بقلم الراهب القمص يسطس الأورشليمى
كتاب وباحث في التاريخ المسيحى والتراث المصرى
وعضو إتحاد كتاب مصر
كفر ناحوم من إشهر مدن الجليل في شمالي بحر الجليل، والناصرة، المدينة التي عإش فيها المخلص صباه وشبابه، وقانا الجليل ونايين على السفح الشمالي للجبل المدعو حرمون الصغير.
وقد بخها الرب يسوع لأنه صنع "فيها أكثر قواته"، ولكنها "لم تتب"حيث قال ويل لك يا كوزين وبيت صيدا وكفر ناحوم، (مت 11: 20-24، لو 10: 13-16). ويذكر يوسابيوس المؤرخ الكنسي أنها كانت قد أصبحت خراباً في أيامه.
كفر ناحوم التي كانت تقع على الساحل الشمالي الغربي لبحر الجليل. ويكاد يجمع العلماء الآن على أن موقعها حالياً هو أطلال "خرابة الكرازة" الواقعة على التلال البازلتية شمالي كفر ناحوم. وتدل هذه الأطلال على أنها كانت مدينة لها أهميتها منذ العصر الحجري الحديث.
وبيت صيدا كانت قرية الصيد لمدينة كفر ناحوم. ولكنا لا نعلم موقعها على وجه التحديد.
وتوجد قرية على قمة جبلية صخرية إلي الشرق من بلدة " خان منيا " تسمى " الشبخ على الصيادين " ( او على شيخ الصيادين ) وهى كا يبدو ــ من الاسم ــ تحمل في شقها الاول اسم احد الاولياء، وتحتفظ في شقها الثاني بما يدل علىانها " بيت الصيادين " ( أي بيت صيدا ). ويوجد بالقرب منها موقع " عين التبغة " التي يظن كثيرون انها " بيت صيدا الجليل".
وتندفع المياه الدافئة من العيون الغزيرة نحو خليج صغير في البحيرة، حيث تتجمع الاسماك باعداد هائلة، وهو ما ينشده الصيادون. فان كانت كفر ناحوم عند " خان منيا " فمعنى ذلك انهما كانتا متجاورتين. وقد اندثر الكثير من الاسماء القديمة للمدن، كما تغيرت مواقع البعض الاخر مما يجعل من الصعب تحديد اماكنها بالضبط.
هل كانت هناك مدينتان باسم بيت صيدا؟ يعتقد الكثيرون من العلماء ان الاشارات الواردة في العهد الجديد إلي " بيت صيدا " تنطبق على مكان واحد هو " بيت صيدا جولياس ". ولكن هذا الراي يثير الكثير من الجدل اذ يظن البعض انه كانت هناك مدينتان بهذا الاسم احداهما التي في عبر الاردن والثانية في الجليل. وليس ثمة مشكلة فى وجود مدينتين باسم واحد، فكثرة الاسماك في كل منهما تبرر تكرارا نفس الاسم " بيت صيدا " أي بيت الصيد.
كفر ناحوم
" وترك الناصرة واتى فسكن في كفرناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم" ( متى 4 : 13) لم يتبق من مدينة كفرناحوم المزدهرة سوى ركام من الأطلال التي غطاها التراب على مر العصور . قامت كفرناحوم التي يذكرها العهد القديم في الحقبة الهلينية وتشهد الآثار على قيامها في القرن الثاني ق.م. حيث تُظهر الشهادات الإنجيلية المدينة على أنها مركز هام وبه فرقة عسكرية (متى 8 : 5 ) وموقع ضريبة ( متى 9 : 9 ) . كان سكانها يشتغلون بالزراعة وصيد السمك .
تقع المدينة على الطريق الرئيسي بين الجليل ودمشق. وقد اكتشف حجر لترقيم المسافات وعليه كتابة لاتينية من زمن أدريانوس.
