القمص يوحنا نصيف
ودّعنا منذ يومين إلى الأخدار السمائيّة، أبانا المحبوب القمّص سيرافيم حنّا، كاهن كنيسة السيّدة العذراء بشارع سيف، بسيدي بشر قبلي، بالإسكندريّة.. وبهذه المناسبة، أودّ أن أشارك في هذا المقال بعضًا من الذكريات العطرة التي جمعتني به على مدى سنوات عديدة..
في منتصف الثمانينيّات من القرن الماضي، مرّت كنيسة العذراء بسيدي بشر في ظروف صعبة ومضطربة، إذ غادرها المتنيّح أبونا غبريال عوض الله، ثم أبونا روفائيل عطيّة.. وبعدهما غادر أيضًا المتنيّح أبونا سوريال.. وبقيت الكنيسة بدون كاهن ثابت لفترة.. وكنت أعرف أخبار الكنيسة من زميل لي بكليّة الطبّ، هو الدكتور نادر رشدي.. وكان يحكي لي عن شماس ومرتّل الكنيسة الجميل الأستاذ ماهر حنّا..
وفي يوم الجمعة 19 يونيو 1992م تمّت سيامة كاهنين لهذه الكنيسة، هما أبونا شاروبيم وأبونا سيرافيم الذي عرفت وقتها أنّه هو المعلّم ماهر.. وقد حضرتُ هذه السيامة بالكنيسة المرقسيّة، إذ تزامنت مع سيامة ثلاثة كهنة لكنيستنا، مارجرجس سبورتنج، في نفس اليوم، وكنت وقتها شمّاسًا مكرّسًا بالكنيسة.. ومن بعد سيامة هذين الأبوين المباركَين، عرفَتْ كنيسة العذراء طريقها للاستقرار والنموّ..!
أثناء فترة الأربعين يومًا بعد تلك السيامة، ذهبتُ لقضاء خلوة لعدّة أيّام بدير الأنبا بيشوي، وتعرّفتُ عن قرب على أبينا سيرافيم.. وكانت محبّة الألحان الكنسيّة الطويلة قاسمًا مشترَكًا بيننا، فكنا نتمشّى معًا في الصحراء ونحن نرتّل العديد من الألحان، حتّى أنّ أحد الآباء الرهبان التقى بنا وتعجّب، إذ وجدنا نُراجع لحن "أللي نصف الليل" وهو لحن ذو نغمات طويلة جدًّا، تُقال على كلمتين فقط "الليلويا الليلويا" فيما يزيد عن عشرين دقيقة، وكُنّا قد حفظناه من تسجيل قديم للمعلّم ميخائيل جرجس غبريال البتانوني.. وفي تلك الخلوة لاحظتُ أيضًا مدى بساطة ونقاوة هذا الأب الجميل، أبونا سيرافيم..
بعد عدّة أشهر، جاءتني دعوة لكي أصلّى مع أبينا سيرافيم القدّاس الباسيلي باللغة القبطيّة بالكامل. وأتذكّر أنّه كان يوم خميس، وخدمت في هذا القدّاس الخاصّ كشمّاس وحيد في الهيكل، وكان الخورس خارج الهيكل هو مجموعة شمامسة مباركين، من أبناء كنيسة مارجرجس سبورتنج، بقيادة الشمّاس وجدي ماهر.
وعندما كنت ألتقي بعد ذلك بأبينا سيرافيم، كنت أسأله متّى سنصلّي معًا القدّاس الغريغوري باللغة القبطيّة؟ فكان يقول لي إنّه لايزال يحفظ ألحانه الطويلة، ولم ينتهِ منها بعد.. وأعتقد أنّه أتمّ حفظها في وقت لاحق، فقد كان يعشق الألحان بوجه عام.. وقد كنت أراه أكثر كاهن في كلّ الكنيسة القبطيّة يحفظ ألحان الكنيسة كلّها تقريبًا..!
بعد سيامتي كاهنًا كُنّا نلتقي في النشاط الصيفي لمرحلة إعدادي لكلّ كنائس الإسكندريّة، تحت إشراف أبينا الحبيب القمّص أندراوس متّى، إذ كان دورنا (أبونا سيرافيم وضعفي) أن نقوم بتقييم فقرة الألحان التي تقدّمها كلّ كنيسة، وكان هذا يتمّ غالبًا على يومين، وفي أكثر من مكان، لكثرة عدد الكنائس.. وكان أبونا سيرافيم دائمًا هادئًا صبورًا وبشوشًا ومُشجِّعًا.. وكنت ألاحظ أنّه يحفظ التسبحة كلّها باللغة القبطيّة عن ظهر قلب.
في أعوام 2008 و2009، كنت عضوا في لجنة الألحان التابعة لأسقفيّة الشباب، وكان أحد أنشطة اللجنة إقامة قدّاس كامل باللغة القبطيّة في الكنيسة المرقسيّة، مرّة في السنة. كان يرأس القدّاس نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل، إذ يحضر خصّيصًا من القاهرة، وكُنّا خمسة كهنة من الإسكندريّة نشارك في هذا القدّاس. وكان أبونا سيرافيم يحرص على الحضور والصلاة معنا في كلّ مرّة.
أبونا سيرافيم ككاهن كان يحيا بأسلوب فريد في وسطنا.. فقد كان مصمّمًا أن يعيش حياة بسيطة جدًّا، بعيدة عن أيّ مظهر للغِنى.. فحتّى خروجي من مصر للخدمة بشيكاجو في عام 2009م، لا أتذكّر أنّه كان لديه تليفون محمول، كما أنّه كان يركب سيّارة قديمة جدًّا..
كان اهتمامه الأول هو بالرعاية، وبخلاص نفوس أولاده، بعيدًا تمامًا عن الإداريّات أو المشاكل التدبيريّة في الكنيسة.. فيبدو أنّه كان مقتنعًا أنّ هذه ليست وزنته، لذلك لم يتدخّل فيها.. بل كان فقط يذوب في الصلاة، ويسكب نفسه بصدق على المذبح.. ويربط أبناءه الروحيّين بالصلوات والألحان والقدّاسات، لكي يتذوّقوا عمق العِشرة مع الله..
وأخيرًا سمح الله له أن يمرض، فحمل الصليب بتسليم وشكر.. وهكذا انطلق إلى السماء مُعطّرًا بالمُرّ واللبان وفضائل الروح القدس..
المسيح ينيّح روحه الطاهرة في فردوس النعيم، ويكافئه بالبركات السمائيّة نظير جهاده وأمانته، ويقبل صلواته عنّا، حتّى يعيننا الربّ كما أعانه، ونتمّم رحلة غربتنا على الأرض، ونَصِل بسلام إلى ميناء الخلاص.
اطلب من الربّ عنّا يا أبانا البار القمص سيرافيم حنا، ليغفر لنا خطايانا،،
القمص يوحنا نصيف





