ماجدة الجندى
إن كان الفيديو الأول «لطفل المرسيدس» قد أحدث نوعاً من الغضب، لما عكسه من تجاوز مفرط فى حق الدولة ممثلة فى رجل الشرطة الذى يؤدى عمله، وفى حق المجتمع الذى يأمل فى أن يسود القانون، فإن الفيديو «رقم اتنين»، الذى احتفل فيه «طفل المرسيدس» وعصبته بخروجه من القسم، رافعاً شعار «إحنا ما بنتحبسش» قد أحدث فزعاً أكبر وأشمل على مستقبل هذا البلد.. أنا لا يعنينى ابن من هذا «الجانح» ولا مين أهله ولا مستوى الدخل الذى كفل له أن يلعب وزمرته بسيارته المرسيدس، ولن أدخل فى نظريات تربوية، وسوف أمارس نوعاً من «التغاضى» المقصود عن الصدفة التى جعلت مالك السيارة، أياً كان، يبيعها على الورق فى أربع وعشرين ساعة وبمجرد ذيوع رائحة العطن الأخلاقى من «طفل المرسيدس»، لكن لا أستطيع أن أمرر السؤال البسيط عن نوعية «الحضَّانة» (بشدة فوق الضاد) التى أفرزت مثل هذا القاموس، وجعلت منه لغة طفل المرسيدس والجوقة العفنة التى شاركته فيديو الزهو الذى أخرج فيه لسانه لشعب كامل، ومعذرة فى الوصف.

نحن لسنا أمام حالة جنوح إجرامى وتعالٍ وشعور بالقدرة الفاجرة يمارسها صبى أرعن، بل نحن أمام تقيُّح أخلاقى لنوعية مفلوتة الزمام على كل الأصعدة، نوعية وصلت إلى سقف السب والقذف وهتك العرض والسوقية تلوك «عفنها وتقيحها» كلغتها الدارجة.. لن أتساءل عن نوعية «البيت» الذى يُنتج هذا النموذج، لأن كلمة «بيت» تشترط حداً أدنى لما تخرجه مهما «مال» أو تداعى، لكن أتساءل عن «المأوى» الذى تكوّن فيه طفل المرسيدس وزمرة العفن.. أحد الزملاء الإعلاميين اختصر المعنى بقوله أنه حين حاول كتم أو التشويش على الألفاظ الساقطة التى أطلقها طفل المرسيدس وحثالته فى فيديو احتفالهم، لم يجد ما يذيعه، ومعه كل الحق.. التقرير الذى وصلنا من الأخصائى النفسى أو الاجتماعى بعد العرض على النيابة والذى أوصى بضرورة إخضاع الصبى للتقويم، صدر بناء على الفيديو رقم واحد الذى تعدى فيه طفل المرسيدس على رجل الشرطة قولاً وفعلاً حتى كاد يدهسه، ولا أعرف بالضبط كيف سيكون الرأى بعد الفيديو الثانى الذى لم يكتف فيه الطفل وعصبته بخرق أعيننا والتأكيد أنهم «ما بيتحبسوش»، ولكنهم كشفوا من خلاله عن أنهم أشبه «بالصديد» الذى يضرب فى المجتمع، وما سخريتهم من القانون والدولة ممثلة فى جهازها الشرطى إلا «عرض سطحى»، بالقياس لما هم عليه. تعامل بعض الزملاء الإعلاميين بكثير من الكياسة الزائدة عن الحد عندما رأوا فى المسألة أنه «عيل وغلط»، والحقيقة أنه مشتل أو بروفة، إن لم يتم ردعها بحق وحقيقى، فسوف «ينتهكون» حرمات المجتمع فى وقائع أشبه بواقعة «فيرمونت» وربما بأسرع مما نتوقع.

نحن لسنا أمام واحد أخد العربية من ورا أهله وهو دون السن، نحن أمام «برميل بارود»، انفجاره سيكون فى وجه أى من أفراد هذا المجتمع، وعلى ذلك فإن الماعون الأول أو الحضّانة، تتحمل مسئوليتها كاملة، وعلى الدولة أن تمارس حقها فى الحفاظ على نفسها وعلى المجتمع. أنا أعى تماماً أن هناك حدوداً فى القانون وأن هناك أيضاً «ثغرات» يمكن النفاذ منها، ولعل عملية بيع السيارة على الورق أحد «التجليات العبقرية»، للتخلص من الفاعل الحقيقى الذى كان من الضرورى أن يتحملها، ولكى يكون كل شىء بالقانون، تاهت المسئولية الفعلية، أو الرسمية.

دلالات الفيديو الثانى لطفل المرسيدس تفوق الفيديو الأول، وفى عرفى تستوجب محاسبة قاسية للإطار الاجتماعى الذى عبأ قنبلة جرثومية بدلاً من أن يراعى الله والمجتمع فى مسئوليته، ورحم الله محمد عبده عندما اختزل المعنى فى قوله «من ليس له بيت.. ليس له أمة» يعنى مهما أوتيت من مكانة، أو أو، إن لم تقم بمسئوليتك الأولى فى رعاية حقيقية لبيتك، فليس فيك رجاء.
نقلا عن الوطن