بمناسبة الاحتفال اليوم بعيد نياحة القدّيس القمّص بيشوي كامل
* مقال نادر كتبه قبل انتقاله بأيّام، ولم يُنشَر..
زمن الحُبّ
(حز16)
القمص يوحنا نصيف
هي قصّة علاقة الله بالنفس البشريّة، كما سجّلها حزقيال النبي: فيها يُعَبِّر عن حقارة الإنسان؛ أنّه بلا أصل "أبوكِ أموري وأمّك حِثّيّة"، ثم يكشف عن حقارتنا بقوله "يوم ميلادِكِ لم تُشفِق عليكِ عين.. بل طُرِحتِ على وجه الحقل بكراهة نفسِكِ.. فمررتُ بكِ، ورأيتُكِ مَدوسةً بدمِكِ" (حز16: 1-6).
* حُبّ الله للإنسان الحقير:
"فكبُرْتِ.. وإذا زمنُكِ زمن الحُبّ.. فدخلتُ معكِ في عهدٍ (بدم الصليب).. وحممتُكِ بالماء (المعموديّة).. ومسحتُكِ بالزيت (الميرون).. وألبستُكِ مطَرَّزة.. وأزَّرتُكِ بالكتّان، وكسوتُكِ بَزًّا (برّ المسيح).. وضعتُ أسورة في يديك (الخطبة للمسيح).. وأكلتِ السميذ والعسل (جسد المسيح ودمه)" (حز16: 7-14).
فالله يَعلَم حقارة طبعنا، ولكنّه يغمرنا بحبّه، حتّى يتدفَّق الحُبّ في قلبنا من نحوه، فندخُل في شركة مقدّسة معه.. هذا هو "زمن الحُبّ".
* الحُبّ مصدره الله:
وهُنا يكشف النبيّ أنّ الحُبّ لم يكُن أوّلاً من الإنسان، بل من الله الذي أحبّنا بقذارتنا.. "أحبّنا أوّلاً" (1يو4: 19).. وفي ملء الزمان كشف عن عُمق حبّه للإنسان، عندما صار الكلمة جسدًا، وعُلِّقَ على الصليب لأجلي "أحبّني وأسلَمَ ذاته لأجلي" (غل2: 20).
+ فالحُبّ إنْ يكُن مصدره الله، فهو الأنانية بعينها.
+ ولا يوجَد حُبّ خارج دائرة الصليب - المحبّة المتجسّدة.
وكما أنّ المسيحيّة بدون صليب هي كعُرس بلا عريس، كذلك الإنسان بدون حُبّ إلهي هو مجرّد شهوات جسديّة متضاربة.
لذلك ألزمنا الربّ يسوع بإنكار الذات وحمل الصليب وتبعيّته.. ولا يمكن أن تكون خدمة أو فِعل خير، أو صلاة، أو ارتباط عائلي.. إلاّ من خلال هذا الحُبّ الإلهي "لأنّ محبّة الله قد انسكبَت في قلوبنا بالروح القدس" (رو5:5).
فالذي ذاق حُبّ الصليب، يُحِبّ أعدائه ويصلّي لأجلهم، ويحبّ إخوته وزوجته وأولاده، وله القدرة بقوّة الصليب أن يترك زوجته وأولاده وأمواله من أجل المسيح.
قالت لي إحدى الشابّات: إنّي أحبّ المسيح، ولكنّي مرتبطة بإنسان غير مسيحي، ولا أقدر أن أتركه.. فهل تساعدني؟
قلتُ لها: إنّك تحبّين المسيح غير المصلوب. لابد أن يبدأ زمن حُبِّك بالصليب. يا ابنتي ما أسهل الحديث اليوم عن الحُبّ بدون صليب. إنّه حُبّ جسداني أناني.
ولكلّ واحد مِنّا يا أحبّائي زمن للحُبّ، علينا أن نكتشفه وننمّيه، لكي نَصِل للوصيّة "تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك" (لو10: 27).
+ المرأة الخاطئة كان زمن حبّها عند قدميّ المسيح "أحبَّتْ كثيرًا" (لو7: 47).
+ بطرس الرسول كان له زمن حُبّ في السفينة، عندما اكتشف خطيّة، فترك كلّ شيء من أجل المسيح.
+ ويوسف الصدّيق كان له زمن حُبّ، عندما هرب من امرأة فوطيفار.
+ وكثير من القدّيسين، ستكتشف زمن حبّهم في الأعداد القادمة..
القمّص بيشوي كامل
+ + +
* هذا المقال كتبه أبونا القدّيس بيشوي كامل كافتتاحيّة للعدد الثاني من مجلّة "زمن الحبّ"، وهي مجلّة للشباب أصدرت منها الكنيسة عددًا واحدًا في أوائل عام 1979م، ولم يصدر العدد الثاني لسبب بعض الظروف بعد نياحة أبينا بيشوي.
* مرفق صورة للمقال، وهي مسودة بخط يد أبينا بيشوي، بالقلم الرصاص والقلم الجافّ.. وقد سلّمها للخُدّام قبل نياحته، وقد أعطوها لي عام 1984م.
القمص يوحنا نصيف