لقد ثار جدل كثير حول الموقع الأكيد لكفر ناحوم، ويقول لنا متى البشير إن الرب يسوع “ترك الناصرة وأتى فسكن في كفر ناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم (مت 4 : 13). وكان سبط نفتالي يتاخم الشاطئ الغربي لبحر الجليل، وهناك أمران ساعدانا على تحديد الموقع، وهما أنها كانت قريبة من نهر الأردن ومن الحدود السياسية، فقصة قائد المئة (مت 8 :5، لو 7 :2) تدل على انه كانت هناك حامية صغيرة من نحو مئة جندي، وهو ما كان يوجد عادة في قرى الحدود، كما أن قصة لاوي العشار (متى الرسول فيما بعد) ودعوة المسيح له تدل على أن المدينة كانت على الحدود، فكان بها مركز للجباية وتحصيل المكوس (مت 9 :9، مرقس 2 :14، لو 5 :27)• ولكن الإشارات اليهودية الأقدم تؤيد القول بأن “كفر ناجوم” هو" كفر ناحوم" فقد ذكرها "مدرس كوهات" (Midrash Kohelet) مما يدل على أنها كانت قائمة في القرن الثاني، ولا يرد لها ذكر بعد ذلك إلا في 1160 م في إشارة" بنيامين التوديلي" (Tudela) إلي ان كفر ناجوم التي هي كفر ناكوم،
إذ كانت تقع على الطريق من طبرية إلى صفد، وقد أُخذت الحجارة التي رصفت بها الطريق من هذا الموقع، ويصف يوسيفوس (المؤرخ اليهودي من القرن الاول الميلادي) بعبارات رائعة قوية خصوبة المنطقة المحيطة ببحيرة جنيسارت ويصف نبعاً غزيراً متدفقاً يسمى كفر ناحوم والارجح أنه يشير إلى ينابيع الابار السبعة في دلتا التبغة (اي السبعة) ويوجد احدهما - وهو أغزرها - في الجليل وكانت تستخدم مياهه المتدفقة في إداراة الطواحين ورى سهل التبغة، كما كانت تملأ حوضين يزودان بالماء حماماً رومانياً الى الشمال الشرقي من خرابة المينا•
" كفر ناحوم " تعنى " قرية ناحوم " ، ولكن لا نعلم من هو ناحوم هذا ، وليس من دليل على أنه ناحوم النبى صاحب سفر ناحوم فى العهد القديم . وهى مدينة فى الجليل ، إتخذ منها الرب يسوع مركزاً لخدمته ، حيث علّم الجموع وشفى مرضاهم وصنع معجزاته . " ثم دخلوا كفرناحوم ، وللوقت دخل المجمع فى السبت وصار يُعلّم . فبُهتوا من تعليمهِ لأنه كان يُعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة " ( مرقس 1 : 21 ) .
أحداث جرت فى كفرناحوم : على ضوء الكتاب المقدس ( العهد الجديد ) ، نعرف أن كفرناحوم ، كانت مركزاً لصيد السمك ، وقد إتخذ منها الرب يسوع مركزاً لخدمته فى الجليل ، حتى أن البشير متى يُسميها " مدينته " ( متى 9 : 1 ) ، وبالقرب منها دعا السيد المسيح سمعان بطرس وإندراوس أخاه صيادى السمك ليتبعاه ، كما دعى يعقوب بن زبدى ويوحنا أخاه ( مرقس 1 : 16 – 20 ومتى 4 : 18 – 22 ولوقا 5 : 1 – 11 ) ، كما دعى جابى الضرائب متى الرسول ( متى 9 : 9 ومرقس 2 : 13 – 14 ) .
وفى كفرناحوم كان السيد المسيح يُخرج الأرواح النجسة ( مرقس 1 : 23 – 28 ولوقا 4 : 31 – 38 ) ، وشفى غلام قائد المئة ( متى 8 : 5 – 13 ولوقا 7 : 1 – 10 ) ، كما شفى حماةبطرس من حمتها ( متى 8 : 14 – 17 ومرقس 1 : 29 – 34 ولوقا 14 : 38 – 41 ) ، كما أقام أيضا إبنة يايروس من الموت ( متى 9 : 18 – 26 ومرقس 5 : 21 – 43 ولوقا 8 : 40 – 56 ) . وفيها أيضاً شفى المفلوج ( متى 9 : 1 – 8 ولوقا 5 : 17 – 26 ومرقس 2 : 1 – 12 ) . كما شفى الرب يسوع فى كفرناحوم الرجل صاحب اليد اليابسة ( مرقس 3 : 1 – 6 ) ، وشفى إبن خادم الملك ( يون 4 : 46 – 54 ) ، وفيها حدث الحوار بين التلاميذ عن الخبز النازل من السماء ( يوحنا 6 : 1 – 59 ) ، والحديث عن الصوم ( متى 9 : 14 – 17 ) ، وغير ذلك من الأحداث لا يسع المجال لذكرها . وبالرغم من كل هذه الأحداث ، إلا أنها قابلت كل هذا بغير مبالاة .
وأيضا المجمع اليهودى الذى عَلّم فيه السيد المسيح ومزضع الحديث عن خبز الحياة يوحنا 6 : 22 - 33 و 48 - 59 "وفي الغد لما راى الجمع الذين كانوا واقفين في عبر البحر انه لم تكن هناك سفينة اخرى سوى واحدة، وهي تلك التي دخلها تلاميذه، وان يسوع لم يدخل السفينة مع تلاميذه بل مضى تلاميذه وحدهم. غير انه جاءت سفن من طبرية الى قرب الموضع الذي اكلوا فيه الخبز، اذ شكر الرب.
فى زمن السيد المسيح ، إمتدت منطقة كفرناحوم من العيون السبعة Tabgha وحتى نهر الأردن . وعلى ما يبدو أن التابغة ، كانت ذلك المكان القفر ( إرموس Eremos ) ، الذى يطل على البحر ، حيث إعتاد الرب يسوع أن يقصده للإختلاء .
والتابغة تبعد نحو ثلاث كيلومترات عن كفرناحوم . وفى القرون الأربعة الأولى للميلاد ، كانت كفرناحوم مأهولة بصورة شبه كلية باليهود المسيحيين ( اليهود الذين آمنوا بالسيد المسيح ) ، حيث تناقلوا ذكرياتهم بشأن حياة السيد المسيح بالمنطقة ( التابغة ) ، كتقاليد مقدسة مُسلّمة من الأب للإبن .