهتمام الكنيسة بالمعرفة والعلوم والنحافظة على العلوم والفكر  أنشئت مكتبة الفاتيكان التي ضمت أعدادًا هائلة من المخطوطات والكتب النفيسة خصوصًا إثر سقوط القسطنطينية بيد السلطان محمد الفاتح العثماني، وتهريب نفائس المدينة وكنوزها نحو أوروبا ، . وتعتبر مكتبة الفاتيكان التى نزخر بكنوز المعرفة بمثابة ذاكرةً التاريخ ، واسرار المعرفة، وثراء مراجِعها وعراقة وثائقها، بما تضمه من 180 ألف مخطوطة لاتينية ويونانية وسريانية وعربية، مع مليونٍ و600 ألف كتاب، من شتى الحقول المعرفية والعلمية.  بمختلف اللغات ، ويبلغ عدد المخطوطات الإسلامية في المكتبة يبلغ نحو 4400 منها 2600 مخطوط عربي. . وتضم مخطوطات الرازي و ابن سينا و ابن رشد والغزالي و ابن الهيثم و الفارابي والتي لولا حفظها في مكتبة الفاتيكان لبلاها الاهمال ثم التلف اوالحرق .
 
 تعود جذور مكتبة الفاتيكان إلى القرن الرابع الميلادي وإن تأسست بشكلها الحالي في القرن الخامس عشر. وفي القرن السادس عشر كلف البابا سيكستوس الخامس المعماري دومينيكو فونتانا بتصميم أبنية جديدة تضم مقتنيات الفاتيكان، وهي الأبنية المستخدمة اليوم.
وتشهد المكتبة عملية انتقاء وتطوير مستمر . فقد اشترت في عام 1902، مكتبة "بربريني" التي كانت تضاهيها في الأهمية خلال القرن الـ17، وتضمّ ما يفوق 11 ألف مخطوطة لاتينية ويونانية وشرقية، و36 ألف كتابٍ مطبوع.  
أهمية التربية
 يعود أهتمام الكنيسة بالتربية إلى الحاجة لتزويد الحقائق الايمانية بأدلة منطقية وفلسفية وعلمية ، فكما ذكرنا سابقا ،  إستطاع بولس الرسول  أن يحاور الفلاسفة في أريوس باغوس المعبد اليونانى  بسبب معرفته لكتابات اليونانيين (أعمال الرسل 17: 28)، وإقتبس كلمات من فيلسوف كريتي لشرح ما يقوله في رسالته إلى أهل  تيطس 1: 12. ولايمانها ان الايمان والعلم  جناحين للمعرفة والوصول للحقيقة .
 
بهذا الدافع والروح المسيحية ، كرس قطاع من رجال الدين والعلمانيين المسيحيين حياتهم  للتربية والتعليم . يقول هنري وارد بيتشر عن التربية : "هي معرفة المرء كيف يستخدم كامل ذاته". وهذا هو هدف التربية المسيحية. إنها تربية مضافاً إليها العنصر المسيحي، مما يجعلها تستهدف إعطاء تعليم رفيع المستوى لكنه أيضاً يمكّن المرء من أن يحيا حياته ويفهمها في ضوء دور الله في التاريخ ، كما هو معلن في المسيحية .
 
كرس عدد من رجال الدين المسيحى والعلمانيين المسيحيين حياتهم فى الدراسة والبحث داخل المعامل ودور العلم ، واستطاعوا وضع أسس وقواعد بعض العلوم  وتشييد اركان أسس الحضارة الغربية  التى يتمتع اليوم بانجازاتها.
 
تختلف خصائص المدارس الكاثوليكية بشكل كبير من بلد إلى آخر من حيث الفئات المستهدفة، المناهج المختارة، مكانة المدرسة ، حتى الصورة المثالية للمدرسة . فليس هناك " تربية مسيحية" بمعنى "علم مسيحي للتربية" . "لكن توجد عناصر  معينة على أساسها يتم نقيّم رسالة المدارس ، وممارساتها وأنشطتها التربوية  ، والدور الذي تلعبها في المجتمع. هذه العناصر الثابتة فى التربية المسيحية ، حددها   بحث علمى للبروفيسور جي أفانزيني، أستاذ التربية في الجامعة الكاثوليكية بمدينة ليون الفرنسية ،  فى الاتى:
 
القناعة الراسخة بضرورة التربية : 
لا يستطيع الإنسان أن يستغنى عن التربية، وإنما يحتاج إلى التربية للوصول إلى مقوّمات ومواصفات إنسانيته. فهذا المبدأ يفرض نفسه على جميع البشر. ولكن تؤمن الكنيسة بضرورة التربية لأسباب أخرى : إذا كانت غاية حياة الإنسان الاهتداء الحرّ بكلام المسيح فيجب تمكين كل إنسان من سمعها  وقبولها وتعميقها. . وهذا يُعتبر جوهر الرؤية المسيحية للتربية. و تنظر الكنيسة إلى التربية كمرحلة من مراحل تاريخ الخلاص ، حيث يروى الكتاب المقدس ،  كيف أن الله ربّى شعبه وقاده عبر القرون لأجل مجيء المسيح. هكذا كرّس يسوع المسيح حياته العلانية لتعليم وتربية تلاميذه كما أنشأ الكنيسة لتكملة هذه المهمّة. هكذا نرى أن عمل الله الخلاصي هو عمل تربوي بحت. فأصبح كل عمل تربوي عمل تمهيدي لخطة الله لخلاص الإنسان. لهذا السبب دافعت الكنيسة باستمرار عن حق الأطفال في التربية واعتبرت التربية بكل أشكالها جزءً  من رسالتها. فيجب علينا أن نعتبر رسالتنا التربوية اليومية جزءً من عمل الله للخلاصي  ومشاركة الكنيسة في رسالتها التربوية. 
 
القناعة بقدرة الإنسان على اهتدائه الحياة الجديدة : 
هذا هو الثابت الثاني الذي بدونه لا يمكن تحقيق الأول، وليس فقط لأسباب مرتبطة بمبادئ علم النفس أوعلم الاجتماع، بل لأسباب لاهوتية: أنّ يسوع المسيح، عندما اكتسب صفة بشرية  ، جعل الجميع قادرين على السير في طريقا لكمال... هذه القناعة كانت راسخة لدي كل مؤسسي الرهبانيات التي تهدف إلى تربية النشىء مثل القديس دون بوسكو مع صعاليك مدينة تورينو فأثنان منهم أصبحا طوباويان !
حسب هذه المبا\ىء، المربّي المسيحي يسعى إلى المشاركة في تحقيق مشروع الله من خلال عمله التربوي ويجعل هذه المشاركة مشروع حياته وهو يمارس "المحبة التربوية" عندما يساعد الناشىء ليصبح مواطنا صالحا ومسيحيا حقيقيا . 
 
القناعة  بالإنماء الروحي.: 
أعلنت الكنيسة باستمرارأن الإنسان ليس مادة أوآلة إنما أداة للتطوّر والتنمية. فاهتداء القلب أهمّ من ضبط الأنظمة والمناهج، والعمل التربوي أهم من العمل السياسي. فأهتمّت الكنيسة بتكوين العقول جيل بعد جيل والنضوج التدريجي على ضوء القيم الإنجيلية. 
 
القناعة بأهمّية عنصر الزمن :
  على عكس السياسة التي تعمل على المدى القصير، تستهدف التربية التأثير على المدى الطويل. فهي تنطلق من لا شيء وتنتظر ظهور نتيجة مجهوداتها بصبر مثل ما عمل الله في تربية الشعب المختار عبر التاريخ. مثل يسوع المسيح أيضا الذي أهل  نفسه لحياته العلانية القصيرة بثلاثين ستة من حياته في الخفاء والصمت. كذلك يحتاج تكوين الإنسان والمسيحي إلى مراحل متتالية طويلة وتبادر الكنيسة دائما ببدء التكوين في سن الطفولة وتساهم في إنشاء وتطوير علم وفنّ التربية.
 
إعطاء الأولوية للقيم الإنجيلية (إنسانية وروحية) :
و ليس لتوفير وسائل المعيشة أو المعارف أو المؤهلات لأجل الوصول إلى المناصب. إن التربية المسيحية لا تتجاهل تلك الوسائل بل تجيد استخدامها. ولكن هي تهدف في المقام الأول إلى إبراز أهداف ومعاني الحياة ودوافعها. فالمؤسسة التربوية المسيحية، مدرسة أو نشاط، تعرض من خلال التعليم الجيد مفهوم الثقافة مبني على القيم اﻹنجيلية كما هي تدرّب النشء على تحمّل مسئوليات الإنسان المسيحي. 
 
يقول بيان ‪  التربية المسيحية صادر عن مجمع المسكونى   في 7 ديسمبر 65 19عن أهمية المدرسة ، إن للتربية من أهمية خطيرة في حياة الإنسان، وتأثيرها المتزايد دوماً في تقدم المجتمع المعاصر، إنما هو موضوع ينظر المجمع المسكوني المقدس إليه بجدية وإهتمام ، وتجاه تزايد عدد التلامذة السريع، تتزايد المدارس في كل الجهات، لايزال  عددا كبيرا من الأولاد والشباب محرومين من التربية الصحيحة التي تنمي معرفة  الحقيقة والمحبة معاً. لهذا على الكنيسة المقدسة، كي تؤدي الرسالة التي أوكل الرب، مؤسسها، أمرها إليها، أن تهتم بحياة الإنسان بكاملها حتى حياته الدنيوية، على قدر ما هي مرتبطة بدعوته الفائقة الطبيعة . إذاً على الكنيسة أن تقوم بدور في تقدم التربية وتطورها. لهذا يعلن المجمع المقدس المبادىء الأساسية للتربية المسيحية، لا سيما تلك التي تتعلق بالحياة المدرسية. وستعنى لجنة خاصة بنشرها بالتفصيل بعد إنتهاء المجمع. وعلى المجامع الأسقفية أن تضعها موضع التطبيق آخذة بعين الإعتبار الظروف المحلية.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
 
لجميع الناس، دون أي إعتبار للجنس، والعمر والحال، بما أنهم ينعمون بكرامة الإنسان الشخصية، حق لا ينقض في التربية  .
 ولهذا يلح المجمع أيضاً على جميع الحكام أو الذين يشرفون على شؤون التربية، أن يحذروا ألا يحرموا الشبيبة أبدأ هذا الحق المقدس، ويخص أبناء الكنيسة أن يعملوا بكل سخاء في حقل التربية الشامل، وذلك بغية أن تعم، بسرعة محاسن تربية وثقافة لائقة، جميع الناس في العالم أجمع .  وللمسيحيين حق تربية مسيحية وقد غدوا خلائق جديدة بعد أن ولدوا من الماء والروح القدس 
 
ويقول البيان تتقلّد المدرسة أهمية خاصة ، بين كل وسائل التربية. وبقوة رسالتها، انها تنمي القوى العقلية نمواً مضطرداً، وتمكّن من اعطاء الحكم الصائب، وتدخل إلى التراث الثقافي الموروث عن الأجيال الماضية، وتشجّع معنى القيم، وتعدّ للحياة المهنية، فتخلق بين الطلاب، وقد اختلفت أخلاقهم وتباين اصلهم الاجتماعي، روحاً من الصداقة تساعد على التفاهم المتبادل. زد على ذلك، انها تؤلّف مركزاً فيه يلتقي العائلات، والمعلمون، والجماعات المختلفة الانواع التي خلقت لتطوّر الحياة الثقافية، والمدنية، والدينية وأخيراً المجتمع المدني بل المجتمع الانساني بكامله، لتتقاسم مسؤوليات سيرها وتقدّمها. انه لعبء ثقيل وجميل معاً، عبء الدعوة التي دعي اليها اولئك الذين تحمّلوا مسؤولية التربية في المدارس كي يساعدوا الأهالى  في اتمام واجبهم ويمثلوا المجتمع البشري. انها لدعوة تتطلب مواهب عقلية وقلبية خاصة، واستعداداً بعيد المدى وهمة دائمة للتطور والتكيّف.   
  
بما انّ الكنيسة تعي وتقدّر الواجب الخطير الذي يدعوها إلى ان تسهر دوماً على تهذيب جميع ابنائها الأدبي والديني ، ترى ذاتها ملزمة ان تكون حاضرة بعطفها ومساعدتها الخاصة، إلى جنب ذلك العدد الكبير من أولادها الذين يتربون في المدارس غير الكاثوليكية. وتؤمّن حضورها إلى جانبهم بشهادة سيرة اساتذتها ومديريها على السواء .
 
على كل المدارس، التي تتعلق بالكنيسة بنوع أو بآخر ان تقترب جهدها من صورة المدرسة الكاثوليكية التي سبق ورسمناها، وان يكن في وسعها ان تتردّى بأشكال مختلفة رهن الظروف المحلية  . وكم هي عزيزة على قلب الكنيسة تلك المدارس القائمة على أرض الكنائس الفتية والتي تقبل طلاباً غير كاثوليك. علاوة على ذلك، تجب مراعاة حاجات العصر وتطوره في تأسيس المدارس الكاثوليكية وتنظيمها. فإلى جنب الاهتمام بالمدارس الابتدائية، ومعاهد التعليم الثانوي التي تكوّن اساس التربية، يجب الاهتمام بنوع خاص بالمدارس التي تتطلبها الظروف الراهنة: منها المدارس التقنية، والمهنية . ومعاهد تلقين البالغين، ومع نمو المساعدة الاجتماعية، المدارس الخاصة بالطفولة المختلفة ، ودور المعلمين التي تهيء اساتذة يدرّسون التعليم الديني وغير ذلك من انواع التربية. ويلح المجمع المقدس، على الاّ يوفر الرعاة والمؤمنون جميعهم اية تضحية في سبيل مساعدة المدارس الكاثوليكية على القيام بمهمتها كل يوم وبأكثر امانة، فتجاوب أولاً على حاجات الذين هم محرومون من خيور الأرض، أو من عطف عائلة وعضدها، أو من هم غرباء عن الايمان.
 
ويطالب البيان  ان تحيط الكنيسة المدارس العالية بعناية ساهرة. علاوة على ذلك، ترغب الكنيسة فى الجامعات والمعاهد التي تتعلق بها في ان يدرّس كل فرع من العلوم حسب المبادئ والاساليب المختصة به، وحسب الحرية الخاصة بالتنقيب العلمي وفقاً لتنظيم عقلي، وما ذلك الاّ للوصول إلى اقتنائها اقتناءا يتزايد ويتعمق كل يوم. وبعد أن تدرس درساً دقيقاً المشاكل الجديدة والتنقيبات التي يثيرها تقدّم العالم الحديث، نتوصّل إلى معرفة أعمق لكيفية وحدة الايمان والعقل في البلوغ إلى الحقيقة الوحيدة. واذ تقوم بذلك، تسير الكنيسة على خطوات ملافنتها لاسيما القديس توما الأكويني وهكذا يحقّق الفكر المسيحي حضوراً علنياً، ثابتاً وشاملاً في النشاط الفكري نحو الثقافة السامية. ويثقّف طلاب هذه المعاهد تثقيفاً يخوّلهم أن يصبحوا رجالاً متفوقين بعلمهم، ومستعدين ان يتحملوا المسؤوليات الجسام في المجتمع، وفي الوقت عينه، يكونون شهود الايمان في العالم .. ولمّا كانت العلوم تتقدّم خاصة بفضل ابحاث مختصة ذات قيمة علمية رفيعة، فعلى الجامعات والمعاهد الكاثوليكية، ان تعزّز معاهد غايتها الأولى تشجيع التنقيب العلمي. ويوصي المجمع المقدس بإلحاح، بان تشجّع الجامعات والمعاهد الكاثوليكية الموزعة، توزيعاً ملائماً، في أربعة أقطار العالم. ولتشعّ ، لا بعددها، بل بقيمة تعليمها، وليسهّل الدخول اليها للطلاب الذين تعلق عليهم الآمال، حتى ولو كانوا من طبقة فقيرة، وعلى الأخص اذا كانوا من ابناء الأوطان الفتية. وبما ان مصير المجتمع والكنيسة نفسها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقدّم الشباب الذين يتابعون دروسهم العالية . فليعن رعاة الكنيسة ألاّ يألوا جهداً في الاهتمام بحياة طلاب الجامعات الكاثوليكية الروحية فقط، بل ويهتمون بتنشئة كلّ أبنائهم الروحية فيعملون جهدهم، بعد أن يكون قد تداول الأساقفة فيما بينهم في الوقت الملائم، ليؤسسوا قرب الجامعات غير الكاثوليكية، بيوتاً ومراكز جامعية كاثوليكية تستقبل الشبيبة الجامعية ويجد فيها الطلاب دوماً العون الروحي والفكري إلى جانب كهنة ورهبان وعلمانيين، منتقين لهذه الغاية ومعدين لها. ويحاط الشبان الموهوبون في الجامعات الكاثوليكية وغير الكاثوليكية بعناية خاصة اذا أظهروا مؤهلات للتعليم والتنقيب. وليشجعوا كي يصبحوا اساتذة.
 
