الاب جون جبرائيل
أخذت الشمسُ تلملم أشعّتها لتهجر نحو الغرب. بدا سطح ماء النيل اللامع المتحوِّل إلى الأصفر الذهبي كأنه يتلقّى قبلات وداعها، وحينما تحوّل اللون إلى البرتقاليّ، بدأ المشهد يزداد هدوءًا خاشعًا تغلِّفه لمحة من الحزن الرقيق. على الضفة، تدرّجتْ بيوت النوبة بألوانها الزاهية—الأزرق، الأخضر، الأصفر، والوردي—كأنها قطع فسيفساء مرسومةٌ بعناية، تعكس روح المكان وتاريخه العريق. امتزجتْ ألوانها مع انعكاسات الغروب على صفحة الماء، فصار المشهد لوحةً نابضة بالحياة.
في ذلك السكون الساحر، وقف الرجل على حافة الضفّة، يتأمل المشهد كأنه يرى فيه انعكاسًا لأفكاره المتشابكة. مدّ يده ليغرف من الماء، شعر ببرودته تنساب بين أصابعه، لكنه لمح في لمعانه ما لم يكن يراه من قبل—ألوانًا غريبة تتراقص على السطح، بقعًا داكنة تخترق صفاء النهر، ورائحة خفيفة لكنها غريبة، كأن الماء لم يعد كما كان.
كان النيل، الذي قدّسه قدماء المصريّين وأقاموا على ضفافه أعظم حضاراتهم، يئنّ في صمت. لم يعد ذاك النهر هو الذي قدّسوه، ولم تعد مياهه رمزًا للنقاء كما كانت يومًا. خطر بباله أن النوبة، التي حافظت على علاقة متينة بالنهر، قد تكون آخر حصن لهذا التوازن البيئي الذي صار هشًّا. هنا، لم يزل النوبيّون
يتعاملون مع النيل على أنّه حيّ، يمنحهم الحياة مثلما منحها لأسلافهم. لكن إلى متى؟
أدار الرجل بصره نحو البيوت الزاهية، نحو الأبواب الخشبية المزخرفة، نحو النساء الجالسات عند العتبات، ينسجن الحصير بأصابع خبيرة، ونحو الأطفال الذين يركضون حفاة على الرمال الناعمة. تساءل: هل يدركون أنهم ربما يكونون آخر الأجيال التي سترى النيل قبل أن يبتلعه التلوث تمامًا؟ هل يدركون أن علاقتهم الفطرية بالنهر قد تكون طوق النجاة الأخير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
تسلل إليه شعور بأن الحلّ لا يكمن في فقط في وضع حدٍّ للمصانع التي تبصق نفاياتها في مجرى الحياة، ولا في السدود التي تفرض على النهر مسارات جديدة، بل في العودة إلى تلك العلاقة القديمة بين الإنسان والماء، تلك العلاقة التي فهمها المصريّون القدماء والنوبيّون المعاصرين بالفطرة، وعاشوها بلا شعارات ولا مؤتمرات. ربما كان السر في احترامهم للنهر كائنًا حيًّا يتنفّس وينبض ويسير، يطعم ويغذّي ويمنح الحياة لا مجرّد موردٍ يُستنزف.
أخذ نفسًا عميقًا، شعر بأن النهر يهمس له من جديد، كما كان يهمس للفراعنة يوم كانوا يرون فيه تجسيدًا للإله. ربما لم يفت الأوان بعد، وربما لم يزل هناك أمل... لكنّ ذلك الأمل مرهونٌ بقدرة الناس على الإصغاء إلى صوت النهر قبل أن يختنق.