القمص يوحنا نصيف
ينبغي أن نشكر الله دائمًا ونمجّد اسمه، لأنّه اختارنا من قبل إنشاء العالم (أف1: 4-5)، ووهبنا نعمة التبنّي له في المسيح..
كما أشكره من كلّ قلبي، لأنّه أعطاني أن أتمتّع بمعرفته وخدمته الجميلة طوال هذا العُمر.
مع وصولي اليوم إلى عامي الستّين، تتزاحم الأفكار والذكريات في ذهني.. ففكّرت في البداية أن أكتب سلسلة من المقالات عن أشخاص أشعر بأنّني مَدين لهم بالفضل عليّ.. وبالفِعل وضعت أمامي مجموعة ضخمة من الأسماء.. ولكنّني أجّلتُ تنفيذ الفكرة الآن لعدّة أسباب، منها ضيق الوقت.. كما أنّي فضّلت أن أكتب عنهم بالتفصيل في مناسبة مقبلة..
لكنّني في الواقع لازلت محصورًا في شعوري بأنّني في حياتي، التي أغدق الربّ فيها عليّ بفيض من البركات، مَدِينٌ للكثيرين.. بدايةً من أبي وأمي وزوجتي، مرورًا بالعديد من الآباء والأقرباء والأصدقاء، وصولاً إلى آلاف الأحبّاء من حولي الآن..
والحقيقة أنّ تدابير الله في حياة الإنسان تفوق الوصف، بل أنّ بعضها لا يفهمها الإنسان إلاّ بعد عشرات السنوات.. ولكن في كلّ الأحوال فإنّ أمانته وحنانه ليس لهما مثيل.. ويشعر بذلك أيّ إنسان صادق مع نفسه ويسلك باستقامة قلب..
وكما يسمح الله بأن يضع في طريقنا أناسًا، نرى فيهم وجهه المنير، فنتعلّم منهم، ويتركون فينا بصمات إيجابيّة للغاية.. هكذا أيضًا، يسمح بأنّ نتعرّض للتعامل مع شخصيّات صعبة، أو نمرّ بأزمات قاسية.. ولكنّه في كلّ الظروف لا يتركنا أبدًا، بل يحمينا ويَعبُر بنا ويمنحنا النصرة والسلام..

من هنا، فإنّي في مسيرة حياتي، مدين بالفضل لعشرات بل مئات من الشخصيّات الجميلة، التي فاحت منها رائحة المسيح العطِرة، ولمستُ فيهم محبّته الغامرة، فكان لهم تأثير روحيّ وإنسانيّ كبير عليّ، ساهم في بناء وتطوير شخصيّتي.. ومهما شكرتهم فلن أستطيع إيفاءهم حقّهم، الربّ وحده هو القادر أن يباركهم، ويعوّضهم على كلّ ما قدّموه..
كما أنّي مدين أيضًا لكثيرين من الذين ضايقوني، أو احتقروني، أو ناصبوني العداء، أو افتروا عليّ.. ربّما بسبب الغيرة أو الحسد أو التحزُّب.. محاولين تشويه صورتي، والتحريض ضدّي بكلّ الوسائل.. أو الذين استخدمهم عدو الخير، دون أن يدروا، لاتخاذ مواقف متعالية وقاسية تجاهي.. فكلّ هذا ساعدني على الانسكاب أمام الله، وتسليم أموري له بشكل أفضل.. فنما إيماني، واختبرت تعزيات جميلة.. وفاضت عليّ نعمة الله..!
وفي كلّ الأحوال، قد تعلّمت أنّ الذي له تعامُل مُباشر بحبّ نقي مع الله، ويربط نفسه دائمًا بالكتاب المقدّس وصلوات المزامير، فإنّه يختبر مساندة الله وستره وتعزياته، وكيف أنّه فعلاً يستطيع أنّ يحوّل كلّ الأمور للخير..!
في هذه المناسبة، وعلى سبيل الطرافة، يسعدني أن أنشر صورتين قديمتين:
الصورة الأولى وأنا في عُمر سنة تقريبًا، وتظهر فيها جدّتي المباركة "سمنة حبشي شنودة" (اسم "سمنة" يعني "عفيفة" باللغة القبطيّة)، وهي والدة أبي، وكانت تكبرني بأكثر من خمسٍ وسبعين عامًا. هي الوحيدة التي رأيتها من جدودي الأربعة، وأكثر مَن عَمّر فيهم، إذ تنيّحَت في 21 أغسطس 1982م، عن عُمر 95 سنة، مع أنّها كانت أكبر جدودي سِنًّا من ناحية تاريخ ميلادها (1887م).. وأتذكّر كيف كانت شخصيّة مملوءة بالحكمة والنعمة، وتحفظ الكثير من الآيات والترانيم ومدائح شهر كيهك.. وظلّت محتفظة بعقلها الراجح، وعلاقتها القويّة جدًّا بالله، حتّى آخر أيّام حياتها.
الصورة الثانية في عام 1968م، وأنا ملفوف بعلم مصر، في حفل حضانة "جمعيّة أصدقاء الكتاب المقدّس بشبين الكوم"، وكنت أنشد الأغنية الشهيرة "بلادي بلادي بلادي لكِ حُبّي وفؤادي"، والتي صارت بعد ذلك النشيد الوطني لمصر (عام 1979م)، وهي من روائع الفنّان سيّد درويش.. لازلتُ أتذكَّر هذا اليوم جيّدًا.
وأخيرًا، بينما أنا أكتب هذه السطور تنهال عليّ المئات من رسائل المحبّة والتهنئة، بكلّ وسائل التواصُل.. أشكر الجميع من كلّ قلبي على اهتمامهم وكلماتهم الرقيقة.. وبالطبع سأحتاج عِدّة أيّام للردّ على هذه الرسائل.. فألتمس العُذر، وأطلب أيضًا صلواتكم، لكي يعيننا الربّ جميعًا أن نتمّم مشيئته في حياتنا، طوال أيّام غربتنا على الأرض.
ليباركنا الله جميعًا، ويديم علينا نعمة المحبّة والفرح والسلام. له كلّ المجد إلى الأبد. آمين.
القمص يوحنا نصيف
19 ديسمبر 2022م