 ويطالب الحبر الاعظم البابا فرنسيس فى كل لقاء مع المربين والعاملون فى المدارس انسنة التربية وتنمية روح الحوار و الانفتاح على الاخر .

ملحق (3)
روجر بيكون
النعلم المذهل
روجر بيكون فيلسوف وراهب فرنسيسكانى ، من أبرز مفكري العصور الوسطى، ومؤسس مدرسة المنهج العلمي وكل ما يتعلق به من قوانين وهو صاحب مبدأ البرهنة أو التأكيد بعد عمل التجربة للوصول الى الحقيقة عللى عكس النهج الذى كان سائدا فى ذلك الحين التى كانت تعتمد على مجرد  النقل عن السابقين من الفلاسفة والمشاهير كارسطو وشيشرون   مثلا . 
وُلدَ روجر بيكون في سومرست في إنجلترا في عام 1220م  ، ودرس الفنون الحرة والفلسفة في جامعة أكسفورد، ثم ترك أكسفورد في ثلاثينيات القرن الثالث عشر الميلادي وبدأ يدَرِّس في جامعة باريس. وترك التدريس في عام 1247م لأسباب صحية ، وعاد إلى أكسفورد . أمضى السنوات العشر التالية من حياته في دراسة العلوم التجريبية في علم البصريات وهو حقل دراسته الأهم ، ويعود اليه الفضل فى اختراع النظارة الطبية . واستعان بالأسلوب الاستنتاجي (الاستقراء) لدراسة تكوين قوس قزح، وقام بيكون بشرح دقيق لتشريح العين والعصب البصري . انضم بيكون عام 1257م إلى رهبنة الفرنسيسكان .
 
أعماله:
كتب بيكون في العلوم ، و أيضًا في الفلسفة وعلم اللاهوت. وتوضح هذه الأعمال تأثر بيكون بالفيلسوف الإغريقي أرسطو، والقديس أوغسطينوس  والفيلسوف العربي ابن سينا . وكتب عن الفلاسفة يقول : ان الفلاسفة اليونانيين والمسلمين الكفرة ، هم أبضا من تلقوا الوحى والهداية من الله . انتقدت الكنيسة بعض مؤلفاته وضعت رقابة على الكتب. وسمح له بالاستمرار في الكتابة ولكنهم منعوه من نشر.
 
وضع بيكون موسوعه العلمية أطلق عليها اسم «الكتاب الأكبر استجابة  لطلب البابا كليمنت الرابع (1265-1268) »،  أردفه بتلخيص ضمنه بعض موضوعات الكتاب الأكبر وبحث في الكيمياء أسماه «الكتاب الأصغر»، وأعقبهما بكتاب ثالث أطلق عليه «الكتاب الثالث»، ردد فيه بعض ما دونه في الكتابين السابقين، وأضاف إليه مسائل علمية جديدة. كما وضع بيكون كتاب «مرآة الفلكيات» المنسوب خطأ إلى ألبرت الكبير. وهو دفاع عن التنجيم القضائي؛ اعترض فيه على تحريم التنجيم 
 
 يحصر بيكون وسائل المعرفة في ثلاث، وهي: «النقل، والاستدلال، والتجربة، أما النقل فلا يولد العلم ما دام لا يعطينا علة ما يقول، وأما الاستدلال فلا نستطيع أن نميز به القياس البرهاني من القياس المغالطي إلا إذا أيدت التجربة نتائجه، فهي التي تظهره للعيان»، وللتجربة وظيفتان، هما: تحقيق النتائج التي تصل إليها العلوم بالاستدلال، واستكشاف حقائق جديدة، فتنتهي إلى تكوين علم قائم بذاته ، ويرتب الغلوم عند بيكون على النحو التالي: الرياضيات، فالعلوم الطبيعية، فالفلسفة، فالأخلاق، فاللاهوت أو الحكمة الكلية التي تلتقي فيها جميع العلوم.ويعد بيكون أول من  نادى  بأهمية التجربة وضرورتها فى العلوم ، وما أكثر ما نعى على أهل عصره — وبخاصة أساتذة باريس — عدم عنايتهم بالطريقة التجريبية .
 
كما وضع بيكون خريطة لاصلاح العلم والفلسفة والدين  فى عصره ، تصلح لزماننا ،هى :لايمان الاغمى بمرجعيات خاطئة ، مرجعيات دينية وفلسفية وعلمية . اتباع العادات والتقاليد الخاطئة والتعود عليها . الاحكام المسبقة عند الاغلبية وخاصة عند العلماء واللاهوتيين الذين ينطلقون من أحكام مسبقة التى ربما قد تكزن  هذه الاحكام فى أساسها خاطئة . شيوع  شبه العلم الذى ينطوى على جهل .وفى رأيه ان هذه المصادر الاربعة للاخطاء  ، أتت من اللجدال  العقيم بين الفلسة  والدين  التى اغرقت البشرية فى الجهل . فى المقابل وضع اربعة شروط للشفاء من هذا الداء ، هى :  وجوب تأويل الفلسفة والتصوص الدينية لكن  بشرط قراءتها من النصوص الاصلية  ، لان فى الغالب الاخطاء فى الترجمة . الاعتماد على علم الرياضيات مأساس للعلوم الطبيعية .  التركيز على علم الضوؤ والبصريات فى المجال النظرى والعملى التطبيقى .  قيام العلم او العلوم على ميدأ التجربة . وفى رايه ان العلم الحقيقى القائم على مرتكزات صجيحة  لايمكم ان يبناقض نع الوحى الدينى  الدينى لان كلاهما مصدره الله .
 
خاض بيكون معارك كثيرة  مع معاصريه ، خصوصا عندما هاجم انتشار الجهل بين طبقة الكهنة ، وانتشار الترجمات الخاطئة وغير الدقيقة  لكتب الفلسفة الاغريقية .
 
 ومن الامور الغريبة  ان من صاغ الاساليب تالعلمية ،كان بهتقد ان التنجيم والسحر من العلوم ، كما كان الحال مع كثيرين من مفكرى هصره .، فقد  كان بيكون يعتقد ان حركة الاجرام السمائية من الاسباب الرئبسبة لعلة  ما يجرى على الارض ، حتى ذهب انه يمكن تعديل اخلاق شعبا ما عبر تأثير  الاجرام السمائية فى تلك المنطقة  .  وبسبب موقفة من التنجيم والسحر اوقف عن التدريس ، بل سحن  بأمر من رئيس الرهبنة الفرنسيسكانبة بعدما انتقاده تحريم الكنيسة السحر والتنجيم رأى بيكون ان التنجيم علم صحيح من حيث إن حركات الأجرام السماوية علل الأحداث الأرضية، فإذا عرفنا قوانين هذه الحركات استطعنا أن نعرف الماضي والحاضر والمستقبل، وإن التنبؤ بالمستقبل لعظيم الفائدة في تدبير الحياة الخاصة والعامة، والمنهج في علم التنجيم المقارنة بين الأحداث الإنسانية المدونة في التاريخ، وبين مواقع النجوم في أوقاتها، ثم الاعتماد على هذا التقابل لتوقع المستقبل واختيار الأوقات الملائمة للعمل، فمثلًا يمكن تعديل أخلاق شعب ما باستخدام التأثيرات السماوية المنتشرة على سطح الأرض لتعديل الجو، أو يمكن إنزال الدهش بجيش كامل بوساطة حجر بسيط نلائم بينه وبين الأفاعيل العلوية، أو يمكن استبعاد شخص مدى الحياة إذا جعلناه يأكل نباتًا زرع ونما تحت تأثير مواقع معينة من مواقع الشمس.
 
والسحر علم كذلك يحصل على نتائج مدهشة بمجرد الكلام، ذلك بأن الأجسام، بما فيها جسم الإنسان، ينبعث عنها بخارات نافعة أو ضارة بحسب حال الجسم المنبعثة عنه من السلامة أو الفساد، والنفوس أيضًا ترسل من خلال الجسم بخارات أدق وأفعل من تلك، فإذا ما صدرت عن نفس سليمة ذات جسم سليم إرادة قوية بأن يحدث كذا في الطبيعة، تحققت هذه الإرادة، وبخاصة إذا صدرت في أوقات مناسبة من مواقع النجوم، فاجتمعت إلى تأثيرها تأثيرات السماء، والكلام هو الذي ينشر إرادات النفوس خلال الطبيعة، الكلمة بنت النفس، بها تأمر النفس الجماد والحيوان وجسم الإنسان، بل تأمر النفوس خلال الأجسام، سواء في ذلك الكلمة الملفوظة أو الكلمة المكتوبة كالأحجية والتعازيم، على أن السحرة ثلاث فئات: سحرة جهلاء دجالون، وآخرون علماء ولكنهم يستعملون علمهم في سبيل الشر بالائتمار مع الشياطين! وسحرة علماء يخدمون الدين والأخلاق، فهناك سحر حلال نافع، وكان بيكون يلح في هذه النقطة، ويريد السلطة الكنسية على أن توافقه فيها وترفع عنه الشبهة، على أنه كان يرى أن ليس من الحكمة ترك مزاولة السحر الحلال لأي كان، ويقول بوجوب تقييد هذا الحق بأن يخوله البابا رجالًا ممتازين. وظل طيلة حياته مصرًّا على رأيه هذه الخرافة !
 
الفصل الرابع
الكنيسة الكاثوليكية المصرية  والتربية
بين القرنين الثامن عشر والعشرين، تطورت المدارس العامة تدريجيًّا نحو ما نعترف به جميعًا اليوم كمدرسة تقليدية ، تتسم بالنظام والانضباط . توسعت المناهج مع توسع المعرفة، لتشمل قائمة متزايدة من المواضيع؛ وازداد عدد الساعات والأيام وسنوات التعليم بشكل مستمر.
سعى محمد على خلال فترة حكمه (1805 – 1849)  إلى تطوير التعليم ، لتكوين طبقة من المتعلمين للاضطلاع باعمال الحكومة والعمران ، وقد كان هناك محاولات ادخال هذا النوع من التعليم فى مصر قبل عهد محمد علي ولكن على نطاق محدود جداً .  كان التعليم  السائد ، التعليم الدينى الذى كان يقوم على  تلقى التلميذ  العلم عن شخص وليس عن الكتب، حتى يصبح لديه أدوات كافية للأخذ من الكتب.  كان طالب العلم يفتخر بعدد الشيوخ الذى درس على ايديهم  واذا بلغ عدد الشيوخ 20 شيخا حصل على شهادة "الاجازة" مدون بها اسماء المشايخ الذين درسوه ، تعليم بلا تخطيط أو هدف واضح .  
قام محمد على فى العشر سنوات الاخيرة من فترة ولايته أنشاء مدارس حديثة ، فى القاهرة وعواصم المديريات مدارس اولية وابتدائية وثانوية ، ومدارس عليا متخصصة كالطب والهندسة خان والزراعة والحربية والطب البيطرى . واجبر الأهالي على إرسال أبنائهم للتعلّم، وتمّ تقديم الامتيازات لهم، فكانت المدارس تتولى إيواء الطلاب وتقديم الطعام لهم، والملابس، والرواتب الشهريّة. وصل عدد المدارس الابتدائية التي انشأها محمد علي 66 مدرسة منها 40 بالوجه البحري وعدد 26 مدرسة في الوجه القبلي . كانت المدارس التى  أنشاها هى النواة الأولى لتأسيس "التعليم الرسمي" في مصر.  ولمَّا كانت تلك المدارس -بعد تنظيمها- تحتاج إلى هيئة فنية تشرف عليها، وخاصة في سنواتها الأولى، وكانت مثل هذه الهيئة غير متوافرة في ديوان الجهادية؛ فقد صدر قرار من محمد علي بإنشاء ما يُعرف باسم "شورى المدارس" أو "مجلس المدارس" لمتابعة الشؤون الفنية للمدارس، كما تم تأسيس أول نظارة للمعارف في مصر والعالم العربي . 
 
وأرسل بعثات تعليمية للخارج  .كانت أول بعثة إلى فرنسا العام 1828م مكونة من 40 طالبًا ليدرسوا الموضوعات التالية؛ الإدارة والقانون والحربية والعلوم السياسية وهندسة حربية وهندسة ملاحية ومدفعية وطب وزراعة وتاريخ وري وصنع أسلحة وسكب معادن وطباعة وحفر وكيمياء.  
وتذكر بعض الكتابات التى تناولت جهوده فى حقل التعليم انه حث رؤساء الارساليات الفرنسيسكان واللعازريين اقامة مدارس فى أرجاء مصر، وذلك لما عرف عنهم في الاهتمام بالتعليم، حيث  شرع الاباء الفرنسيسكان منذ القرن السابع عشر فى إنشاء مدارس متقدمة فى الوجه القبلى والوجه البحرى . تخبرنا مدونات الأب فرنسيس داساليمي مؤسس إرسالية الفرنسيسكان بالوجه القبلي بأن عدد طلبة مدرسة الفرنسيسكان بالقاهرة في سنة 1697 كان 55 تلميذا، يتلقون دروسهم في فناء الدير، وكان يقوم بالتدريس مدرسان علمانيان، أما مواد التدريس فهي: اللغة العربية، والتعليم المسيحي، واللغات القبطية والإيطالية، والألحان الكنسية. ثم في سنة 1736 أسسوا مدارس جرجا وأخميم وفرشوط، وفي سنة 1760 أقاموا أيضًا مدارس طهطا ونقادة، وقد بلغ عدد المدارس التابعة للاباء الفرنسيسكان في سنة 1839 ستة عشر مدرسة نظامية، يقوم بالتدريس فيها مدرسون مدربون كلهم من الأقباط. 
 
 ولقد امتدت المسيرة التعليمية مبنية التي أرساها محمد علي، في عهد من خلفوه من بعده ،  خاصة الخديوى سعيد (1854 – 1863) الذى قدم للارساليات الكاثوليكية الأراضى لاقامة المدارس ، ووصل عددها 37 مدرسة أولية وإعدادية فى القاهرة والصعيد والدلتا . ثم جاءت النقلة النوعية فى التعليم  على يد الخديوي إسماعيل (1863 -1879)؛ فقد قام بوضع اللوائح والنظم لبناء المدارس في القرى والمدن حسب الكثافة السكانية لكل منطقة، وكيف يتكفل كل مركز بإنشاء واستقدام المعلمين وكل ما يلزم لبناء صرح تعليمي متكامل، وأولى اهتماما كبيرا بتعليم الفتيات، ففي عهده افتتحت الإرساليات المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية مدارس للبنات فى القاهرة والإسكندرية  ومدن  الوجه القبلي و البحري. 
 
