د. فؤاد إبراهيم
توجد لغات حيّة ولغات ميّته. اللغة الحيّة هى التى يتعلمها الطفل من أمّه فى الصغر، ولذا تُسمىّ :"لغة الأم". أما اللغات الميّتة فلا يتعلمها اليوم أى طفل من امه فى الصغر.
أحيانا يتخيل الاوربى الذى يريد ان يقضى بعض السنوات فى بلد عربى للعمل أنه من الحكمة أن يتعلم اللغة العربية الفصحى كنوع من الإستعداد للتفاهم الأفضل مع الشعب العربى الذى سوف يعيس فى وسطه. ولك إن تتخيل صدمته حينما يدخل أحد المقاهى عندنا ولا يستطيع بلغته العربية الفصحى السليمة ان يطلب "فنجان أهوه عرّيحة"! ويجد الناس تضحك من كلامه، كما لو كان أبلهاً، كُلّما فتح فاه لكي يقول جملة عربية فصحى، رغم أنه يجيد النطق والقواعد وإختيار الكلمات.
يكتب د. أحمد الخميسيى فى "الدستور" فى 22 يناير2022 أن اللغة العامية ليست لغة "لأن اللغة تتألف من معجم كلمات ومنظومة قواعد، وهو ما لا يتوفر للعامية". هذا غير صحيح. فإن العامية لها معجم كلمات وقواعد يُدرّسها علماء اللغات، ولكن عامة الناس لاتعرف ذلك، لأنها لغة مضطهدة، لا تُدرّس فى مدارسنا. سأضرب للقارئ مثلا صغيرا لقواعد اللغة العامية: لو اردت ان تقول بالعامية:"أنا اتممت لك العمل معهم بسرعة وعدم دقة أوإخلاص." سوف تقول: "أنا كروتُهُملك" [من فعل: يكروت]. وفى حالة المفرد المؤنث يجب أن تقول: "أنا كروتهالك". أليست هذه قواعد، لأنه تُفرّق بين صيغة الجمع المُذكّر والمؤنث من ناحية، وصيغة المفرد المؤنث من ناحية أخرى؟ لقد كتب علماء العربية العامية هذه القواعد فى كتب أبحاثهم، ولكننا نرفض تعليم ابنائنا وبناتنا هذه القواعد لأننا لانحترم لغتنا التى نتكلمها.
يعتقد د. أحمد الخميسيى أن اللغة العاميية ليس لها معجم كلمات. قد يكون هذا صحيح الى حد ما، لان علماء اللغة المصريون أهملوها. لكن هذا لا يعنى أنها ليست غنية بالكلمات. بل هى، فى الواقع أغنى من الفصحى، لانها لغة حية وفى نمو وتطور دائم وسريع. "فمعجم" لغة افلام ثلاثينيات القرن الماضى يختلف عن "معجم" لغتى، وهذا بدوره يختلف عن "معجم" لغة أحفادى. أما اللغات التى توقفت عن الحياة والنمو والتطور فتبقى كما هى "محللك سر"، مثل اللغة اللاتينية واللغة المصرية القديمة وكذلك الى حد كبير اللغة العربية الفصحى.
يكتب د. احمد الحسينى "أن معجم كلماتها [كلمات اللغة العامية] فى معظمه عربى فصيح، ولأنه لا تتوفر لها منظومة قواعد رغم الاختلافات النحوية الطفيفة بين الفصحى والعامية". أود ان اعطيه مثلا يثبت عكس ذلك، كما فى الجملة الأتية: "ضربت تلفون للشيف بتاع الرسبشان علشان أشيّك على الرزرفيشان بتاع الجروب، فألّى اسستم بتاع الأوتيل داون، ومايقدرش يعملى كونفرميشان علشان هوه ماسيّفش الفايل على الكمبيوتر". ولو حاولنا ترجمة هذه الجملة من العامية الى الفصحى لكانت: " أنا إتصلت بالهاتف برئيس الإستقبال حتى إتكّد من حجز المجموعة، فقال لى أن نظام حاسوب الفندق خارج الخدمة الآن، وهو لايستطيع تإكيد الحجز لانه لم يقم بتخزين الملف على الحاسوب." واود ان انوه على أنى قد تخطى عمرى الثمانين عاما، ومُدرك تماما أن لغة أحفادى لها أبتكارات لغوية أغنى من هذه بكثير.
ومن المثلين السابقين يتبين للقارئ بسهولة الإختلاف الكبير بين اللغة العامية المصرية واللغة العربية الفصحى فى الكلمات والقواعد النحوية والنطق، أى فى أهم مكونات اللغة. وهذا ماجعل علماء اللغة اليوم يعتبرون "اللهجات" لغات إقليمية او قوميية كاملة الاركان، وتوقفوا تماما عن إعتبارها لهجات. فلغة القاهرة العامية، على سبيل المثال، يفهمها ويتكلمها كل سكان الوجه البحرى والصعيد الشمالى، أى أكثر من 90 مليون شخص، اى أن متكلًميها يزيد عددهم عن متكلّمى الألمانية او الإيطالية او البولندية! فكيف نحرمها من حق الوجود، وحق الإعتراف بها كلغة، بيما اللغة العربية الفصحى من النادر إن تتكلمها إى مجموعة من الناس فى إى بلد عربى كلغة أم! وكل من عاش فى اليمن أولبنان أوالسودان أومصر أوالجزائر يعرف ذلك حق المعرفة.
وبعض المدافعين عن اللغة الفصحى يدّعون أن كل بلاد العالم مثلنا، فيها لغة فصحى ولهجة عامية مختلفة. هذا غير صحيج. فانا أعيش وأُدرّس وأكتب فى المانيا منذ 57 سنة، ولا أجد إختلافا كبيرا بين لغتيّ الكتابة والتحدّث. فيما عدا بعض الاماكن الريفيه فى جنوب ألمانيا. وبالطبع فأن لغة التحدّث تتسم بالطابع الشخصى، غير الرسمى. ولكن لاتختلف إلاّ قليلا فى الكلمات والنحو والنطق.
وقد يعترض أحدنا، من وازع دينى بحت، على تفضيل لغة الأم العامية على اللغة الفصحى ، ذلك لان اللغة الفصحى تُستخدم فى الكتب الدينية وفى إقامة الشعائر الدينية فى المساجد والكنائس. ولكن الرد على ذلك سهل: لقد تُرجمت الكتب الدينية والشعائر الدينية الإسلامية والمسيحية الى لغات أفريقية متعددة، بعضها لا يزيد عدد متكلّميها على عدد سكان السويس اوإسيوط، فبأى منطق نرفض ترجمتها الى لغة مصرية يتكلّمها أكثر من 90 مليون شخص! هذا بالإضافة الى سبب ديني أهم: إن الصلاة هى حديث بين الإنسان وربّه، وليست بالضرورة أن تكون نصوصا محفوظة عن ظهر قلب. ويجب أن تكون صلاة وتوسلات الإنسان الى ربّه خارجة من أعماق قلبه. وما أصلح لذلك من لغة الأم الحلوة الخالية من كل صعوبة وتلعثم. ولا سيما إذا أخذنا فى الإعتبارأن نصفنا لا يعرف اللغة الفصحى، وأن 26% من المصرين أميين رسميين. ويكتب د. محمد ابو الغار فى المصرى اليوم فى 8/3/2021 "وإذا أضفنا الذين يفكّون الخط إلى المتسربين من المدارس والأمية الوظيفية، فربما تصل نسبة الأمية إلى نصف المجتمع".





