مدحت بشاى

يبدو أن المزاج العام للشعوب بات يمثل طلاء عامًّا تتلون به الأوطان.. فعندما تحل النكبات والمُلِمّات والكوارث بكل أشكالها ودرجات تأثيرها وأعداد ضحاياها نلمح فى قسمات الوجوه شحوب الغم وتعلو الأصوات بأنين البؤس، وما إن تنجلى الغمة وتحل بالدنيا والنفوس رحمات الله تشرق الوجوه بالبشر والحبور وتزهر البيوت بما ترويها بها موجات التفاؤل ونسمات تمنحها الدنيا للقابع تحت الأشجار الظليلة.

 

ومع ذلك فالأمر فى مصر يختلف كثيرًا فى حالات رد الفعل عند حدوث الكوارث.. يختلف فى بدايات تأثير الكارثة وردود الفعل الأولية السوداوية الغاضبة السيكودرامية، ومَن منّا ينسى وقع حادث غرق العبَّارة، الذى زُهقت على أثره أكثر من ألف روح مصرية، ومن قبله حادث قطار الصعيد وتفحم ركابه، ثم حادث الدويقة، وكارثة حريق مسرح قصر ثقافة بنى سويف لتفقد مصر فى حادث واحد نخبة رائعة من أهل الإبداع الفكرى والمسرحى.

 

وإلى غير ذلك من حوادث ونكبات، ومع ذلك تستوعب نفس المواطن المصرى كل أبعاد الآثار المأساوية، وتلتئم الجراح سريعًا، وتشمل مواطنينا حالة من الرضا والتجاوز، بل النسيان كما كان يصف تلك الحالة أديب نوبل نجيب محفوظ بمقولته الشهيرة «آفة حارتنا النسيان»، وحتى إن الأمر كان فى كثير من الأحيان يشق تفسيره على المحلل والمتابع من غير المصريين، بل حتى يتأمل المواطن المصرى ذاته لتلك الحالة من التجاوز السريع.

 

لعلها سمات تفرد بها المواطن المصرى، فهو دومًا يسكن فى حالة من الوحدة والتعايش فى جماعة وطنية تركن لتفعيل ثقافة أهل النهر العظيم الهادئة المطمئنة.

 

وقد يسأل البعض منّا: هل كثرة النوائب التى حلت بنا أكسبتنا بعض مشاعر البلادة؟، هل اعتادت عيوننا وآذاننا مشاهد الفقد والوجع ومنولوجات البكاء والصراخ والعويل، فما عادت تثير النفوس أو تديم الشجون وتفرز دموع الحزن؟!.

 

أعتقد أن الإجابة عن السؤال قد تكمن فيما يملكه مواطننا الطيب من آليات الصد والمواجهة الهائلة، والتى بات يتجاوز بها شعبنا العظيم علل النفس وأوجاعها، التى تتجدد مع حلول نوائب الدهر وظلمات حروب أهل الشر، فحالت تلك الآليات دون أن تجعل من الكتلة الحرجة مزاجًا عامًّا من المرارة والغضب والثورة، لتنتهى الأحوال بتفجير الواقع وإحلال فوضى الغضب واليأس والقنوط.

 

وقد تكون من بين آليات الدفاع فى مواجهة تلك الأحداث الصعبة الروح المرحة، التى يلوذ ببراحها مواطننا الطيب، والتى تأنس بطبيعتها للنكتة الحلوة والطرفة الشعبية ولفضاءات «البوستات الساخرة» على مواقع التواصل الاجتماعى والاستظراف اليوتيوبى والكاريكاتير الصحفى والدراما الكوميدية على شاشات التليفزيون.

 

وعليه، بات صناع نكتة اليوتيوب نجومًا ومشاهير وأصحاب صنعة تأكل الشهد كما يصفهم مَن توجوهم من شبابنا، الذى لم يعد يغادر مقاعد الفرجة على تجلياتهم وافتكاساتهم اللوذعية المتجددة على مدى الساعة، لعلها تسحق أزمنة الحزن وتقاوم بكائيات شاشات نقل الكوارث عبر فضائيات البث من غزة المحتلة من عدو بشع البطش والغدر والوحشية والتخلى عن كل مشاعر إنسانية أو ضمير حى!!.

 

ومعلوم أن حالة المزاج العام من شأنها إلقاء الضوء على مدى رضا الناس وسخطهم عن الواقع المعاش ولما هو مقدم لهم، ووفقًا لذلك، فالمزاج العام للمجتمع لا ينبع من فراغ، وإنما يُعد محصلة لعوامل متعددة ثقافية ونفسية واجتماعية وسياسية ومعرفية يُتوقع من خلالها أن يتوافق الأفراد مع بعضهم بعضًا فى المجتمع، ويؤدى الإعلام بكل وسائطه عند تغطيته للوقائع والأحداث الدراماتيكية دور التحليل والقراءة لأبعادها الداعمة لتكوين الحالة المزاجية والشعورية.

 

وفى العموم، فنحن شعب نمزح على المقهى وفى البيت وفى وسائل المواصلات وفى العمل وفى العزاء وفى الفرح وفى قاعة الامتحانات وفى المسجد والكنيسة، نمزح فى كل وقت وحين، عند النصر فى ملاعب الكرة أو أمام شاشات عرض مبارياتها فى المقاهى، وعند الهزيمة فى خناقات الشوارع، عند الفقر وفى الرخاء (إن كان له من أثر) نمزح فى الأفراح والأتراح وحين البأس، نمزح ولا نعبأ أين يقود المزاح، نمزح ولفرط ما أصابنا من الحزن صار مزاحنا سخيفًا أو قل ثقيل الظل، ولا يخلو من تنمر أو حتى تحرش بحال المساكين منّا، هذا المزاح، وإن وجد فيه المرء مسكنًا لآلامه وعزاءً لأحزانه، فسرعان ما يتمكن من صاحبه ويجرى فى عروقه مجرى الدم.

 

لقد بتنا نمارس المزاح السام الرذيل المخدر للحواس، الذى لا يترك صاحبه إلا مدمنًا كسيرًا هزيلًا لا يقوى على مواجهة مشكلات مجتمعه.. هزار ثقيل فى موضع الجد بدلًا من أن نحول الأحزان العامة إلى طاقة إيجابية للتغيير السلمى للأحوال.

 

 

ولا شك أن طبيعة المصريين ووسائلهم فى الحياة باتت عصية على التوقع أو التنبؤ، رغم أن مواجهتهم للأزمات والمشاكل بسيطة وتلقائية وعفوية تصيب الآخرين بالذهول والدهشة، بل الانبهار، وفى المحصلة هى جينات وراثية خليط من خفة الدم والمرح والبسمة، تتوارثها الأجيال، وتصبح موردًا ومعينًا لا ينضب لإنتاج مواد الضحك المُر لمواجهة الأزمات والغضب والانزعاج والإحباط.

نقلا عن المصرى اليوم