وفي تقرير للأب جيرولام دا سان سافينو بتاريخ 1878 نقرأ أن ارسالية الفرنسيسكان ، كانت تدير 11 مدرسة للبنين و5 للبنات وجميعها مجانية، ثم ازداد هذا العدد فوصل في عام 1882 إلى 24 مدرسة منها 19 للبنين وخمس لبنات، أول مدرسة للبنات تأسست على يد المرسلين الانجليكان  سنة 1835، بينما يرجع البعض بدأ أنشاء اول مدرسة للفتيات لعام 1832م عندما أنشأ محمد علي مدرسة الولادة ، وقد قابل المجتمع المصري هذه المدرسة بالتجاهل والإهمال، مما إضطره إلى إجبار الجند والفلاحين على إلحاق بناتهم بها، لكنهم فضلوا العقاب، فلم يكن أمام كلوت بك (طبيب فرنسى عهد إليه محمد على تنظيم إدارة الصحة للحيش) إلا الجواري وساقطات القيد ليكنَّ نواة لهذه المدرسة التي بدأت الدراسة بها سنة 1836 لتعليم الفتيات النواحي الطبية، بعدها بفترة قليله أسس راهبات الراعي الصالح  مدرسة  في 1846 بحى  الموسكي بالقاهرة  ، ومدرسة فى حى شبرا وفى بورسعيد والمنيا، وأنشئت  أول مدرسة حكومية لتعليم الفتيات فى العام  1873م تحمل اسم  مدرسة السيوفية، بعد أن كان وجهاء القوم يستحضرون المعلمات الأوربيات والمشايخ، بالمنازل تعليم فتياتهم. وبتشجيع من أميرات الأسرة العلويه ، أنشأ  راهبات الراعى الصالح، والمحبة،  والمير دى ديه، وسيدة الرسل (نوتر دام دى زابوتر)،  والراهبات الفرنسيسكانيات، وراهبات القلب المقدس (السكركير)، وغيرهن، مدارس لتعليم الفتيات.
 
قدمت الاسرة العلوية الأرض والإعانات للإرساليات المسيحية لبناء مدارس، ففى في سنة 1860 وهب الخديوى إسماعيل أخوة المدارس المسيحية (الفرير) مساحة كبيرة من الأرض بحارة زويلة لبناء  مدرسة القديس يوسف فى الخرنفش، وافتحت  المدرسة  سنة 1864 لاستقبال كل من أبناء الفقراء والأغنياء على حد سواء، وأرسل الخديوي إسماعيل للتعليم بها  12 من شباب الاسره العلويه بهدف إعدادهم لشغل بعض الوظائف العليا في الدولة،  الحق بها سنة 1890 قسم الحقوق، وفي سنة 1907 افتتح بها  قسم التجارة،  وقد وصل عدد مدارس اخوة المدارس المسيحية (الفرير) فى فترة حكم اسرة محمد على  35 مدرسة في عموم مصر . تخرج منها رؤساء الوزارات والسياسيين والفنانين  والمهنيين . من تلاميذ مدارس "الفرير" من السياسيين: سعد زغلول، مصطفى كامل، إسماعيل صدقي، مصطفى فهمي باشا، عدلي يكن، علي صبري، عصمت عبد المجيد. ومن الفنانين: نجيب الريحانى، وفريد الأطرش، وأنور وجدي، ورشدي أباظة، عبد الفتاح القصرى،  بالإضافة إلى الشاعر حسين السيد. ..
 
وافتتح الآباء الفرنسيسكان من سنة 1860إلى 1864 مدرسة بالسويس وأخري بطهطا وثالثة بجراجوس. وقد بلغ عدد الطلبة بمدرسة طهطا 133 طالبًا وطالبة 60 من الذكور.  وفي العام 1895 كان للآباء اليسوعيين 18 مدرسة، وفي العام 1904 أي بعد خمسة عشر عام من بدء عملهم الرسوليّ في الصعيد، كان لهم 30 مدرسة وارتفع العدد إلى 47 مدرسة العام 1907  واختص الآباء السالزيان منذ القدوم إلى مصر سنة 1926انشاء مدارس صناعية ، تسمى اسم مدارس "دون بوسكو" فى القاهرة و الإسكندرية  . لتعليم الميكانيكا، والخراطة، والكهرباء وميكانيكا سيارات. وتحظى مدارس "دون بوسكو" بمكانة عالية لدى الشركات الهندسية والصناعية مصر، ووصل عدد المدارس الكاثوليكية فى مصر فى العام 1947 نحو 121 مدرسة. عدد منها كانت مدارس خيرية لتعليم الفقراء . وتدير الرهبنة حاليا عدة مدارس منها مدرسة  الرزيقات وأرمنت الحيط والأقصر والطويرات ونجع حمادي ومدارس أسيوط  ومنفلوط ومدرسة الفيوم. ويدير الآباء اليسوعيين ثلاثة مدارس فى القاهرة وواحدة فى المنيا، وأخوة المدارس المسيحية خمس مدارس فى القاهرة و الإسكندرية، وتنازلواعن المدارس  الموجودة فى مدن وقرى الصعيد للجمعية المصرية للك\ارس الكاثوليكية، والتى فى مدن الدلتا للكنيسة القبطية الكاثوليكية . بجانب عدد من المدارس تتبع الكنائس الكاثوليكية الشرقية  الموجودة في مص.
 
تحظى المدارس الكاثوليكية بسمعة طيبة .يقبل عليها  الطلاب المصريين من المسلمين والمسيحين لكونها تقوم بتدريس اللغة الفرنسية اللغة الثانية في مصر ، واهتمام مدارس الارساليات الكاثوليكية بالتربية إلى جانب التعليم ، تعمل تحت اشراف رهبان وراهبات  كرسوا حياتهم لتربية النشء والتعليم .
 يقول د. خالد محمد نعيم، مدرس التاريخ الحديث المعاصر بكلية الآداب بجامعة المنيا فى كتابه "، الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في م(1756 - 1986) " ان مدارس الإرساليات ، أثارت تخوف عدد من الإكليروس القبطى الأرثوذكسى، الذى رأى أن تلك المدارس تبغى تحويل الأقباط الأرثوذكس إلى كاثوليك، وتغلغل المذهب الكاثوليكى فى البلاد ، فاتجهت فى عهد البابا كيراس الرابع  ( 18504 – 1861) إلى إنشاء مدارس تابعة لها حملت اسم مدارس "التوفيق" و "الإيمان" القبطية .
 يذكر المُفكر الإسلامي جمال البنا أن قدوم الإرساليات المسيحية البروتستانتية والكاثوليكية إلى مصر كان من الأسباب الرئيسية والجوهرية لقيام جماعة الإخوان المسلمين، وأن الجماعة (جماعة الاخوان المسلمين)  ظهرت كرد فعل لهذه الإرساليات التبشيرية.  . وأضاف البنا أن هذه الإرساليات عندما قدمت إلى مصر أنشأت المستوصفات لعلاج المرضى كما أنشأت المدارس، هذا بخلاف الكنائس، إلا أنها مزجت الخدمات التي كانت تقدمها للناس بنوع من التبشير.. مؤكدًا أن هذه الحقيقة أشار إليها حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في بعض كتاباته، حيث توجد في مذكرات الدعوة والداعية لـ"حسن البنا". في هذا السياق ، يقول الباحث الاسلامى  عبده مصطفى دسوقى، ان الجماعة (الاخوان المسلمين) عكفت منذ تأسيسها على التصدى لنشاط الإرساليات  فى التعليم  فى بعض  المدن الصغيرة، وطالبوا فى مؤتمرهم الأول عام 1933م بالإسماعيلية برفع عريضةً إلى الملك فؤاد يطالبون فيها بحماية الشعب المصري من المبشِّرين، وردع هؤلاء المخربين، واقترحوا فرض الرقابة الشديدة على مدارس المبشِّرين ومعاهدهم ودُورهم، وإبعاد كل مَن يثبت للحكومة أنه يعمل على إفساد العقائد.. وسعوا فى المقابل إلى إقامة مدارس إسلامية تابعة لهم. 
 
يتقارب عدد مدارس الكاثوليكية فى مصر  اليوم نحو 167 مدرسة، وهى مدارس لاتبغى الربح، وتركز إلى جانب التعليم الجيد، على النواحى التربوية، وتضم حوإلى 160 الف طالب و طالبة ، تعمل تحت مظلة الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، وتحتل مكانة متميزة بين المدارس من حيث العناية بالتربية وجودة التعليم، مقابل رسوم دراسية تناسب قدرات الطبقة الوسطى ، فهى لاتبغى من عملها الربح المادى، إنما إعداد اجيال تتحلى بالقيم الإنسانية المحبة، روح الخدمة، والتسامح، والاخلاق الحميدة ، وبناء السلام، والدفاع عن حقوق الإنسان، والديمقراطية. 
 
وقد أكد ملتقى الأمانات العامة للمدارس الكاثوليكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  الذى عُقد فى الأردن العام 2018  تحت عنوان: "بيئة المدرسة المسيحية"، على أهمية إعادة ’صناعة المدرسة‘، ودورها كحاضنةٍ رئيسية، لتنمية المهارات المعرفية، وأوصى بالأخذ  بالتعلم المدمج بالتقنيات التربوية، وصياغة شخصية الطالب المتوازنة من النواحي السلوكية، والأخلاقية، والروحية، والثقافية، والفنية، والرياضية، وتنمية الاعتماد على الذات، واحترام التنوع بين الأجناس، والأديان، والمذاهب، والاختلاف في الرأي، وتعظيم الجوامع المشتركة، واحترام الفوارق، والخروج من الصيغة التربوية التقليدية- القائمة على منهاج ومدرسة ومعلّم تقليدي، وتبنى صيغة تعليمية تقود نحو الفكر الناقد، وبناء فكر خلاق، مسلّح بأدوات الفكر العقلاني القادر على التحليل والاستنتاج، والتساؤل، وحل المشكلات، وأكد ملتقى أمانات المدارس الكاثوليكية على أن الطالب "هو المحور الأساسي لعملية التعليم والتعلّم". ولفت النظر إلى أن التعليم "ينمو في بيئة إبداعية تسوها الديمقراطية.
 
وبجانب المدارس،  أسست الكنيسة الكاثوليكية ممثلة فى الاباء الدومينيكان معهد الاباء الدومينيكان للدراسات الشرقية العام 1928 ، كان الهدف من تأسيسه فى البداية أن يكون الدير امتدادًا لمدرسة القدس للكتاب المقدس، ودراسة الآثار المصرية معا . ولكن وقفت الأحداث الحرب العالمية آنذاك عائقًا في وجه المشروع، ومابين أعوام 1945-1950، جاء إلى مصر ثلاثة رهبان دومنيكان، هم  جورج قنواتي وجاك جومييه وسيرج دو بوركي، قرروا تكريس حياتهم لدراسة الإسلام، رأوا فى القاهرة مقرًا نموذجيًا لإقامة مؤسسة علمية تختص بتفهم الإسلام من داخله، من مصادره الأساسية ، كعبادة وعقيدة وروحانية، بالقرب من جامعة الأزهر، من منطلق نشاط الاباء الدومينيكان، البحث عن المعرفة ، والأديان ، والحوار بين الثقافات والأديان، أكثر من أي رهبنة أخرى .
 
وفي 7 مارس 1953 تمّ تأسيس معهد الآباء الدومنيكان للدراسات الشرقيّة (IDEO)، الذي صار معهدًا عالميًّا متخصّصًا في الدراسات التراثيّة العربيّة والإسلاميّة، وفى هذا الإطار، يضم المعهد مكتبة متخصّصة في الفلسفة والإسلاميّات،  تضم أكثر من مائة وخمسين ألف كتاب فى اللغة العربيّة، والتفاسير القرآنيّة، وعلم الكلام، والشريعة، والفقه، والتاريخ، والفلسفة، والتصوّف، وتاريخ العلوم. تحتوي المكتبة على أكثر من عشرين ألف نصّ من التراث العربيّ الإسلاميّ كما تحتوي على دراسات ومجلات دورية باللغات العربيّة والأجنبيّة، تُتيح للقرّاء فرصة الاطّلاع على الأبحاث المعاصرة في علوم الإسلام، والكثير من رسائل الدكتوراه.    
 
 ومن الأنشطة المهمة التي يقدمها المعهد، إصدار مجلة منذ العام 1954، أي بعد عام من إنشاء المعهد، والتي تنشر بحوثًا باللغات الفرنسية والإنجليزية والعربية،  لأعضاء المعهد والباحثين الّذين يشاركون في البحث معهم، كانت تصدر كلّ سنتين، والآن تصدر سنويًّا، ومن العدد ثلاثين هي متاحة أون لاين مجانًا -خصوصًا أنها غالية الثمن قد تصل إلى ألف جنيه .
 
تنشر المجلّة أبحاثًا حول الإسلام وتراثه، فالمجلّة تهتمّ بقضايا علم الكلام، والفلسفة، وتاريخ الفكر.
 
وتسعى المجلّة أيضًا من خلال الدارسات المتعمّقة إلى التغلّب على سوء التفاهم المتبادل بين الثقافات والأديان المختلفة، وتولّي المجلّة اهتمامًا خاصًّا بالتطوّرات المعاصرة للبحوث حول هذا الموضوع.
 
وتصدر المجلة منذ عام ٢٠٠٤ سلسلة «كرّاسات مجلّة المعهد» والّتي تُكمل المجلّة، ومنذ صدور العدد الثلاثين تحتوي مجلّة المعهد على مجموعة من المقالات في موضوع معيّن، تحقيقات ومتنوّعات. (انظر ملحق 2)
 
ومركز للدراسات الشرقية للإباء الفرنسيسكان  بحى الموسكى يحنوى مكتبته تضم أكثر من 50 ألف مجلد، ومخطوطات قبطية وإسلامية فى الفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا والفنون وكل ما يخص التراث الثقافي للمجتمعات المسيحية الشرقية، والحروب الصليبية، وتاريخ أوربا المسيحية. 

تعليم الفقراء
تجربة مدارس جمعية الصعيد
تفاعلت الكنيسة الكاثوليكية مع  تطلعات الشعب المصرى، ومع تنامى الوعى الوطنى والدعوة إلى الحداثة  فى أواخر  الثلاتينينات والاربعينينات من القرن الماضى  الذى وأكبب نمو الطبقة الوسطى من الموظفين والمثقفين نتاج للتعليم الحديث وتنامى الشعور الوطنى ونداءات المطالبة بالعدالة الاجتماعية والاستقلال والحداثة، ،  بفضل كتابات  نخبة  من أبناء الوطن الذين نالوا تعليما حديثا فى مصر وأوربا، أمثال : محمد لطفى السيد،  وطه حسين، وقاسم أمين،  وسلامة موسى، وغيرهم، تناولها كتاب قاسم امين "تحرير المرأة" العام 1899، وكتاب "مستقبل الثقافة في مصر"  لطه حسين العام 1938،  وكتاب "الفلاح عاداته وتقاليده"  سنة 1934 للأب هنرى عيروط  محتواه جزء من أطروحة علمية نال بموجبها درجة الدكتوراة فى علم الاجتماع من جامعة "ليون" بفرنسا - أول دراسة علمية عن الفلاح المصرى ، تعد حتى الان مرجع أساسي فى علم الاجتماع حول الفلاح المصرى  -  جاء فى مقدمة الكتاب :"ونودّ أن نقول للقارئ، إنّنا اعتمدنا في هذا البحث على ما لاحظناه وحققناه بأنفسنا. وقد استغرق منّا البحث والاستقصاء سنينا عديدة، كانت فيها المُشاهدة والتحرّي عدتنا، فنحن من مصر، ونعيش بين أهلها عيش المواطنين. وقد امتدت مشاهداتنا وملاحظتنا طوال السنين في مختلف أنحاء الريف؛ حيث لم ننقطع عن المشافهة والمحادثة والبحث والاستقصاء والطواف في أنحاء البلاد ومخالطة الطبقات حبًا في الكشف والاستطلاع حتّى جاء بحثنا نتيجة الملاحظة والتأمّل الطويلين… لقد جاء هذا البحث وليد المشاهدة والتحقيق". 
 
تضمن الكتاب فصلاً عن حالة الفلاح بعنوان "بؤس الفلاح"، جاء فيه: "يتمثّل بؤس الفلاح في صورتين، الأولى بؤسه المادّيّ وحرمانه من مقوّمات حياته الجسميّة، فهو فقيرٌ لا يكاد يجد القوت والملبس والمسكن. أمّا الصورة الأخرى لبؤسه، فهي معنويّة تتمثل في حرمانه من التعليم، وجهله وذلته وهوانه على نفسه وعلى غيره، حتّى أصبح دون المستوى الإنسانيّ من هذه الناحية….. أيُّ ظلمٍ أفدح، وأيُّ وضعٍ أنكى من وضع الفلاح؟ لقد حُرم من نعمة التثقيف والترقية، والتربية والتعليم، ثم عوقب من ولاة  أموره الّذين تجب عليهم المسارعة إلى انتشاله مما هو فيه… تلك المآسي من فقر وجوع وجهل ومرض، من أسبابها التفكّك والتمزّق وانقطاع الصلة بين البلاد، فبين الوجه البحريّ والقبليّ قطيعةٌ وتباعد، ومثل ذلك بين العاصمة وسائر البلاد، الأمر إذن متعلّق بإذكاء الشعور الإنسانيّ في نفس هذا الجمهور الشهيد ورفع الروح المعنويّة لأفراده وجماعاته، وهذا واجب المثقفين من أبنائه، هذه الرسالة السامية، هي رسالة المعلمين ورجال الدين هم قبل غيرهم وهم الذين تدعوهم طبيعة عملهم إلى الاندماج والاختلاط  بطبقات الأهالي . وكل من يسهّل هذه الرسالة ويساعد على أدائها، يؤدي للوطن أنبل وأقدس واجب إنسانيّ". 
 
