بقلم: القمص منقريوس المحرقي
في مثل هذا اليوم، تمر الذكرى الثامنة والعشرون على نياحة الأب القديس القمص منقريوس المحرقي، الذي كرّس حياته للرهبنة والخدمة، فكان نموذجًا حيًا للتقوى والبذل، ومثالًا للزهد والمحبة المسيحية. حياته لم تكن مجرد سنوات، بل رحلة روحية ملهمة، امتدت لأكثر من سبعة عقود، حافلة بالعطاء، ومليئة بتجارب الإيمان والقداسة.
سيرة حياته ورحلته الرهبانية
وُلد القمص منقريوس المحرقي عام(1902م) باسم متوشالح إي إسمه العلماني في قرية دير النغاميش التابعة لمركز دار السلام بمحافظة سوهاج، داخل بيت كهنوتي مشهود له بالورع والإيمان، حيث نشأ في عائلة كنسية عريقة خرج منها قداسة البابا يوساب الثاني البطريرك الـ 115(1946-1956م) والأنبا مقاريوس أسقف قنا. كان والده القس بطرس القمص ميخائيل، كاهن كنيسة السيدة العذراء بالقرية، وهو الطفل الثالث بين تسعة إخوة. حمل اسمه معاني روحانية عميقة، إذ يعود أصله إلى اللغة الفرعونية، حيث يعني "روح الإله الخالدة"، وهو النطق اليوناني لاسم الملك منكاورع، صاحب الهرم الثالث بالجيزة. منذ صغره، نما في قلبه حب الرهبنة، فسلك طريق الزهد والتكريس، متخليًا عن العالم ليكرس حياته للصلاة والتأمل والخدمة المخلصة. آمن أن الرهبنة ليست انعزالًا عن العالم، بل خدمة حقيقية للكنيسة وأبنائها، فعاش ببساطة واتضاع، مؤديًا رسالته الروحية بكل أمانة، تاركًا إرثًا غنيًا من التقوى والمحبة.
بدايات مبكرة في طريق القداسة
نشأ متوشالح في بيئة روحانية مفعمة بالإيمان، حيث تعلم القراءة والكتابة في كُتّاب قريته، وأجاد اللغتين القبطية والعربية، مما مكّنه من حفظ التسبحة والمزامير وأجزاء من الكتاب المقدس، إلى جانب اطلاعه على سير الشهداء والقديسين. فمنذ صغره، تعلق بالكنيسة وأُعجب بالرهبان الذين كانوا يترددون على قريته، فتملّكته رغبة عميقة في أن يسير على خطاهم. ومع تقدمه في السن، ازدادت رغبته في التكريس الرهباني، لكنه تردد في مصارحة والده، خاصة بعد وفاة ستة من أشقائه، مما زاد من تعلق والده به. وقد عارض الأب فكرة الرهبنة، لرغبته في أن يساعده ابنه في إدارة الأراضي الزراعية التي يملكها، بل عرض عليه الزواج كبديل. لكن متوشالح ظل ثابتًا في دعوته الروحية، متضرعًا إلى السيدة العذراء مريم ليحقق حلمه بالسير في طريق الرهبنة.
دعوة العذراء: متوشالح من نصيبي
في إحدى الليالي، رأى والده القس بطرس رؤية أضاءت قلبه باليقين، إذ ظهرت له السيدة العذراء وقالت بحنو: "متوشالح من نصيبي." حينها، أدرك الأب أن دعوة ابنه للرهبنة كانت مشيئة إلهية، فوافق على تحقيق رغبته في التكريس.فتوجه متوشالح إلى دير السيدة العذراء المحرق ثلاث مرات، لكنه عاد في المرتين الأوليين بناءً على نصيحة أحد الرهبان، الذي رأى أنه لا يزال صغير السن. إلا أن عزيمته لم تفتر، ومع إصراره العميق على الحياة الرهبانية، التحق بالدير للمرة الثالثة عام 1927م، ولم يعد إلى العالم منذ ذلك الحين، ليبدأ رحلته المباركة في حياة النسك والتكريس.
حياة الرهبنة والكهنوت
في عيد الميلاد عام 1928م، حقق متوشالح حلمه بالرهبنة، حيث ترهب في دير السيدة العذراء المحرق وأُطلق عليه اسم "الراهب منقريوس المحرقي" بيد المتنيح الأنبا باخوميوس، رئيس الدير آنذاك. منذ لحظة نذوره، كرّس حياته للنسك والخدمة، فكان يومه يبدأ في منتصف الليل بالصلاة وإعداد القربان المقدس، ثم ينصرف إلى أعمال الدير، متنقلًا بين الإشراف على الكنيسة والجناين، وصنع الشمع والأباركة، محافظًا على روحانية الحياة الرهبانية في كل تفاصيلها. وفي عام 1932م، نال نعمة الكهنوت، ثم رُسم قمصًا بعد عام واحد في 1933م، ليصبح أحد أعمدة الدير الروحية. كان مثالًا حيًا للراهب العامل والمصلي، فلم تنقطع خدمته للمذبح طوال حياته، وحافظ على الصلاة اليومية بالأجبية ثلاث مرات يوميًا. تميز القمص منقريوس بحب عميق للكتاب المقدس، وكان يردد دائمًا مقولته الشهيرة: "الراهب مفيش وراه حاجة غير الصلاة وقراءة الكتاب المقدس."
