محمود العلايلى
منذ أن بدأت فعاليات كأس العالم لكرة القدم وبعد الحفل الإفتتاحى، خرجت دعاوى متعالية من المشجعين المصرييين بمزيج من الفخر العربى المصاحب له إنتصار للدين الإسلامى، وهى مسألة مثيرة للدهشة لأنها غير مسبوقة، ولذلك تحتاج لكثير من الضبط حتى نفلت من هذا الإشتباك المقصود بخلط الفعاليات الرياضية الكبرى بالأصول الإثنية ثم الجديد بمزجها بالدين، وهى أشياء قد لا يمكن تجنبها فى بعض الأحيان ولكن لا يمكن القصد بها فى أى حين، بينما تكمن الملاحظة الأهم بأنه وإن كانت الفعاليات تقام على أرض قطرية وبأموال القطريين، فإن تكنولوجيا البناء والعلوم الحديثة فى الإبهار والتصوير ولوجستيات التنظيم ودقته من منجزات الدول الصناعية المتقدمة التى ليس من ضمنها ولا دولة عربية ولا إسلامية بكل تأكيد، مما يجعل الحسبة إذا تم تقسيمها بالعدل أن العرب المسلمين قد شاركوا بأموال النفط، بينما قام العالم المتقدم بتيسير الفعالية بما تشمل، وبالتالى على كل المتحلقين أن يلتزموا أماكنهم وأن يضعوا كل أمر فى محله ونصابه ويكتفوا بمتابعة الحدث دون إحالة للعرق أو الدين، والإكتفاء بالإستمتاع بفنون كرة لقدم والإنشغال بالمنافسة على البطولة فى أكبر مناسبة كروية تجرى أحداثها كل أربع سنوات.

لا يعد هذا  تقليل للدور القطرى بأى حال، ولكنه تذكرة للمبالغين والذين يريدون إحالة تنظيم كأس العالم بصفته معجزة لا من قبل ولا من بعدو، يجب على إثرها أن يتعلم العالم من تاريخ العرب القديم كما يجب أن يأخذوا العبر أيضا من خطواتهم العصرية حديثا، وهى أمور خارجة عن نطاق المنطق السليم، أما الذين يفاخرون أن المنظمين القطريين قد أعلوا راية الإسلام بمنع المشجعين الوافدين من شرب الكحوليات فى محيط الملاعب ففى ذلك خلط كبير، لأن شرب الكحوليات كان ممنوع من الأصل على الأراضى القطرية، بينما مع بدء فعاليات كأس العالم فقد سمحت قطر بشرب وتداول الخمور بل وصار لديهم محلات كبرى للبيع، ولم يتم المنع إلا فى نطاق ضيق كما يحدث فى العديد من الدول الأوروبية التى تمنع تناول الكحوليات فى نطاق الملاعب، وهو ما عده المبالغون من محاذير الإسلام التى فرضتها قطر على ضيوفها.

إن الملفت فى هذا الموضوع أن الكثيرين من المصريين هللوا لتلك الإجراءات إنتصارا لعروبتهم ولدينهم، بينما المسألة ليس لها أى إرتباط بالعروبة من قريب أو بعيد، وعلى الجانب الآخر فإن تداول المشروبات الكحولية مسموح به فى مصر بشكل طبيعى للمصريين وغيرهم مما لا يستدعى تلك المبالغات ولا الإحالات الوهمية، أما الأمر الذى طالما تصر عليه الدعايات العربية على السواء، هو الفخر الشديد بمشاهد الصحراء والخيام والجمال مع تضمين ذلك بكيف أننا علمنا العالم، وكيف أننا السبب فى تقدمه، بينما فى واقع الحال أن الصورة لا تستقيم مع الدعوة المرجوة، ولا يثبت فى أدمغة المشاهدين إلا صورة الصحراء والخيمة والجمل، التى نبذل مجهودا كبيرا لإزالتها من أذهان الذين يظنون أننا نسكن الخيام ونستخدم الجمال فى الإنتقال، مع أننا نحن الذين نروج لهذا المشهد، بل وللأسف نفخر به.

إن هذه هى الدورة ال21 لبطولة كأس العالم، أى أنه قد تم تنظيم عشرين بطولة سابقة فى دول مختلفة لم نسمع من أى فيهم تلك الدعاوى العرقية ولا بالدينية على الإطلاق، ولم يساهم تنظيم البطولة فى تغيير وضعية أى من هذه الدول على سبيل التقدم والتحضر، ولذلك علينا أن ندع الفخر لما يستوجب الفخر فعلا، ولنا فى جنوب أفريقيا التى نظمت بطولة2010 المثل فى ذلك، بأنها نظمتها وهى جنوب أفريقيا وظلت بعدها جنوب أفريقيا، ولم تسد الدنيا، ولم تحتل العالم!
نقلا عن المصرى اليوم