وخلص الاب عيروط  فى كتابه إلى كون التعليم مدخل أساسى لتنمية الريف وتحسين احوال الفلاحين.
 
شاءت الاقدار ان توضع هذه الدراسة وتوصياتها موضع التنفيذ ،  مع طلب الأنبا مرقس خزام بطريرك الاقباط الكاثوليك من الاب عيروط  أن يتولى أمر المدارس الكاثوليكية المجانية التى أسسها الآباء الفرنسيسكان واليسوعيين منذ العام 1893، بعد ان  حالت الحرب العالمية، من وصول المعونات للانفاق عليها من بعض الكنائس الكاثوليكية فى أوربا، والاستعانة بالاب عيروط لهذه المهمة ، لما يتمتع به الاباء اليسوعيون من خبرة طويلة ومتميزة فى حقل التعليم تزيد عن نصف قرن، وعملا بالعبارة الشهيرة للعالم الفرنسيسكانى  فرانسس بيكون  "أما الجانب التربوي فاقصر قاعدة أن يقال لك استشر مدارس اليسوعيين، لأنه لم يجرب ما هو خير منها"، بالاضافة إلى دراسته واهتمامة الخاص بالفلاح المصري وقضاياه  وحثه الدولة على النهوض بالتعليم .
 
رأى الاب هنرى عيروط ان الخروج من هذه الأزمة الطارئة تقتضى تأسيس جمعية أهلية للمدارس الكاثوليكية  تقوم بالاشراف والانفاق على تلك المدارس، من خلال اشتركات الاعضاء وتبرعات القادرين وأهل الخير من من أبناء الوطن محل الاعتماد على التبرعات الاجنبية، وذلك تحت شعار "تضامن أهل المدينة مع أهل القرية لأجل تعليم الاطفال، وتحسين أحوال الريف" .
 
 وبالفعل أسس الاب عيروط عام 1941 الجمعية المصرية للمدارس الكاثوليكية ، التى تغير اسمها فيما بعد أكثر من مرة وأصبح الآن "جمعية الصعيد للتربية والتنمية"، واستعان فى اداء عملها بمجموعة من المتطوعات من سيدات وفتيات  الطبقة الراقية بالقاهرة، والإسكندرية، والمدن الكبرى، لتيسير أعمالها وجمع التبرعات اللازمة لتأدية رسالتها ، وضم عدد من الرجال الأثرياء فى مجلس الإدارة. أعتبر التعليم المدخل الأساسى  للنهوض بالريف،  والمدرسة نقطة التقاء الجميع ( مسلمين ومسيحين / رجال ونساء / اغنياء وفقراء / كبار وصغار)   للحوار والتشاور حول القضايا والمشكلات التى يعيشونها ، وتبنى المبادرات والمشروعات  الازمة ، بحسب التعبير الذى خطه الاب عيروط "  بمثابة القلب فى جسد القرية تضخ فيه الدم للنمو والتنمية والتغيير. 
 
ومازالت جمعية المدارس الكاثوليكية المصرية التى تغير اسمها وأصبح جمعية الصعيد للتربية والتنمية تواصل رسالتها إلى يومنا هذا .(انظر
 
ملحق 3)
أستطاعت الجمعية المصرية للمدارس الكاثوليكية ، تمكين تلك المدارس الاستمرار فى عملها، وإقامة مدارس جديدة فى عدد من القرى النائية ، وصل عددها فى غضون سنوات قليلة لا تتجاوز 10 سنوات، 130 مدرسة فى أوائل الخمسينينات  من القرن الماضى، عدد من تلك المدارس كان يشبه الكتاتيب ؛ يتكون من 3 فصول دراسية ملحقة بكنيسة القرية، تغمل ووفق  رؤية تربوية  متقدمة مستمدة من نظرية  اليسوعيين التربوية المعروفة  ، الاهتمام  بكافة جوانب شخصية التلميذ  الفكرية، والوجدانية، والبدنية  "كل الانسان" وليس الجانب العقلى فقط، والتركيز على  الفهم اكثر من التلقين والحفظ "قليل متقن خير من كثير غير متقن"  واستخدام الحواس فى التعليم ، واسلوب الاستفهام للتفكير عن طريق طرح الاسئلة التى تولد الإجابة أسئلة جديدة، وهى وسيلة اتبعها السيد المسيح فى التعليم «... وأنتم من تقولون إني هو؟» (متى 16 : 13 – 20)  تعليم نظرى شفهى، ومناهج قصيرة تفتح شهية التلميذ للمعرفة، تعتبر أن نجاح التعليم يتوقف على بداياته. 
 
نشاط جمعية الصعيد فى التربية والتنمية : 
تعرف هي نقسها في وثيقة صدرت فى أوائل الثمانينينات من القرن الماضى بعنوان "الرؤية والاستراتيجية والأهداف" بعد رحيل المؤسس (الوثيقة الوحيدة المدونة): أنها حركة مصرية (أى ديناميكية  ومتجددة) علمانية (يقوم برسالتها جماعة من العلمانيين )، مسيحية (ليست دينية ولاطائفية  تنتسب روحيا للكنيسة الكاثوليكية) ، تنموية تبغى التنمية الشاملة تتصف بالاستدامة  للصعيد . 
يتركز  نشاط الجمعية منذ منتصف الستينينات من القرن الماضى فى منطقة صعيد مصر لكونها أكثر المناطق احتياجا إلى التنمية، وانخفاضا فى مستوى المعيشة ، خاصة الحضر والقرى ، دون تمييز دينى أو طائفى، وهى ذات صفة عامة  قانونيا،  لاينحصر عملها فى بقعة معينة أو طائفة محددة داخل مصر.
 
وتطبق مدارس جمعية الصعيد، بجانب المناهج الدراسية الحكومية، برامج تربوية إضافية غير صفية فى أغلب مدارسها ، مثل :
- برنامج من طفل إلى طفل وهو برنامج صحى / اجتماعى ، يتناول مختلف جوانب حياة الطفل، : تطوير قدرات ومهارات  الأطفال ،  ورفع الوعى الصحى لديهم نقل ،  رسائل صحية لزملائهم ، التعبير عن حقوقهم وواجباتهم والدفاع عنها، والعناية بزملائهم من خلال تدريبهم على مجموعة محاور، تبني على المعرفة العملية، وعلى الخبرات الميدانية، وعلى إرشادات المرشدات الصحيات،   يتم وضع البرنامج  بمشاركة التلاميذ ويشارك أولياء الامور في التخطيط، التنفيذ والتقييم، وللتعرف على المجتمع يتضمن البرنامج بعض الزيارات للمنتزهات والأماكن الهامة فى المحافظة .
 
- برنامج التربية المدنية : يهدف إلى تعزيز الانفتاح على المجتمع ،  وقبول الاخر والاختلاف، والتعددية العرقية والدينية والسياسية، وحرية الرأى والتعبير، وترسيخ قيم المواطنة، والتوعية بالحقوق والواجبات والدفاع عنها، ويشمل البرنامج محاور مختلفة وهي : الهوية، الديمقراطية، حقوق الانسان ، الثقافة القانونية  بواسطة وسائل متعددة : دمج هذه المفاهيم داخل المواد الدراسية  أو  داخل الأنشطة المدرسية المختلفة، أوفى نشاط مستقل.
- برنامج التربية البيئية : يهدف إلى فهم ومعرفة البيئية، والوعى بها، وتنمية  السلوك البيئي الإيجابي منذ الصغر،  للحفاظ على الصحة، والمحافظة على موارد البيئة المحلية والعالمية، ونشر الثقافة البيئية بين من يعيش معهم .
 
وذلك بجانب الانشطة الصفية المدرجة مع المناهج التعليمية كالموسيقى والرسم والألعاب . ويشرف على هذه الانشطة نخبة من المعلمين المتخصصين مستعنين بمادة كتابية وتدريب متخصص . وابراز تلك الانشطة ، والتعريف بها ، وكسب المؤيدين فى مهرجان سنوى للانشطة المدرسية .
 
- برنامج القروض الصغيرة  لتقدم المدرسة قروض صغيرة لأولياء أمور التلاميذ الفقراء لاقامة مشروعات صغيرة بغرض زيادة دخلهم للمعاونة فى تحمل أعباء المعيشة وتوفير احتياجات التعليم والتغذية لاطفالهم. 
 
يعتمد نجاح مدارس جمعية الصعيد للتربية والتنمية  على حسن اختيار االمعلمين والتى تتم بواسطة  مسابقة تجرى سنويا لخريجى كلية التربية وتأهيلهم قبل استلام العمل، وأداء دورهم  وتطبيق متطلبات رسالتهم عن قناعة وإيمان وحب  . وذلك لأن وظيفة المدرسة تتطلب جماعة مربية  مؤهلة . تحتل مدارس جمعية الصعيد مراكز متقدمة  فى نتائج امتحانات الشهادات ، والمسابقات التى تنظمها الإدارات التعليمية وعلى مستوى مدارس الجمهورية.
التعليم غير النظامى     :
 
على نهج  القديس يوحنا دى لاسال ، مؤسس
رهبنية أخوة المدارس المسيحية (الفريرات) الذى أهتم بتعليم الأولاد الفقراء و الجانحين والمتشردين فى فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر ، حيث إنشاء مدارس غير  نظامية لتعليمهم.
 
  قام أحد اخوة المدارس (فرير أوجين) التعاون مع جمعية الصعيد، بمبادرة مماثلة لتعليم الأولاد المتسربين من  المدارس، والأولاد الذين لم يلتحقوا بالمدارس بسبب ظروفهم العائلية والمعيشية الصعبة فى قرية البياضية التى تتبع مدينة ملوى بتجميع الأولاد الذين يرعون الغنم فى مكان بجوار "بابور" المياه ، وبتعليمهم القراءة، والكتابة، ومبادىء الحساب، وبعض المعارف والمهارات.
 
تم نقل التجربة الى  عدد من القرى الاخرى ، تحت مسمى "المدرسة الموازية" قيل إنتشار التعليم غير النظامى فى مصر  . مدة برنامج الدراسة 3 سنوات ، يتلقى خلالها الدارس او الدارسة مواد تعليمية ترتبط فى الغالب باحتياجاتهم، يعدها المنسق (المعلم)  بناء على رغبات الدارسين واحتياجاتهم، ايام الدراسة ومواعيدها يحددها الدراسين بما يتلائم  مع عملهم فى الحقل، أو الورش وقضاء حاجات الاسرة  ، دون أى أعباء مالية ( رسوم تعليمية، استخراج أورق رسمية أو ثمن كتب، أو زى مدرسى، بوعد اجتياز الدارس أو الدارسة البرنامج الدراسى) بعد احتياز البرنامج الدراسى ، يتقدم  الدارس لاجتياز امتحان الشهادة الابتدائية ، ثم يتجه حسب رغبته أما  إلى سوق العمل أو االلحاق بقطار التعليم . فيقدم المشروع للراغب فى مواصلة التعليم  الدعم اللازم ، نسبة ليست قليلة من هولاء  الأولاد والبنات حصلوا على تعليم جامعى.
 
التربية المهنية :
وفى مجال التدريب المهنى ، والحفاظ  على الحرف التراثية من الاندثار واحياءها ، أقامت جمعية الصعيد بالتعاون مع  "سيدات الجرال" - وهي حركة مسيحية  نسائية دولية ، للعمل فى مجال التنمية الاجتماعية سنة 1960 فى مدينة اخميم بمحافطة سوهاج التى اشتهرت فى الحقبة الفرعونية والقبطية بصناعة النسيج ممن خلال إنشاء ركز لتعليم الفتيات حرفة صناعة  النسيح وتطريز تصميمات مستوحاة من النقوش التقليدية القبطية والإسلامية ،  وابداع لوحات فنية بالابرة وخيوط ملونة على قماش من التل ما تراه فى والطبيعة  ومايدور فى داخلهن  : المولد والعرس والنيل والنخيل ولاحتفال بالعيد . بجانب تعليم القراءة والكتابة ومبادى الحساب والمعارف الحياتية .  
 
يستقبل المركز الفتيات الاميات والاكثر احتياجا يدأ من سن 15 عاماً فأكثر ويقوم بتدريبهن لمدة 6 أشهر  على كل أعمال النسيج . ثم توجه الفتاة  بعد ذلك  للعمل فى المجال الذى تبرع فيه . يدير الفتيات فسهن  أعمال المركز.
 
وبالمثل فى قرية  حجازة  فى محافظة قنا، والتى تشتهر منذ زمن طويل بأعمال النجارة،  حيث يوجد بها أجود أنواع الأشجار مثل السرسوع والكاي والبرتقال. أقامت جمعية الصعيد بالتعاون مع أخوة يسوع الصغار سنة 1987 ورشة للنجارة،  تستقبل الأطفال من سن 6 ـ 15 سنة وتدريبهم على صناعة المشغولات الفنية من خشب اشجار السرسوع، بعد ان يجفف ويخزن لمدة عامين، ثم يتم خرطه أو نحته حسب المراد ، لانتاج مشغولات خشبية فنية ذات طابع فرعونى مثل: الكراسي، والمناضد الصغيرة، ولوحات نحت على  الخشب ، وتماثيل الطيور والحيوانات، وأدوات المطبخ، بألوان الخشب الطبيعية. وتقوم جمعية الصعيد بتسويق منتجات كل من أخميم وحجازة باقامة معارض  خارج مصر ، ومعرض سنوي دائم بالقاهرو و الإسكندرية  ، بجانب متجر للبيع فى مدينة الفسطاط بالقاهرة. 

ملحق (4)
الاب هنرى عيروط
رأئد العمل الاجتماعى فى مصر
يعتبر عالم الاجتما ع الأب هنرى عيروط  اول من بحث أحوال الفلاجين المصريين، وتحدث عن الظلم اللاحق بالفلاحين الذين كانوا يشكلون ثلثى سكان مصر وقتئذ، وتناول تجاهل الحكومات وضعهم المزري، وأول من سعى لتحسين أحوال الفلاحين  وتنمية القرية المصرية . 
 
ولد هنري حبيب عيروط  فى  القاهرة في 20 مايو 1907 في عائلة نزحت من سوريا إلي مصر عام 1818 . كان والده حبيب عيروط مهندساً معمارياً ذائع الصيت والشهرة . فاختاره البارون "إمبان" ضمن فريق المهندسين البلجيكيين لتشييد منطقة مصر الجديدة . كان والده يُريد له أن يصبح مهندساً معمارياً . فاهتم بتعليمه أفضل تعليم متاح في عصره ، فالتحق بمدرسة العائلة المقدسة للآباء اليسوعيين. لكنه أراد أن يكرس حياته لخدمة الفقراء ، وتعليم أبناء الفلاحين، ففي ذات يوم خلال العطلة الصيفية اصطحبه والده معه إلي أحد المواقع التي يشرف عليها فرأي رئيس العمال يضرب عاملاً يعمل ببطء تحت لهيب الشمس الحارقة، ولمس بؤس العمال الوافدين من الصعيد للعمل في مجال البناء والتشييد . ومنذ ذلك الحين لفت نظره معاناة الفلاحين وبؤس حياتهم . 
 