فضائل المحبة والبساطة
عُرف القمص منقريوس المحرقي بتواضعه العميق وبساطته النقية، فكان مثالًا للراهب الزاهد الذي يعيش بروح المحبة والعطاء. لم يكن يسعى إلى امتلاك شيء لنفسه، بل كان يوزع نصيبه من اللحم على عمال الدير دون أن يأخذ منه شيئًا، وحين سأله البعض عن سبب ذلك، أجاب ببساطة: "لا تحكموا حسب الظاهر". وكان يرى في التواضع جوهر الحياة الرهبانية، فكان يعتذر عن الأمور البسيطة بدافع المحبة، ويرفض أي معاملة خاصة، مؤكدًا بروحه الوديعة: "أنا راهب غلبان." بهذه الفضائل، ترك أثرًا عميقًا في قلوب من عرفوه، ليظل اسمه رمزًا للتقوى والمحبة الحقيقية.
مواقفه مع الإكليروس والزوار
تمتع القمص منقريوس المحرقي بمحبة خاصة بين شيوخ الدير والرهبان الجدد، فكان يحتضنهم بروح الأبوة، يزورهم في قلاليهم ويهنئهم برسامتهم، مشجعًا إياهم على التمسك بالحياة الرهبانية الحقيقية. فلم تمنعه شيخوخته من خدمة الآخرين، فظل يسعى إلى زيارة المرضى، والتخفيف عن المحتاجين، ناشرًا روح المحبة والبساطة أينما حلّ. وكان يكن احترامًا عظيمًا لرؤسائه، متمسكًا بروح الاتضاع. وعندما زاره الأنبا مينا، مطران جرجا، أراد المطران أن يأخذ بركته، لكنه رفض قائلاً بكل وداعة: "يا سيدنا، أنا راهب غلبان وأنت مطران." كلمات بسيطة لكنها تعكس روح التواضع العميقة التي ميزت حياته.
إيمان قوي وتحدي الصعاب
عاش القمص منقريوس المحرقي حياة مملوءة بالتجارب، لكنه واجهها بإيمان راسخ وثقة مطلقة في الله. لم يكن للخوف مكان في قلبه، فعندما سأله أحدهم إن كان يخشى الموت، أجاب ببساطة واطمئنان: "أخاف منه ليه؟". وكان أيضًا مجاهدًا في المعارك الروحية، إذ واجه تجارب الشيطان وانتصر عليها بالصلاة ورشم الصليب، متيقنًا أن قوة الله تحميه دائمًا. ومن أبرز المواقف التي شهدت على إيمانه، دخوله في غيبوبة استمرت ثلاثة أيام عام 1977م، حيث توقع الأطباء وفاته، لكنه استعاد وعيه فجأة، ونهض ليستأنف صلاته وكأن شيئًا لم يكن. وفي عام 1991م، تعرض لحادث خطير عندما انقطع التيار الكهربائي فجأة أثناء استحمامه، مما أدى إلى صدمة كهربائية كادت تودي بحياته، لكنه خرج منها دون أي أذى، لتظل حياته شهادة حيّة على عناية الله وحفظه.
نهايته المباركة
أمضى القمص منقريوس المحرقي ما يقرب من سبعين عامًا داخل أسوار دير السيدة العذراء المحرق، عاش خلالها حياة مليئة بالصلاة والتقوى والخدمة. عاصر ستة من بطاركة الكنيسة القبطية، من البابا كيرلس الخامس إلى البابا شنودة الثالث، وظل ثابتًا في مسيرته الروحية حتى سنواته الأخيرة.ورغم مرضه في أواخر حياته، لم تفتر محبته للصلاة، فشارك في آخر قداس له عام 1996م، وظل متمسكًا بالتسبحة وقراءة المزامير حتى لحظاته الأخيرة. وفي(5 أبريل 1997م)، وهو على فراش المرض، منح بركته الأخيرة لكل من حوله، مودعًا العالم بروح مطمئنة، متوجًا حياة زاخرة بالقداسة والعطاء، ليترك وراءه سيرة عطرة تبقى خالدة في القلوب.
إرث روحي خالد
يُعتبر القمص منقريوس المحرقي نموذجًا للرهبان الحقيقيين الذين عاشوا ببساطة وتقوى عميقة، تاركًا أثرًا لا يُمحى في قلوب كل من عرفوه. لم تكن حياته مجرد سنوات عاشها داخل دير المحرق، بل كانت شهادة حيّة لمحبة الله التي أنارت طريقه، وجعلت منه مصدر إلهام لأجيال جديدة من الرهبان والساعين إلى القداسة.اطلب من الرب عنا، يا أبي القديس منقريوس، واسأل لنا نصيبًا من بركات حياتك الطاهرة.
وأخيرًا، تظل سيرة القمص منقريوس المحرقي نورًا يضيء طريق السائرين في درب الرهبنة والقداسة، فحياته كانت شهادة حيّة للزهد والمحبة والإيمان الراسخ. فعاش ببساطة، وخدم بتفانٍ، وأحب بتواضع، فصار مثالًا خالدًا للرهبان الذين أخلصوا لدعوتهم الروحية. ورغم مرور 28 عامًا على نياحته، يبقى إرثه الروحي منبع إلهام لكل من يسعى إلى الحياة الروحية الحقيقية، مجسدًا قول الكتاب المقدس: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ." (عب 13: 7). وأيضًا "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ" (رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 13: 17- 18) اطلب من الرب عنا، يا أبينا القديس منقريوس، واسأل لنا نصيبًا من بركاتك السماوية، لنسير على خطى القداسة، مستنيرين بمثالك الحي.