القمص يوحنا نصيف
قصة شفاء المرأة المنحنية، كما جاءت في (لو13: 10-13)، هي من المعجزات التي صنعها السيّد المسيح في المجمع يوم السبت، وفيها بجانب الشفاء تعليم هام قدّمه الربّ يسوع.. ويُعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على أحداث هذه المعجزة، فيقول:
الشيطان غالبًا ما ينال السلطان على بعض الأشخاص، منهم مثلاً الذين يسقطون في الخطيّة، فيصيرون متراخين في بذل الجهد لأجل التقوى.. الله الحكيم جدًّا، الذي يرى كلّ شيء، يمنحه (للشيطان) هذه الفرصة، حتّى إذا ما تضايق الناس جدًّا من ثقل بؤسهم، يُصَمّمون في أنفسهم أن يتغيّروا إلى الطريق الأفضل.
قيل عن المرأة التي كانت منحنية، أنّها عانت هذا (المرض) من قسوة الشيطان، بحسب كلمات ربّنا إذ قال: "ربطها الشيطان لمدّة ثمانية عشرة سنة". وكما قلتُ فإنّ الله سمح بهذا، إمّا بسبب خطاياها، أو بسبب قانون عام وشامل، لأنّ الشيطان الملعون هو سبب مرض أجساد البشر، كما نؤكِّد أنّ تعدِّي آدم كان بتأثير الشيطان، وبواسطة هذا التعدِّي صارت هياكلنا البشريّة مُعَرّضة للمرض والانحلال.
مع أنّ هذا كان حال البشر، فإنّ الله الصالح بطبعه لم يتخلّ عنّا، ونحن نعاني من عقوبة مرضٍ مستعصٍ طويل الأمد، بل حرّرنا من قيودنا، مُظهِرًا -كعلاج مجيد لأتعاب البشريّة- حضوره الذّاتي وظهوره في العالم، لأنّه جاء ليُعِيد صياغة طبيعتنا إلى ما كانت عليه في الأصل، لأنّه كما هو مكتوبٌ: "إنّ الله لم يصنع الموت، وهو لا يُسَرّ بهلاك الأحياء.. لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (سِفر الحكمة 1: 13، 2: 24).
إنّ تجسُّد الكلمة، وأخذِهِ لطبيعةٍ بشريّةٍ، تمّ لأجل دحر الموت.. لذلك حرّر ابنة إبراهيم من مرضها المزمن.. بالسلطان الإلهي لمشيئته طَرَدَ المرض.. وضع يده عليها، وفي الحال استقامت.
المسيح مخلّص الكلّ لم يقدّم أيّ صلاة، بل تمّم الأمر بقوّته الذاتيّة، وشفاها بكلمةٍ، وبلمسةِ يدِهِ. لأنّه بسبب كونه ربًّا وإلهًا، أظهر أنّ جسده الخاصّ له فاعليّة مساوية مع نفسه؛ لتحرير البشر من أمراضهم..
رئيس المجمع غير الشكور.. اغتاظ جدًّا، واشتعل بغضبٍ ضدّ مجد الربّ، وتورّط في الحسد، وافترى على المعجزة، ولكنّه تحاشى الحديث مع الربّ -لأنّه كان سيفضح رياءه- ووبّخ الجمع لكي يبدو أنّ اغتياظه كان لأجل حفظ يوم السبت. لكنّ هدفه كان في الحقيقة هو أن يسيطر على مَن كانوا متفرّقين على مدى الأسبوع، ومنشغلين بأعمالهم، لكي لا يكونوا مشاهدين ومُعجَبين بمعجزات الربّ يوم السبت، لئلاّ يؤمنوا هم أيضًا به.
الرئيس الحسود كان يُفَضِّل أن تظلّ المرأة التي استقامت، منحنية تمامًا مثل الحيوانات ذات الأربع، عن أن تستعيد الشكل الذي يليق بالبشر، ليس لهدفٍ آخَر سوى أن لا يتعظّم المسيح، ولا ينادَى به كإله بسبب أعماله، لذلك فقد أُدينَ هذا الإنسان كمُرائي، لأنّه -على الأقلّ- يقود ماشيته الخرساء لتشرب في يوم السبت، ولكنّه يغتاظ بسبب أنّ هذه المرأة -التي كانت ابنة إبراهيم بالجسد، وبالأكثر أيضًا بواسطة إيمانها- تتحرّر من قيود مرضها.
خَزِيَ جميع الذين نطقوا بهذه الآراء الفاسدة، الذين تعثَّروا أمام حجز الزاوية الأساسي، وانكسر الذين قاوموا الطبيب، الذين تصادموا مع الفخّاري الحكيم أثناء انشغاله في تقويم الأوعية المعوجّة. لم يكُن هناك جواب يمكن أن يُجيبوا به.
لقد أدانوا ذواتهم بطريقة ليس فيها جدال، ودُفِعوا إلى الصمت.. وهكذا أغلق الربّ أفواههم المتجاسرة، لكنّ الجموع الذين ربحوا فائدة المعجزات كانوا فرحين. لأنّ مجد وعظمة أعماله لاشت كلّ تساؤل وشكّ، عند أولئك الذين سعوا إليه بدون نيّة سيّئة.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 97، 98) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]