زار الصعيد في رحلة اعتادت مدرسة الجزويت تنظمها للطلاب قبل التخرج وعلي أثرها قرر العمل علي تحسين أحوال أهالي الصعيد ورفع شأن الطبقات الفقيرة،  و قرر وهو في الثانية عشر من عمره أن يصير راهبا يسوعياً إلا أن رغبته قوبلت بالرفض من والديه، ولما ضاقت به السبل في إقناع والديه وإثنائهما عن رفضهما اضطر وهو في التاسعة عشر من عمره إلي الهروب ليلاً والاختباء عند الآباء اليسوعيون وبمعاونتهم تمكن من استخراج جواز سفر وسافر إلي فرنسا سراً علي متن سفينة بضائع متخفياً في ثوب كاهن حتي لا يقع في أيدي البوليس الذي كان يبحث عنه ليسلمه لوالده، وفي مدينة مولان بدأ تعلم مباديء الرهبنة ثم انتقل إلي مدينة ليون لاستكمال دراسته، وبعد مرور عامين من إقامته بفرنسا ، قام بتقديم النذور الرهبانية الأولي، وكتب رسالة  إلي والديه ، يقول : "الوالدان العزيزان، لقد حدث ما حدث، ومنذ هذا اليوم أصبحت فعلاً، وإلي الأبد، عضواً في الرهبنة اليسوعية ، لقد تحقق ما كنت أصبو إليه منذ سبع سنوات، وتخطيت من أجله الصعاب " . استغرقت دراسته الدينية والعلمية فى فرنسا  15 عاماً ، توّجت بالحصول علي الدكتوراه في علم الاجتماع عن الفلاحين من جامعة ليون الفرنسية ثم نشرها في باريس عام 1938 وقام بكتابة مقدمتها البروفيسور "أندريه أليكس"رئيس جامعة ليون، وصدرت منها طبعتان باللغة الفرنسية، وطبعتان باللغة الإنجليزية، وطبعة بالروسية، والعبرية، وطبعتان بالعربية، قام بترجمة إحداهما الدكتور محمد غلاب أستاذ الفلسفة بجامعة الأزهر . صدر الترجمة الاولى العام 1938 والثانية فى العام 1942.  المثير ان بحثه لفت انظار العالم إلى حياة الفلاح المصرى، حيث تناولت عرضه أربع وثمانين مجلة وصحيفة محترمة في أوروبا وأمريكا والشرق، وعلق عليه أفضل العلماء والكتّاب فى أوربا والشرق، ففي عدد 17 أبريل من مجلة الرسالة الغراء تحت هذا العنوان كلمة نقد  كتب الاديب انطون خليل ، ووصف الترجمة بأنها ركيكة وأن أسلوبها يميل إلى العامية ويجافي العربية السليمة، بدلا من العربية الفصحى  ورمى مؤلف الكتاب بأنه يجور أحياناً، وواصل نقد الكتاب ، قائلا ،كنا نحب أن ينبئنا كاتب الكلمة بمواضع جوره وعلى من وقع هذا الجور، أعلى الفلاح وقد بذل قصارى جهده في الدفاع عنه؟ أم على بقية الطبقات الأخرى التي تشقى الفلاح أو لا تنقذه من شقائه وهو في الحقيقة لم يوفها ما تستحقه من لوم وتعنيف؟ 
 
فقد كان بحثه وكذلك كتابه أول دراسة علمية عن الفلاح والزراعة المصرية ، رصد فيه واقع لأحوال الفلاحين المصريين ، مستخدماً مسائل البحث المتنوعة : الاتصال المباشر ، الحوارات ، المستندات والمعلومات الموثقة . فى هذه الدراسة تعرض الأب عيروط لعيش الفلاح، وملبسه، وعاداته، وتقاليده، وفقره، وبؤسه، فيقول تحت عنوان بؤس الفلاح: " يتمثل بؤس الفلاح فى صورتين، الأولى بؤسه المادى وحرمانه من مقومات حياته الجسمية، فهو فقير لا يكاد يجد القوت والملبس والمسكن، أما الصورة الأخرى لبؤسه فهى معنوية تتمثل فى حرمانه من التعليم وجهله وذلته وهوانه على نفسه وعلى غيره حتى أصبح دون المستوى الإنسانى من هذه الناحية.. أى ظلم أفدح، وأى وضع أسوأ من وضع الفلاح؟"
 رأى الاب عيروط، بفطنة الراهب اليسوعي أن الوعظ من فوق المنابر لن يغير واقع الفلاحين،  ومجد الله الأعظم وهو الشعار الذي ترفعه الرهبنة اليسوعية في كل ما تقوم به؛ بل أن يفعل شيئًا من أجل طبقة تؤلّف ثلاثة أرباع المصريين.  وأن النجاح يقتضي الدراسة والفحص والتعمق في حياة الفلاحين. ألم يجلس معلمه أغناطيوس دي ليولا مؤسس الرهبنة قبل بدء رسالته وهو في سن الأربعين على مقعد الدرس في "السوربون" لأجل العمل الرسولي !.  . فأمعن خلال تنشئته الكهنوتية في الخارج في قراءة تاريخ الفلاح والتعمق في قضاياه الخاصة.
 
راجع الأب عيروط  إلى مصر عام 1940  فى عقله أفكاره التى وضعها فى رسالته العلمية عن تحرير الفلاح من الفقر والجهل والمرض، والعمل على تغيير واقع الفلاح ، مستعينا بدراسته العلمية.
 
مع نشوب الحرب العالمية وتوقف التمويل الخارجي القادم من الكنائس الكاثوليكية فى أوروبا للانفاق على التعليم فى المدارس التى أسسها الآباء الفرنسيسكان واليسوعيين  فى القرى،. لم يجد الأنبا مرقس خزام بطريرك الأقباط الكاثوليك وقتئذ أفضل من صديقه الأب هنري عيروط لإنقاذ الموقف، وتولى هذه المهمة ، وذلك لاهتمامه بقضايا الفلاح المصري ، وتمتعه بالخبرة التربوية في التعليم بصفته تلميذ ومربى يسوعي، لديهم باع فى التعليم وخبرة تربوية تتعدى خمسة قرون ، تدرس فى الكليات والمعاهد الاكاديمية.    
 
قبل الاب عيروط المهمة يكل سرور بعد موافقة الرهبنة اليسوعية ، ورأى الحاجة إلى تأسيس جمعية أهلية سميت "الجمعية الكاثوليكية للمدارس المصرية"  لإدارة أمور تلك المدارس والاعتماد فيها على التبرعات المحلية لأهل الخير، تعمل تحت شعار "تضامن أهل المدينة مع أهل الريف" ، مستعينا بمجموعة من المتطوعات من  سيدات الطبقة الراقية فى ادارة الجمعية وجمع التبرعات للانفاق على تعليم الفقراء وأنشاء مدارس جديدة فى القرى النائية. ووصل عددها فى بداية الخمسيىميات من القرن الماضى نحو 130 مدرسة بالوجه القبلى والبحرى. .
 
لم يتوقف أهتمام الاب عيروط على القرية المصرية فقط، بل اهتم بوضع الفقراء في وسط وجنوب أفريقيا فسافر إلى هذه البلاد والنهوض بالقري الأفريقية، ونشر خبرته في هذا المجال في كتاب صدر باللغة الفرنسية بعنوان (Liaisons Africaines) نشرته أسرته في بعد وفاته عام 1975 يتضمن ملخصاً وتقريراً عن زياراته لهذه البلاد.  كما قام مع السيدة ماري كحيل وآخرون بتأسيس جماعة "الإخاء الديني " للتقارب والحوار الإسلامي المسيحي وكان عضواً في عدد من الهيئات الاجتماعية والعلمية: منها الجمعيّة المصريّة للدّراسات الاجتماعيّة (1937)، في لجنة التّربية الدّينيّة المسيحيّة بوزارة التّربية والتّعليم (1960)، في لجنة السّياحة الدّينيّة بوزارة السّياحة (1967)، كما كان عضوًا منتسِبًا في المجمع العلميّ المصريّ (1968).
 . وقد وافته المنية في 10 أبريل 1969 إثر أزمة قلبية بالولايات المتحدة الأمريكية ليحاضر في معهد دراسات الشرق الأوسط والأدنى بجامعة كولومبيا . وبعد وفاته منحته الدولة وسام الجمهورية من الطبقة الأولي في يوليو 1969 تقديراً لجهوده التنموية . 

الفصل الرابع
الايمان والعقل
قيل في المسيحيّة إنّها ما عُنيَتْ أصلاً بتدبّر طبيعة الإنسان العقليّة، بل أولت عنايتها للإنسان من حيث إقباله على اعتناق تدبير الخلاص، ولكن هذا الرأى غير صحيح ، فالمسيحية هى أكثر الاديان خوضا عقائديا فى طبيعة الله ، وتفسر نفسها، وتشرح تعاليمها من بوابة الفلسفة والتفكير العقلى، فهي تعتبر الإيمان والعقل مصدرين للمعرفة، وأفضل ما وُصِف به الإيمان  المسيحى أنّه إيمان البحث عن العقل (Fides quaerens intellectum)، ومن معاني هذا القول البديع الذي خطه القدّيس أنسلموس لأسقف ومعلّم الكنيسة ) 1033 – 1109( فى كتابة (خطبة Proslogion)ان إيمان البحث  يرتبط إرتباطًا بما يتوصل اليه العقل، وكلّ ما يصيب التفكّر العقليّ يصيب بالضرورة التفكّر الإيمانيّ، وماعدا ذلك يعنى ان الانسان مصاب بالانفصام .و التصوّر المسيحيّ يعتبر الكون كلّه مفطورًا على العقلانيّة لأنّ مهندسه الأوّل (الخالق)  هو عقل وحكمة وتدبير.  وان الله الذى وهب العقل ، لايعطى الانسان شريعة تناقضه، وأن في العقل نورًا غرسه الله في فطرة الإنسان ليدرك به الحقّ في مجرى يحثه عن الحقيقة . وأنّ العقل الإنسانيّ، بلغ المعرفة الإلهية بواسطة التجسد الالهى، مع الاخذ فى الحسبان أن العقلانيّة البشريّة، لن تبلغ حدّ التطابق الكلّيّ مع العقل الإلهيّ . 
 
وحول هذه العلاقة  تتباين الأراء، فريق يرى أنه لايوجد تعارض بين العقل والايمان – إذا العقل تم توظيفه بشكل سليم ، والإيمان تم فهمه بشكل صحيح،  وفريق يرى أن الإيمان والعقل يمكن (أو يجب) ان يكونا على خلاف حول الفرضيات أو القضايا أو المنهجيات لكونهما شيئان منفصلان ومستقلان.  أصحاب هذا الرأي يختلفون حول مَن يجب أن يسود- فى حاله اختلاف الإيمان مع العقل
 
القديس أغسطينوس، ومن سار على نهجه من الفلاسفة واللاهوتيين، يعطى الأولوية للإيمان، حتى لو كان غير منطقى، أما القديس توما الأكوينى، وعدد من الفلاسفة واللاهوتيين مع معقولية الإيمان، واذا تعارضت العقيدة مع نفسها، أو الحقائق المعروفة، فهذا علامة على أنها غير صحيحة، وذهب آخرون إلى إن الإيمان والعقل مصدران للمعرفة منفصلان، لكن لكل منهما اختصاصه ومجاله، يتم حسم الخلاف الظاهرى بينهما من جانب الدين، اذا كان الامر دينيا، ومن جانب العلم، اذا كان الخلاف دنيويا.
ويمكن القولُ أنّ الفكر المسيحى ينازعه تيّاران لاهوتيّان اجتهدا في تعيين موقع العقل، التيّار الأوّل، وعلى رأسهم أغسطينوس، ومن حذا حذوه من المذاهب الكاثوليكية والبروتستانتيّة والأرثوذكسية، ذهبوا إلى فساد العقل البشرى بسبب الخطيئة الأصلية (خطيئة آدم وحواء ، عدم طاعة الله) ، وعدم القدرة على إدراك جوهر الحقائق، وضعف مقدرَته على البلوغ إلى المعرفة الصحيحة، ممّا يضعه في حال العوز الفطريّ إلى سند الألوهة، تُصوّب عملَه، وتوجّه نشاطَه في قصد الإخضاع والهداية، وبالرغم ممّا كان يسوقه أوغسطينوس في امتداح العقل القابل للإستنارة، فإنّ السّمة الغالبة في فكره اللاهوتيّ تشاؤمٌ صريحٌ وإصرارٌ بيّنٌ على بؤس الإنسان وانعطاب مقدّراته العقليّة الذاتيّة.
 
وقد سيطر هذا الرأى على فكر الكنيسة الجامعة حتى وقت قريب .
 
  ففى المجمع الفاتيكانى الأول، الذى دعا اليه البابا بيوس التاسع وعقد عامي 1869 و1870  كرد فعل على  الحداثة التي نشأت في الغرب  التى تُعلي من شأن العلم والعقل، وتَحط من شأن الإيمان. فنقرأ فى الدستور المجمعى للفاتيكان الأول  فى  الفصل الرابع ما يلي:
 
 
الحقيقة، التي هي توَق كل واحد منّا،  تتم من خلال الإيمان والعقل، وأن العقل الطبيعي يصل إلى الحقائق بطريقة طبيعية، من خلال الخليقة والأشياء المحسوسة (اذا صح التعبير) والقديس بولس الرسول يشهد ان الوثنيين عرفوا الله في مخلوقاته، ولكن رغم أن العقل الطبيعي قادر بطريقة طبيعية أن يصل إلى الله؛ إلا أن هناك أسرار مخفية في الله، تلك التي يكشفها الله من خلال وحيه، ولمن يريد، باستنارة الإيمان للعقل.
 
الأسرار المخفية في الله، لا يمكن معرفتها بدون استنارة الإيمان، وحكمة الله السرية والتي اليوم كشفها الله بالروح، من خلال وحيه، "وتمت بواسطة بتجسد يسوع المسيح، وحين يستنير العقل بالإيمان فيبحث بعناية وتقوى واعتدال، فانه يصل، بعطية من الله، إلى إدراك الأسرار إدراكا مثمرا، وإن محدوداً (...) فان الأسرار الإلهية، بحكم طبيعتها، تفوق العقل المخلوق، حتى أنها، وإن نقلها الوحي وتقبّلها الإيمان، لاتزال مغطاة بحجاب الإيمان، وكأنها مغشاة بشيء من الغموض، ما دمنا في هذه الحياة الزائلة"، اذا هناك إدراك لله بخطوة بدأت من الله باتجاه الإنسان، وهذه الخطوة هي الوحي التي لا بد للإنسان أن يخطو بدوره، كإجابة على خطوة الله، ويتقبل هذا الإيمان، حتى يدرك حقيقة مثمرة، قد تكون في طياتها غامضة.  
 
وباعتبار الإيمان فوق العقل واعتبار أن الإيمان والعقل نورين من الله، إلا أن الله قد أحلّ في  "الإنسان نور العقل"، اذا لا يمكن أن يختلفا أو يتناقضا؛ بل العكس هما يتعاونان، العقل الصائب يبرهن عن أسس الإيمان، وهنا تلزم الكنيسة أبناءها المسيحيين بالمحافظة على وديعة الإيمان، والدفاع عن إيمانهم أمام ما يقدمه العلم الكاذب من أضاليل- كما تسميها الوثيقة "ظواهر الحق الخداعة" ( فقرة 3018) . وتحت عنوان الإيمان و العقل،  يقول أباء المجمع:
  3041: – 1- من يقول أن الوحي الإلهيّ لا يتضمن أي سر حقيقي بالمعنى الصحيح، ولكن عقائد الإيمان كلها يمكن فهمها والبرهان عليها بالعقل، ذي الثقافة الوافية، اعتماداً على المبادئ الطبيعية، فليكن مبسلاً.
 
 3042 : 2 - من يقول إنه من الواجب معالجة فروع العلوم البشريّة بحرية يستطيع الإنسان معها، حتّى عندما أقوالها مناقضة للعقيدة الموحى بها، أن يعدها حقيقة، ولا يمكن أن تمنعها، فليكن مبسلاً .
 
3043  : 3 - من يقول إنه من الممكن أن يعطى لعقائد الكنيسة أحياناً، بسبب تقدم العلم، معنى يخالف ما أدركته وتدركه الكنيسة أيضاً، فليكن مبسلاً .
3044 - لذلك، فاضطلاعاً بمهمتنا الرعائية، نناشد بمحبة يسوع المسيح جميع المؤمنين بالمسيح، ولاسيّما من يمارسون سلطة أو يقومون بمهمة تعليم الآخرين، ونأمرهم، لأجل محبّة يسوع المسيح، وبسلطة إلهنا ومخلصنا، أن يبذلوا الجهد والسعي لإقصاء هذه الأضاليل عن الكنيسة المقدّسة ونزعها، وإشاعة نور الإيمان الأطهر.
 
والتيّار اللاهوتيّ الثاني وعلى راسه توما الأكوينيّ وكلّ من نحا نحوه من أهل المذاهب الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والبروتستانتيّة،  يعتقد بجمال الطبيعة البشريّة وثقةً ثابتةً بمقدُرات العقل الإنسانيّ، لقد كان القديس توما مقتنعاً كل الاقتناع من القول المأثور: «كل حقيقة أيّاً كان قائلها، هي من الروح القدس» وعليها  نظر أباء المجمع الفاتيكانى الثانى بكل تقدير للجوانب الروحية الإيجابية فى الأديان الاخرى، ولذلك يُقرّون لهذا العقل بنور طبيعيّ يستوطنه ويؤهّله للفوز بمعرفة صحيحة للوجود والموجودات، ولو أنّ إدراك معاني الوحي يَضطرّه إلى الإستعانه  بأنوار العون الإلهيّ، وذلك هو التيار السائد الآن فى الكنيسة الكاثوليكية .  وتعبر عنه على الوجه الاكمل :
 
الرسالة البابوية "الايمان والعقل"
أصدر قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني بتاريخ 14 سبتمبر 1998 رسالة جامعة بعنوان "الإيمان والعقل" يتطرّق فيها إلى التكامل بين الإيمان والعقل، ومسيرة البشرية للوصول الى حيقة الوجود ، والغلاقة  بين اللاهوت والفلسفة ، وتوحهات الكنيسة للمؤمنين واللاهوتين  ، وهى مكملة لما سيق اعتمدته الكنيسة فى هذا الشأن  فى المجمع الاول والثانى الفاتيكانى  ، وماورد فى بعض الرسائل البابوية الغامة . تشتمل الرسالة على تمهيد وسبعة فصول وخاتمة . نقرأ فى متونها الفقرات الأتية :
 
تناغم العقل والايمان : 
توكد الرسالة فى البداية ، ان الإيمان والعقل هما بمثابة الجناحين اللذين يمكّنان العقل البشري من الارتقاء إلى تأمل الحقيقة. فالله هو الذي وضع في قلب الإنسان الرغبة في معرفة الحقيقة ومعرفته هو ذاته، في النهاية، حتى إذا ما عرفه وأحبّه تمكّن من الوصول إلى الحقيقة الكاملة في شأن ذاته .
يعلمنا لمجمع الفاتيكاني الأول  (دستور الكنيسة) أن الحقيقة التي نحصّلها عن طريق الفكر الفلسفي والحقيقة الصادرة عن الوحي لا تختلطان، وأن الواحدة لا تغني عن الأخرى: «هناك صنفان من المعرفة متميزان، لا من حيث المصدر وحسب، بـل من حيث الموضوع أيضاً. أمّا من حيث المصدر، فلأن المعرفة الأولى تتوسّل العقل الطبيعي، وأمّا الثانية فتعتمد الإيمان الإلهي للوصول إلى المعرفة. وأمّا من حيث الموضوع، فلأن هناك ما يتخطى الحقائق التي يستطيع العقل الطبيعي أن يحصّلها، وهو مجموع ما يقدّمه لنا الإيمان من أسرارٍ مطويَّة في الله نعجز عن معرفتها إذا لم يكشفها الله لنا.
 لبحث عن معمى  الوجود :
 تقول الرسالة ، نظرة بسيطة إلى التاريخ القديم تُظهر بوضوح ما ينشأ في غير جزءٍ من أجزاء العالم المعروفة بثقافاتها المتنوّعة، من أسئلة عميقة تطبع مسيرة الوجود البشري بطابع مميّز: من أنـا؟ من أين أنا وإلى أين؟ لماذا وجود الشرّ؟ وماذا يعقب هذه الحياة؟ هذه الأسئلة ماثلة (نجدها في كتب العهد القديم وحِكم الشرق الأقصى وأشعار اليونان وفلاسفتها والميثولوجيات القديمة).هذه الأسئلة لها مصدر مشترك: البحث عن المعنى الذي يلج أبداً في قلب الإنسان، والجواب على هذه الأسئلة هو الذي يوجّه الحياة.  والكنيسة ليست غريبة عن هذه المسيرة الباحثة ولا تستطيع أن تتجاهلها. فمنذ أن تلقّت، هبـة المعرفة القصوى في شأن حياة الإنسان. 
الانسان  يملك طاقات كثيرة لدفع التقدَّم في معرفة الحقيقة، بحيث تصبح حياته إنسانية أكثر فأكثر. من بين هذه الطاقات الركون إلى الفلسفة التي تساهم مباشرة في طرح السؤال في شأن معنى الحياة واستطلاع الجواب عليه. الفلسفة هي إذن مهمة من أشرف مهامّ البشرية.
يعلمنا المجمع الفاتيكاني الأول إذن أن الحقيقة التي نحصّلها عن طريق الفكر الفلسفي والحقيقة الصادرة عن الوحي لا تختلطان، وأن الواحدة لا تغني عن الأخرى  . وان  هناك نوعان من المعرفة متميزان، لا من حيث المصدر وحسب، بـل من حيث الموضوع أيضاً. أمّا من حيث المصدر، فلأن المعرفة الأولى تتوسّل العقل الطبيعي، وأمّا الثانية فتعتمد الإيمان الإلهي للوصول إلى المعرفة. وأمّا من حيث الموضوع، فلأن هناك ما يتخطى الحقائق التي يستطيع العقل الطبيعي أن يحصّلها، وهو مجموع ما يقدّمه لنا الإيمان .
وتضيف الرسالة البابوية : على الجميع ، ٍ، يجب ألاَّ يغرب عن فكرنا أن الوحي يظلّ مطبوعاً بطابع السرّ. لا شك أن يسوع، من خلال حياته كلها، قد كشف لنا عن الله .  جاء بسوع   إلى الأرض ليعرّفنا بأعماق الله . ومع ذلك فمعرفتنا لهذا الوجه لا تزال مطبوعة بطابع الجزئية والمحدودية. الإيمان وحده يتيح لنا ولوج السرّ ويساعدنا في إدراكه إدراكاً منطقياً.  
 
التقدم في البحث عن الحقيقة  :
الحقيقة يتمثلها الإنسان، في البدء، في صيغة تساؤلية: هل للحياة معنى؟ وما غايتها؟ قد يبدو الوجود الشخصي، لأول وهلة، وجوداً لا معنى له على الإطلاق. ولسنا بحاجة إلى الاستعانة بفلاسفة المحال ولا بالأسئلة الاستفزازية التي نقع عليها في سفر أيوب للشك في معنى الحياة. خبرة الألم اليومية، عندنا وعند الآخرين، ورؤية الكثير الكثير من الأحداث التي يستعصي على العقل فهمها، تكفيان لجعل مثل هذا السؤال عن معنى الحياة أمراً لا مفرّ منه . ولا بدّ من أن نضيف إلى ذلك أن أول حقيقة مبرمة، إلى جانب حقيقة وجودنا، هي أننا سوف نموت لا محالة. في مواجهة هذه الحقيقة المقلقة، يصبح البحث عن جواب شافٍ أمراً ملزماً. كلٌّ منا يريد بل عليه أن يعرف الحقيقة في شأن آخرته. يريد أن يعرف هل الموت هو خاتمة وجوده أم هناك شيء يتخطَّى الموت؛ وهل يُتاح له أن يرجو حياة أخرى أم لا. 
 
من لا يستطيع أحد أن يُفلِت من هذه الأسئلة، لا الفيلسوف ولا الإنسان العادي. بالجواب على هذه الأسئلة تتعلق مرحلة حاسمة من مراحل البحث: هل بالإمكان الوصول إلى حقيقة شاملة ومطلقة؟ مبدئياً كل حقيقة، وإن جزئية، إذا كانت بالفعل حقيقة، هي عندنا حقيقة شاملة. ما هو حق يجب أن يكون حقاً في كل مكان وكل زمان. إلاّ أن الإنسان يطلب، بالإضافة الى هذه الشموليّة، مطلقيّه قادرة على أن تؤدّي جواباً ومعنى لمطلبه، وتكون شبه مرجعية أخيرة ومرتكز لكل شيء. إن ما يطلبه الإنسان إنما هو–بتعبير آخر–تعليل نهائي وقيمة قصوى ليس من بعدها ولا يمكن أن يكون من بعدها أسئلة أو مراجع أخرى. 
 
لقد سعى الفلاسفة، على مرّ الأجيال، إلى الكشف والتعبير عن حقيقة من هذا المستوى، فعمدوا إلى إنشاء مذهب أو مدرسة فكريّة. بيد أن هناك، بالإضافة إلى المذاهب الفلسفية، تعابير أخرى يسعى الإنسان من خلالها إلى أن يضفي صيغة على «فلسفته» الخاصة. هذه الفلسفة الخاصة إنما هي مجموعة من القناعات والخبرات الشخصيّة والتراثات العيلية والثقافية والمسيرات الوجوديّة يتكىء فيها الفرد على سلطة معلم. وإن ما يبقى نابضاً في هذه الظاهرات إنما هو التوق إلى بلوغ يقين الحقيقة وقيمتها المطلقة. 
 
يجب ألاّ يغيب عن ذهننا أن العقل نفسه بحاجة إلى أن يظلّ مدعوماً في سعيه، بفعل حوارٍ واثق وصداقة مخلصة. جوّ الريبة والحذر الذي يحيط أحياناً بالبحث الفكري يذهل عن تعليم الفلاسفة الأقدمين الذين كانوا يحسبون الصداقة قرينة من أهم القرائن لإجادة الفلسفة
 
ينتج مما قلت إلى الآن أن الإنسان ينتهج في البحث طريقاً لا نهاية له بشرياً: بحث عن الحقيقة وبحث عن شخصٍ يضع فيه ثقته. ويستطيع الإيمان المسيحي أن يساعده ويؤهله عملياً ليُفلح في هذا البحث. الإيمان المسيحي يتخطىَّ مجرّد التصديق ويُدخل الإنسان في نظام النعمة الذي يمكنّه من المشاركة في سرّ المسيح الذي يخوّله أن يعرف الله واحداً في ثلاثة أقانيم معرفة راهنة ومتراصّة. وهكذا يكتشف الإيمانُ في يسوع المسيح–الإله الحق–الدعوةَ القصوى الموجّهة إلى البشرية، لتتمكّن من تحقيق ما توجسه من شوق وحنين. 
 
هذه الحقيقة التي يكشفها الله لنا في يسوع المسيح لا تناقض الحقائق التي ندركها بالفلسفة. فكلا هاتين المرتبتين في المعرفة تقودنا، بالعكس، إلى كمال المعرفة. وحدة الحقيقة هي من أسس مسلّمات العقل البشري، يعبّر عنها مبدأ اللاتناقض. ونجد في الوحي يقين هذه الوحدة عندما يؤكد لنا أن الإله الخالق هو أيضاً إله تاريخ الخلاص.
 
من منطلق هذه الأفكار العموميّة، لا بدّ الآن من أن ندقِّق مباشرة في العلاقة بين الحقيقة الموحاة والفلسفة. هذه العلاقة تفرض علينا اعتباراً مزدوجاً، وذلك بأن الحقيقة المستقاة من الوحي هي نفسها الحقيقة التي ندركها في ضؤ العقل. والواقع أنه يتعذّر علينا أن نستوضح العلاقة الصحيحة بين الحقيقة الملهمة والعلم الفلسفي. 
 
الصلات بين الإيمان والعقل :
تقول الرسالة البابوية: يروي لنا كتاب أعمال الرسل كيف اصطدم البلاغ المسيحي منذ البداية بالتيارات الفلسفية السائدة في ذلك العهد. ويورد نفس الكتاب النقاش الذي جرى في أثينا بين بولس و«بعض الفلاسفة الإبيقوريين والرواقيين» (17، 18). التحليل التفسيري لهذا الخطاب في ساحة الأريوباغس يبيّن لنا بوضوح تلميحات كثيرة إلى معتقدات شعبية معظمها من مصدر رواقي. ولم يكن ذلك من باب الصدف. فالمسيحيون الأوَّلون لم يَقْصُروا استشهادهم على «موسى والأنبياء»، في خطبهم إلى الوثنيين، ليفهموا مضمون كلامهم، بل عمدوا أيضاً إلى معرفة الله الطبيعية، وإلى صوت الضمير الأدبي عند كل إنسان (را روم 1، 19-21؛ 2، 14-15؛ رسل 14، 16-17). ولكن لما كانت هذه المعرفة الطبيعية، في الديانة الوثنية، قد هوت في الصنميّة (را روم 1، 21-32) فقد رأى الرسول من دواعي الحكمة أن ينيط خطابه بفكر الفلاسفة الذين كانوا، منذ البداية، قد جابهوا الديانات الأسطورية والطقوس الأسراريّة بنظريات تراعي السموّ الإلهي. 
 
من أهم الجهود التي بذلتها الفلسفة الكلاسيكية تمحيصُها للمعتقدات الدينية من أدرانها الميتولوجيّة. ونعرف أن الديانة الإغريقية لم تكن، هي أيضاً، لتختلف كثيراً عن معظم الديانات الكونية الأخرى في اعتناقها الشرك وتأليه الأشياء والظاهرات الطبيعية. إن المحاولات التي بذلها الإنسان ليدرك أصل الآلهة وأصل الكون من خلالها تحققت أولاً في الشعر. فالملحمات الثيوغونية (الباحثة في أصول الآلهة وأنسابهم) لا تزال حتى اليوم أولى دلائل هذا السعي البشري. وأما الرباط القائم بين العقل والدين فيعود الفضل في إظهاره إلى آباء الفلسفة. لقد رفعوا نظرهم إلى أبعد من ذلك، إلى المبادىء الشاملة، ولم يكتفوا بالأساطير القديمة بل أرسَوا معتقدهم  في الألوهة على مرتكزٍ عقلي. وهكذا انتهجوا طريقاً تحوّلت عن التقاليد القديمة الخاصة وأفضت إلى تطوّر فكري يتلاءم ومقتضيات العقل الشامل. وكانت الغاية من هذا التطوّر إخضاع المعتقد لحكم الوعي الناقد. وكان أول من استفاد من هذه المسيرة النقدية فكرة الألوهة. فأُقِرَّت خُرافية الأساطير وطُهِّرت الديانة، وإن جزئياً، بفضل التحليل العقلاني. على هذا الأساس سعى آباء الكنيسة إلى إقامة حوار مثمر مع الفلاسفة القدامى، مفسحين الطريق إلى التبشير بإله يسوع المسيح وتقريبه من الأذهان. 
 
عندما نلمح إلى هذه الحركة التي قرّبت المسيحيين من الفلسفة، لا بدّ من أن نذكّر أيضاً بالمواقف الفطينة التي دفعتهم إليها عناصر أخرى من العالم الثقافي الوثني، كالغنوصية مثلاً. لقد كان من اليسير أن يقع التباس بين الفلسفة بصفتها حكمة عملية ومدرسة حياة، ونمطٍ من المعرفة الراقية والباطنيّة، هو الذي ألمح، ولا شك، إليه القديس بولس في رسالته التحذيرية إلى أهل قولوسي: «إياكم وأن يخلبكم أحد بالفلسفة، بذلك الغرور الباطل القائم على سُنّة الناس وأركان العالم، لا على المسيح» (قول 2، 8). كلمات الرسول هذه تبدو لنا على جانب كبير من الواقعية إذا قارنَّاها بمختلف أشكال الباطنية الرائجة اليوم حتى في أوساط بعض المؤمنين الذين لا يملكون أدنى قدرٍ من الحس النقدي. ثمة كُتّاب آخرون من القرون الأولى من مثل القديس إيريناوس وترتليانس، ساروا في خطى القديس بولس فأبدوا تحفظاتهم على بعضٍ من المواقف الثقافية المدّعية إخضاع الحقيقة المنـزلة لتأويل الفلاسفة. 
 
ملتقى المسيحية والفلسفة لم يكن إذن فوريّاً ولا هيّناً. ولقد اعتبر المسيحيون الأولون ممارسة الفلسفة ومخالطة المدارس الفكريّة مبعث قلقٍ لا سانحة حظ. لقد كان الواجب الأول والمُلِحّ، في نظرهم، المناداة بالمسيح الناهض وذلك ضمن لقاء شخصي يمكن أن يقود المخاطَب إلى توبة القلب وطلب المعمودية. ولا يعني هذا أنهم تخلّوا عن واجب التعمق في فهم الإيمان وحوافزه، بل بالعكس. ومن ثم فالحمْلة الانتقادية التي شنهَّا شلسيوس على المسيحيين بتهمة أنهم قوم «أميّون وأفظاظ» تبدو لنا جائرة وبلا أساس. هذه اللامبالاة في بداية العهد المسيحي، يجب أن نعزوها إلى سبب آخر. والواقع أن الذين التقوا الإنجيل أصابوا فيه جواباً مقنعاً على السؤال عن معنى الحياة، وكان قد بقي حينئذٍ بلا جواب، فبدت لهم مخالطة الفلاسفة شأناً بعيداً تخطَّاه الزمن إلى حدٍّ ما. 
 
وهذا ما يبدو لنا اليوم أكثر وضوحاً إذا فكّرنا في مساهمة المسيحيّة في تأكيد الحق الشامل في الوصول إلى الحقيقة. فالمسيحيّة من بعد أن نقضت الحواجز العنصرية والاجتماعيّة والجنسيّة، منذ مطلع تاريخها، هبَّت تنادي بمساواة جميع البشر أمام الله. وأول نتيجة من نتائج هذه النظرية كان لها صلة بقضيّة الحقيقة. لقد تخطّت المسيحيّة بلا رجعة الطابع النخبوي الذي اتخذه البحث الفلسفي عند القدامى: فما دام الوصول إلى الحقيقة منحةً تخوّل الوصول إلى الله، فالجميع مخوّلون السير في هذا الطريق. المسالك المؤديّة إلى الحقيقة متنوّعة وكثيرة: ولكن، بما أن الحقيقة المسيحيّة تتميّز بقدرتها الخلاصيه ، فكلٌّ من تلك الدروب تصبح سالكة، ما دامت تفضي إلى الغاية الأخيرة وهي الوحي بيسوع المسيح. 
 
من بين روّاد اللقاء المثمر بالفكر الفلسفي، وإن تميّز بشيء من النقد المتحفظ، لا بد من أن نذكر القديس يوستينوس: فمع احتفاظه، حتى من بعد اهتدائه، بقدر كبير من التقدير للفلسفة اليونانية، كان يؤكّد بقوة ووضوح أنه وجد في المسيحيّة «الفلسفة الوحيدة الآمنة والمفيدة.
 
وكذلك القديس إقليمنضس الإسكندري الذي كان يتوسّم في الإنجيل «الفلسفة الحقيقية» ويشبّه الفلسفة، من باب القياس، بالشريعة الموسويّة، ويرى فيها تعليماً ممهِّداً للإيمان المسيحي ومدخلاً إلى الإنجيل. بما أن «الفلسفة تطلب الحكمة التي قوامها استقامة النفس والكلام ونقاوة الحياة، فهي تملك مؤهلات حب وصداقة تجاه الحكمة وتسعى كل جهدها للوصول إليها. الفلاسفة عندنا هم المغرمون بالحكمة خالقة الكون ومربيّته، أي المغرمون بمعرفة ابن الله.في نظر الإسكندري، الفلسفة اليونانيّة لا تهدف أولاً إلى إكمال الحقيقة المسيحية ودعمها: مهمتها هي الدفاع عن الإيمان: «تعليم المخلّص يكفي ذاته وليس بحاجة إلى أي شيء آخر، ما دام هو «قوة الله وحكمة الله»؛ وعندما تنضاف الفلسفة اليونانيّة، فهي لا تجعل الحقيقة أكثر قوة، بل توهي هجمات السفسطائيّة عليها وتحبط فخاخها، ولذا سميّت بحق سياج الكرم وسوره.
 
في تاريخ هذا التطوّر، نلحظ أن المفكرين المسيحيين قد اعتمدوا الفكر الفلسفي بطريقة نقديّة.
 
مأساة الفصل بين الإيمان والعقل  :
مع ظهور الجامعات الأولى، كان لا بدّ للاهوت من أن يواجه، بطريقة مباشرة، أشكالاً أخرى من البحث والمعرفة العلمية. وكان القديس ألبرت الكبير والقديس توما الاكوينى  في طليعة المعترفين بضرورة التسليم باستقلالية الفلسفة والعلم في مجالات أبحاثهما، مع المحافظة على العلاقة العضوية بين اللاهوت والفلسفة. ولكن مع نهاية العصر الوسيط، أخذ الفرق الشرعي بين علمي اللاهوت والفلسفة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى انفصال مشؤوم. فبسبب ما كان هنالك من روح عقلانية متشدّدة عند بعض المفكرين، تحجّرت المواقف إلى حدّ الوصول، فعلياً، إلى فلسفة معزولة ومستقلّة مطلقاً عن محتوى الإيمان: وبدأت تنمو في النفوس أيضاً، بنتيجة هذا الانفصام، عاطفة متنامية من الحذر تجاه العقل ذاته، فأخذ البعض ينادون بموقف شامل من الحذر والريبة واللاأدرية، وذلك إمّا ليفسحوا للإيمان مجالاً أوسع وإمّا ليندّدوا بكلِّ مرجعيّة عقلانية للإيمان. 
 
وخلاصة القول أن ما توصّل إليه الفكر الآبائي والوسيطي من إقامة وحدة عميقة وفاعلة تُولِّد معرفة قادرة على الوصول إلى أرقى أشكال الفكر النظري، هذا كله قد انهار، عملياً، تحت وطأة المذاهب المنادية بمعرفة عقليّة مفصولة عن الإيمان وتحلّ محلّه. 
 
في إطار البحث العلمي توصّلت تلك المذاهب الفلسفية إلى فرض ذهنية وضعيّة لم تكتفِ بالابتعـاد عن كل نظرة مسيحية إلى العالم، بل أهملت أيضاً وخصوصاً كل مرجعيّة إلى أي رؤية ميتافيزيقية وأخلاقية. وبالتالي، فهناك قبضة من رجال العلم فقدوا كل مرجعيّة أدبيّة فلم يعد الإنسان ومجمل حياته محور اهتمامهم. وينضاف إلى ذلك أن بعضاً منهم، لعلمهم بالطاقات المخزونة في التطوّر التكنولوجي، أخذوا ينقادون لا لمقتضيات السوق بل لما تسوّله لهم نفوسهم من تسلّط مقتدر على الطبيعة وعلى الكائن البشري نفسه. 
 
هناك أخيراً العدمية التي جاءت نتيجة أزمة العقلانية. وقد أفلحت، بوصفها فلسفة العدم، في أن تخلب أذهان معاصرينا. ويعتنق مناصروها نظرية البحث لأجل البحث، بدون أملٍ وبدون أي إمعان للتوصل إلى الحقيقة. في نظر التأويل العدمي، ليس الوجود سوى سانحة يختبر فيها الإنسان من الأحاسيس والخبرات ما يجعل للفانيات المكان الأول. العدمية هي مصدر العقلية الشائعة والقاضية بأن على الإنسان ألاّ يتقيّد بالتزام دائم. ولا غرو فكل شيء عابر ووقتي. 
 
ويجب ألاّ ننسى، من جهة أخرى، أن دور الفلسفة نفسه قد تغيّر في الثقافة المعاصرة؛ فمن كونها حكمة وعلماً شاملاً انحدرت شيئاً فشيئاً لتمسي مجرّد حيّز من المعرفة البشرية الكثيرة، لا بل قُصِرت مهمتها، في بعض وجوهها، إلى مجرّد دور هامشي. في هذه الأثناء، ترسَّخت أشكال أخرى من النشاط العقلاني بقوة متزايدة، وهدفها التركيز على هامشية العلم الفلسفي. هذه الأشكال العقلانية تنـزع أو بإمكانها أن تنـزع إلى أن تكون «وسيلة وظيفية» في خدمة الأهداف المنفعية، أهداف الامتلاك أو التسلط، بدلاً من أن تتجه إلى تأمل الحقيقة والبحث عن الغاية الأخيرة ومعنى الحياة. 
 
في أولى رسائلي العامة لفتُّ النظر إلى خطر اعتبار هذه الطريقة أمراً مطلقاً، وكتبت في هذا الشأن: «إنسان اليوم يبدو دائماً مهدّداً بما يصنعه، أي بنتيجة عمل يديه، وبالأكثر بعمل ذهنه ونزعات إرادته. ثمار هذه النشاطات المتنوّعة التي يقوم بها الإنسان لا تُنتزع فقط من بين يديه، بطريقة سريعة وغير منتظرة، بل ترتدّ أحياناً بنتائجها على الإنسان نفسه ولو بطريقة جزئية وغير مباشرة، فتتوجه أو يمكن أن تتوجه ضده. على هذا يقوم ربما الفصل الأساسي من مأساة الوجود البشري اليوم في بعده الأوسع والأشمل. فالإنسان يعيش أكثر فأكثر في دوامة الخوف؛ إنه يخشى أن ترتد عليه منتوجاته، لا كلها طبعاً ولا معظمها بل بعضها، وبخاصة تلك التي تتضمن جزءاً ملحوظاً من عبقريته وقدرته الخلاقة ».
 
من جراء هذه التغيّرات الثقافيّة، أعرَض بعض الفلاسفة عن التماس الحقيقة في ذاتها واتخذوا لهم هدفاً وحيداً الحصول على يقين شخصي أو على منفعة عملية؛ فنتج عن ذلك ادلهمام العقل في كرامته الحقيقية وعجزُه عن معرفة الحق والبحث عن المطلق. 
 
كلام الله ومقتضياته الملزمة  :
يحتوي الكتاب المقدّس، بطريقة ظاهرة أو متضمنة، على مجموعة من العناصر تمكّننا من الوصول إلى تصوّر للإنسان والعالم يتميّز بكثافة فلسفية حقيقية. لقد أدرك المسيحيون شيئاً فشيئاً غنى هذه النصوص المقدّسة. وما يتضح من ذلك أن الواقع الذي نختبره ليس بالأمر المطلق: فلا هو غير مخلوق، ولا يتولّد من ذاته. الله وحده مطلق. ثم إن صفحات الكتاب المقدّس ترسم لنا الإنسان مخلوقاً على صورة الله، مع ما تتضمنه هذه الرؤية من عناصر محدّدة تتناول كيانه وحرّيته وخلود روحه. وبما أن العالمَ لا يحظى باكتفاء ذاتي فكل وهم استقلالي يتجاهل العلاقة الجوهرية التي تنيط كل خليقة والإنسان نفسه بالله، يفضي حتماً إلى أوضاع مأساويّة تلغي البحث العقلاني عمّا يميز الوجود البشري من تناغم ومعنى. 
 
معضلة الشرّ الأدبي ـ وهي أتعس أشكال الشر _ يعالجها الكتاب المقدّس أيضاً، مؤكداً أن الشرّ لا ينجم عن نقصٍ في المادّة بل عن جرحٍ في الإنسان مصدره انحراف في استعمال الحريّة البشرية. ونجد في كلام الله أخيراً إيضاحاً لمعنى الوجود وجواباً يوجه الإنسان إلى يسوع المسيح كلمةِ الله المتجسّد، وفيه ملء كمال الوجود البشري. ثمة نواحٍ أخرى يمكن تفسيرها انطلاقاً من قراءة النص المقدّس. وعلى كل، فما ينتج عن ذلك كله إنما هو رفض كل شكل من أشكال النسبويّة والماديّة والحلولية. 
 
تعريفات :
الكنيسة الكاثوليكية :  الكنيسة الكاثوليكية الرسولية المقدسة وهذا اسمها الرسمى أكبر الكنائس المسيحية ، وتعنى كلمة كاثوليكية، أى الجامعة، حيث تنتشر فى القارات الستة؛ فحسب الدراسة التي أعدّها مركز (بيو) حول الدين والحياة العامة لعام 2017 ، فإن  المسيحية الكاثوليكية تأتي في مقدمة الطوائف المسيحية ، ويقدر عدد أتباعها نحو 1.13 مليار نسمة (17.33% من البشرية، 51.4% من المسيحية) . يشكل المنتمين إلى الطقس اللاتيني الغالبيّة العظمى من اتباع الكنيسة الكاثوليكية ويصل عددهم نحو 1.1 مليار نسمة. وأكثر ما يميز العمل الكنسي الكاثوليكي على المستوى العالمي السياسي هو التمثيل الدبلوماسي، فالكنيسة الكاثوليكية هي المؤسسة الدينية الوحيدة التي لها تمثيل دبلوماسي مع 179 دولة، وعضو فى أغلب المؤسسات والهيئات الدولية ..  
 
 ينسب تأسيس  الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إلى القديس بطرس أحد تلاميذ المسيح  الذى بشر روما، حيث قضى فيها نحو 25 عامًا قبل أن يسنشهد خلال اضطهاد المسيحيين أيام الإمبراطور نيرون عام 67، ويرأسها من ذلك التاريخ باباوات يلقبون بنائب المسيح وخليفة بطرس الرسول أو أسقف روما، ومقره الفاتيكان. ينصبون بانتخاب من مجمع الكرادلة وهو بمثابة مجمع من رؤساء الكنائس التى  خارج روما.
 
يقوم على خدمة الكنيسة  نظام كهنوتى  هرمى، الاسقف ، القس ، الشماس   منذ القرن الثالث الميلادى ، مقتبس من النظام الإدارى فى الامبرطورية الرومانية  : البابا الاسفف الاول بين الاساقفة ، المطران وهو أسقف كبير وذو أقدمية ويكون عادة أسقفا على الأبارشية المهمة من حيث الحجم، أو التاريخ، أو كلاهما ،الاسقف وهو رئيس قساوسة الكنائس الواقعة داخل سلطته/ القس هو كاهن الكنيسة بقوم يكافة الممارسات والخدمات الدينية /الشماس هو خادم الكنيسة ويقوم بمعاونة الكاهن في أداء الخدمات الدينية) .، وتتفق الكنيسة الرومانية الكاثوليكية مع الكنائس الأرثوذكسية في درجات النظام الكهنوتي إلا أن البابا في الكنيسة الكاثوليكية يتمتع بسلطات أعلي من نظيره في الكنيسة الأرثوذكسية. أما البروتستانت فلا يعترفون إلا بدرجتين فقط من درجات هذا النظام وهما(القس والشماس)   .بقوم على خدمة الكنيسة الكاثوليكية:  ستة آلاف أسقف ، وأكثر من أربعة مليون كاهن ، و أكثر من 1.2 مليون مكرس (راهب وراهبة) ، 75% راهبات .  
 
تتشكل الكنيسة الكاثوليكية فى مصر، من سبع طوائف ، هى الأقباط  وهم أغلبية، اللاتين، الروم الكاثوليك، الموارنة، الأرمن، الكلدان، السريان؛ تتبع  جميعها، ماعد اللاتين، البطريركيات الكاثوليكية في الشرق العربي، وهذا ما يضفي عليها مزيداً من الغنى في التراث المسيحي، والتقاليد الكنسية، وكثيراً من الثراء، والتنوّع الليتورجي، الخاص بكل كنيسة من خلال سبع ليتورجيات مختلفة. هذا التراث الفريد للكنائس الكاثوليكية في مصر، يعطي مزيداً من الحيوية والتجديد الروحي لمؤمني الكنيسة المصرية.
 
المذاهب المسيحية : شهد العالم المسيحى مع بداية القرن الخامس ، انقسامات متتالية، بدأت مع مجمع خلقيدونية (451م) حيث ابتعاد الأقباط والسريان والأرمن عن شراكة الكنيسة الكاثوليكية. ، نشأ الانشقاق بسبب الخلاف حول طبيعة المسيح : كيفَ هو إلاله وإنسان في آنٍ واحد ؟ كيف يمكنُ أن يُفَّسَرَ ذلك؟. وكان الأساقفةُ ورؤساء الكنائس يتعاطون علم الفلسفة، فحاولوا شرحَ هوية يسوع بكلام فلسفي. المسيحُ واحدٌ. لكنه في نفس الوقت كإله وانسان. هل هو شخصان مختلفان ، فكيف تقومُ الوحدة بينهما ؟ أم هو شخصٌ واحد، فكيف التوفيق بين طبيعتِه الإنسانية والإلهية؟ لأنه يتصَّرفُ فعلا كإلاهٍ حق وإنسان حَّق.  وفى القرن الحادي عشر انفصلت كنائس القسطنطينية وانطاكيا وشقيقاتها الأورثوذكسية الخلقيدونية عن الكنيسة اللاتينية الكاثوليكية ، بسبب الخلاف حول قرار البابا ليو التاسع، الذي يطالب بأن يكون له سلطة على البطاركة اليونان الأربع في الشرق، وبعض الممارسات الطقسية .   وفي القرن السادس عشر (سنة 1529) قام مارتن لوثر بثورة ضد الكنيسة الكاثوليكية (أطلق عليها ثورة الإصلاح) ، اعترضا على بعض الممارسات البابوية ، وأطلق على أتباعه لقب المحتجين (البروتستانت).  وحدث داخل الكنيسة البروتستانتية انقسامات كثيرة أفرزت طوائف عديدة  .  
 
 الرهبنة الكاثوليكيّة : هي نهج حياةٍ تقرّ بها الكنيسة من أجل الرجال (نسّاك، كهنة، رهبان) أو النساء (ناسكات، راهبات) الّذين يلزمون أنفسهم أمام رؤسائهم الشرعيّين بأن يتبعوا المسيح بالكامل من خلال «النصائح الإنجيليّة» في نذر الفقر، أي التخلّي عن كلّ امتلاكٍ شخصيّ، والعزوبيّة أي التخلّي عن الزواج والإنجاب (العفّة)، والطاعة للرؤساء في الرهبنة. ويقال أن هذا النمط من الحياة الرهبانية انتقل من مصر إلى الغرب على أيدى عدد من الأساقفة الكاثوليك الذين جاءوا إلى مصر هربا من الاضطرابات الأريوسية في منتصف القرن الرابع الميلادي.
 
طائفة الأقباط الكاثوليك :  يقال إن كلمة كثلكة عرفت في مصر بعد الحملة الفرنسية 1798م حيث كتبها الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر ورئيس ديوان القاهرة، على أثر التأثير الثقافي للحملة ، يعود تأسيس كنيسة الاقباط الكاثوليك من بعد انفصال الأقباط الارثوذكس عن الكنيسة الكاثوليكية إلى العام 1687 ، بقرار من الكرسى الرسولي (بابا الفاتيكان)،  إقامة نيابة رسولية تحت إشراف الآباء الفرنسيسكان.ثم استلمها أيضا أسقف جرجا الأنبا أنطونيوس فليفل عام 1758م ومن بعده تولى إدارة شؤون الأقباط الكاثوليك النواب الرسوليون حتى عام 1824 م حتى تمكن الكرسى الرسولى  من الحصول على سماح السلطات العثمانية – التي كانت تحكم مصر حينها – بتنصيب بطريرك للأقباط الكاثوليك، ولكن تلك الموافقة كانت حبر على ورق ، وفي عام 1829 م سمح الأتراك للأقباط الكاثوليك ببناء كنائسهم الخاصة. 
 
 ووفى 21 نوفمبر 1895 م أصدر بابا الكاثوليك البابا ليون الثالث عشر منشوراً بعنوان المسيح الرب تضمن المنشور قراره بتنصيب بطريرك للأقباط الكاثوليك، وفي ذات العام قسمت الطائفة  إلى ثلاث أبرشيات وفي عام 1899 م أًقيم الأنبا كيرلس الثاني بطريركا للإسكندرية على الأقباط الكاثوليك ، ومقره القاهرة واستمرت ولايته حتى عام 1908 م، ومن بعده بقي الكرسي البطريركي شاغرا مدة أربعين عاما ولكنه كان يدار من قبل الأنبا مكسيموس صدفاوي ، حتى نصب مرقس خزام عام 1947م.  وتتكون من 7 ابروشيات، ويقدر عدد ابناءها بنحو 200 الف نسمة .  وهى إحدى الكنائس الشرقية التى ترتبط بشركة مع الكنيسة الكاثوليكية الجامعة .
 
المجنع الكنسى :    وهي المصدر الثالث من مصادر التَّقليد والتشريع المسيحي، ويُقصد بالمجامع اجتماع آباء الكنيسة لتقرير مسألة خاصَّة بالدِّيانة المسيحية. وقد تأخذ طابع محلي أو مسكوني.
 
المجمع الفاتيكاني الثاني :  هو مجمع كنسي كاثوليكي (جمعية عمومية) يعتبر بحسب الكنيسة الكاثوليكية المجمع المسكوني الحادي والعشرون . انعقد بدعوة من البابا يوحنا الثالث والعشرون  بين عامي 1962 و 1965 ، وصدر عنه جملة من المقررات والمراسيم والدساتير،. تمخضت إصلاحات مختلفة في جسم الكنيسة كان أبرزها التخلي عن استعمال اللاتينية في الصلاة وإبدالها باللغات المحلية، والانفتاح على العالم والعلاقات مع الأديان الأخرى، والإقرار بالحركة المسكونية وغيرها.
 
-مفهوم القرون الوسطى : هي الفترة مابين 476 م  أي العام الذي سقطت فيه الإمبراطورية الرومانية الغربية على يد الجرمان إلى العام 1453 م عام سقوط القسطنطينية على يد العثمانيين وانتهاء حرب المائة عام بين فرنسا وإنجلترا.       
 
القديس أغسطينوس (354 – 430م) ، راهب واسقف وفيلسوف، ولد ، في طاغشت من أعمال نوميديا (الجزائر اليوم)، درس في مدرسة المدينة، ثم انتقل إلى قرطاجة وروما وميلانو، ارتد عن المسيحية في صباه، وتنقل بين الثقافة اليونانية والثقافة المانوية والثقافة اللاتينية، وكان يحضر حلقات الأفلاطونيين المحدثين أتباع فلسفة أفلاطون،  كتب في اعترافاته سنة 400م، إن التعاليم الأفلاطونية مهدت لإعتناقه المسيحية، جعل موضوعي الإيمان والعقل، المحورين الأساسيين في حياته، فهو صاحب المبدأ الذي يقول "أومن كي أعقل"، عاش راهبا كثير التنقل، يكتب ويراسل وينقد المانوية ويدافع عن المسيحية. وفي عام 396م، أصبح أسقفا لمدينة هيبو في الجزائر حتي وفاته عام 430م.
 
الغنوسية ، : اخطر الهرطقات التى تعرضت لها المسيحية الاولى ، وهي خليط من الفلسفة اليونانية والتصوف الشرقى (وهذا إبتدعته جماعة يهودية اسمها الأسينية، فهم دعوا للتقشف والزهد وعدم الزواج وإحتقار المال، وهؤلاء شككوا في القيامة).
 
الافلاطونية المحدثة : مدرسة صوفية فلسفية ، تكونت في القرن الثالث، مبنية على تعاليم أفلاطون وتابعيه الأوائل، ويعد أفلوطين وأستاذه أمونيوس سكاس من المساهمين الأوائل في تلك الفلسفة، ترتكز الأفلاطونية المحدثة على الجوانب الروحية والكونية في الفكر الأفلاطوني مع مزجها بالديانتين المصرية واليهودية.
 
رهبنة الفرنسيسكان: أحدى الرهبانيات كاثوليكية الكبرى العالمية ، أسسها القديس فرنسيس الأسيزي (ت 1226) في القرن الثالث عشر، وتقوم بالأساس على روحانية فرنسيس الأسيزي  .
أما  حقل رسالتهم فهو التبشير وخدمة النفوس. لذا لايرتبطون  برسالة محددة ولايتجهون لفئة معينة  من الناس؛ بل خدمة كل احتياجات الكنيسة، لذا من الطبيعى أن  نجد منهم الراهب البسيط  الذى ينشغل بشئون الدير بجانب الصلاة والتأمل الدير، والعالم اللاهوتى .
 
رهبنة اليسوعيين (الجوزيت) : هي رهبانية كاثوليكية ذكورية أسسها القديس أغناطيوس دي لويولا (1591 - 1656) منذ حوالي خمسة قرون، وتعد منذ تأسيسها  الرهبنة "الأكثر حداثة وفاعلية فى الكنيسة" ،  لكونها أدخلت تجديد فى نمط الحياة الرهبنية ، ولها نشاط واسع في حقل الثقافة والتعليم والتربية والبحث العلمي والخدمة الاجتماعية، ولها حول العالم عدد كبير من المؤسسات التعلمية، مثل: المدارس والكليات والجامعات. 
 
 رهبنة الدومينكان :  أسسها القديس دومينيك (عبد الأحد)  وهو واعظ ولاهوتى أسبانى مع ستة رفقاء بين سنتي 1215 و 1219 ، لاجل القضاء على الهرطقات التي ظهرت آنذاك، وتثبيت الإيمان الكاثوليكي، عن طريق الوعظ ، ولهذا عرفت أيضاً باسم رهبنة الأخوة الواعظين، منح الباباوات أعضاءها صلاحيات واسعة في الأعمال الرعوية، كما شغلوا مراكز بارزة في محيط الرئاسة الروحية الكنسية، اشتهر منهم القديس ألبرت الكبير والقديس توما الأكويني، عرفت باتجاهها العلمي والثقافي، ولهذا نالت  أهمية كبيرة في الكنيسة الكاثوليكية.
 
أخوة المدارس المسيحية (الفرير) : تشكلت البذور الأولى لرهبنة إخوة المدارس المسيحية في عام 1680، حيث أدرك القديس دي لاسال، بعد سنتيْن من رسامته ككاهن شاب في مسقط رأسه رينز في فرنسا، حاجة الأطفال المشردين والفقراء إلى التعليم. لذلك قامت دعوته في البداية على عيش الإيمان المسيحي من خلال نشر التعليم وتوفير التربية الصالحة في أوساط الفقراء وافتتاح مدارس مجانية لهم. وفي عام 1684 تأسست مع عدد من المعلمين  رهبنة، وشكّل المعلمون الأوائل الدعائم الأساسية لها. وجدت هذه الدعوة صدى لها في جميع أنحاء العالم بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا في فلسطين والأردن وتركيا ومصر ولبنان. وأصبح ينتمي إلى الرهبنة آلاف الإخوة في أكثرَ من 80 دولة ، يديرون 6500 مدرسة وجامعة تضم اكثر من 1.2مليون طالب.
 
العلمانيون مصطلح كنسى يعنى من هم ليسوا رهباناً أو قساوسًة.
 
المراجع :
دستور العقائدي في الإيمان الكاثوليكي ن نور الامم – وثائق  المجمع الفاتيكانى الثانى  .
دستور عقائدى فى الوحى الالهى  ، كلمة الله - وثائق المجمع الفاتيكانى الثانى  .
دستور عقائى فى الكنيسة فى عالم اليوم ، فرح وؤجاء – وثائق المجمع الفاتيكانى الثانى  .
بيان فى التربية المسيحية  ن أهمية التربية - وثائق المجمع الفاتيكانى الثانى .
مجمع عقيدة الإيمان، تعليم "هبة الحياة" عن احترام الحياة البشرية قبل الولادة وكرامة الإنجاب 1987 ، أعمال الكرسي الرسولي 80 (1988)، 70 – 102.
مدينة الله ، القديس اغسطينوس ، ترجمة الخور اسقف يوحنا الحلو ، دار المشرق اللبنانية 2004
تاريخ الفلسفة الاوربية فى العصر الوسيط  ، الفصل التاسع القديس توما الاكوينى  ،  يوسف كرم ، القاهرة  1946
- تاريخ الفلسفة اليونانية ، برتراند رسل ، ترجمة زكى نجيب محمود ، الناش لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ، الطبعة الثانية 1935
إشكالية العدالة و الدولة و القانون في اللاهوت المسيحي في العصر الوسيط . المؤلف عز العرب لحكيم بنانى ، الناشروزارة الاوقاف والشئون الدينية ، سلطنة عمان 2015
 
الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الاكوينى 5 أجواء ، ترجمة من اللاتينية  المطران بولس عواد ، الناشر المطبعة الادبية ، بيروت 1882 – 1908
مدينة الله ، القديس اغسطينوس ، ترجمة الخور اسقف يوحنا الحلو ، دار المشرق اللبنانية 2004
مصائر الفلسفة بين المسيحية و الإسلام، جورج طرابيشي ،  دار الساقي، الطبعة الأولى ١٩٩٨
لاهوت التحرير فى امريكا اللاتينية – نشأته ، تطوره، مضمونه ، الاب وليم سيدهم اليسوعى ، الناشر : دار المشرق ، بيروت 1993
لاهوت التحرير : التاريخ و السياسة و الخلاص، تأليف جوستافو جوتييرث الدومنيكاني، ترجمة ، الاب جون جبرائيل الدومنيكانيسلسلة اللاهوت المسيحي 2- دار الاكوينى
-لاهوت التحرير ، الاب انطون مالكى ، مثال – موقع الايمان الارثوذكسى .
- مجلة الصلاح، «نبذة تاريخية عن الآباء الفرنسيسكان»، يناير،(السنة 29)، القاهرة، 1958، ص5. 
- الكنيسة والعلم ، يوكبيديا الموسوعة العالمية
- سفر التكوين  ،  المصدر السابق
- الكنيسة والعلم تاريخ الصراع بين العقل الديني والعقل العلمي . تأليف: جورج مينوا ، ترجمة موريس جلال.  
- نظرية التطور - ما هي وكيف يراها العلم والدين والمجتمع ،سعـد لطفـي ، مجلة “ناشونال جيوجرافيك ، العدد الخاص بشهر مارس 2015 النسخة العربية .
- الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في م(1756 - 1986)، د. خالد محمد نعيم ،
- جمال البنا ،، الأقباط متحدون، حديث ،   بتاريخ 23 /2/2010 ، منشور
- تاريخ التربية ، مصطفى أمبن ، القاهرة ، الناشر دار الكتب ، المصرية  2019
 – العقل والإيمان في المسيحيّة ،    الأب مشير باسيل عون ، مقال ، الناشر المركز  الدائم للشبيبة المسيحية . - رسالة بابوية للبابا يوحنا بولس الثانى "العقل والايمان" ، مقال ، الارشمنديت اغناطبوس ديك ، موقع سلطانة الحبل بلا دنس .
- العقل والايمان ، جيمس سويندال ، ترجمة رامى رأفت .
- الاجانب وأثرهم فى المجتمع المصرى من سنة 1881 إلى سنة 19 ، د . نبيل عبد الحميد ،  دار الهلال ، سنة 2004 . 
- السياق التاريخي لتطوير التعليم المصري - مشاهد من الماضي والحاضر والمستقبل، حامد عمار  ، مكتبة الدار العربية للكتاب، 2005 .
- بيير  تيلار ده شاردان – سيرة ذاتية قصيرة  ، جون غريم ماري إف لين توكر ، تؤدمة اكرم انظاكى – موقع كعابر
- تيلارد دى شاردان ، فاضل كرومى ، مقال ، مجلة المسرة اللبنانية ، عدد ابريل 1968 .
-  فلسفة تيار دي شاردان في نظرية الكون الشمولي ، يوحنا بيداوي ، الناشر اخوية مريم العذراء حافظة الزروع في ملبورن  2003               
- الفلاحون، الأب الدكتور هنري عيروط اليسوعي، ترجمة الدكتورمحمد غلاب، الطبعة الثانية للنسخة المترجمة عام 1942
 
الفهرس
 
المو وع                                          الصفحة
المقدمة .........................................
الفصل الاول
الإيمان والفلسة ......................
ملحق رقم (1) توما الاكوينى
الفصل الثانى
الإيمان والعلم ............................
ملحق رقم (2) تيلار دى شاردان
الفصل الرالثالث 
الإيمان والتربية .....................................
ملحق رقم (3) روجر بيكون – العلم هو تاريخ أخطاء العلماء .
الفصل الرابع
الكنيسة الكاثوليكية المصرية والتعليم .................
ملحق (4) الاب هنرى عيروط رائد العمل الاجتماعى فى مصر
الفصل الخامس
الإيمان والعقل ................................
تعريفات ..........................................