الأب جون جبرائيل
يروي إنجيل مرقس دخول يسوع إلى الصحراء بعد عماده، حيث «ساقه الروح إلى البرية، وكان في البرية أربعين يومًا يجربه الشيطان، وكان مع الوحوش، وكانت الملائكة تخدمه» (مرقس ١: ١٢–١٣). تضع بعض الكنائس هذا النصّ في قراءات بداية زمن الصوم، لأنّه يكشف عن مرحلة جوهريّة من الاستعداد لمسيرة يسوع النبويّة. غير أنّ الحدث لا يقتصر على بُعدٍ روحيّ فرديّ، بل يحمل في طيّاته أبعادًا أنثروبولوجيّة ولاهوتيّة وكنسيّة، تتكشّف من خلال عدسةِ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، في ضوء تقاليد الشرق المسيحيّ.

الصحراء: فضاء المواجهة بين الإنسان وقوى الظلم
في التقاليد الكتابيّة والشرقيّة، تمثّل الصحراء مكان المواجهة مع الذات، ومع القوى التي تسعى للهيمنة على الإنسان والتاريخ. في العهد القديم، يهرب موسى إلى الصحراء بعد قتله المصريّ (خروج ٢: ١١–١٥)، وهناك يلتقي بالله الذي يكلّفه بمهمة تحرير شعبه من العبوديّة (خروج ٣: ١–١٢). في الشرق، تحمل الصحراء أيضًا معنى تطهيريًّا، حيث تُختبر الدعوة وتُصقل الحرّيّة.

هذا النمط يتكرّر مع يسوع: في إنجيل مرقس، يدخل إلى الصحراء من دون كلام، بل بفعل الروح، ليواجه الشيطان. وهذه المواجهة لا تُختصر في تجربةٍ روحيّةٍ داخليّة، بل تعبّر عن رفضٍ جذريّ لمغريات السيادة والهيمنة، السياسية والاقتصادية (راجع متّى ٤: ١–١١؛ لوقا ٤: ١–١٣). إنّها مواجهةٌ بين منطق الله ومنطق العالم.

التحرير والصحراء: مسيرة نحو عدالة الملكوت
يمكن النظر إلى الصحراء على أنّها المكان الذي تُفكَّك فيه الهيكيليّات الظالمة، ومكان ميلاد ممارسةٍ نبويّة جديدة، ولنا في ذلك مثال يوحنّا المعمدان. الخروج إلى الصحراء كان بداية الحرّيّة، فالصحراء هي بوتقة العبور من العبوديّة إلى الحرّيّة، إلّا أنّ ذلك العبور يتطلّب مؤلم، حيث الإيمان بالله العادل يمرّ بالمحن.
من هذا المنطلق، يُعدّ دخول يسوع إلى الصحراء لحظةً تأسيسيّة لمسيرته كلّها، وليس انسحابًا من التاريخ، بل فعل مقاومة وبناء. من الصحراء يعلن يسوع بدء ملكوت الله (مرقس ١: ١٥). هذا يتقاطع مع تعليم الكنيسة الاجتماعيّ الذي يرى في العدالة الاجتماعيّة مكوّنًا جوهريًا للإيمان، كما تذكر وثيقة "فرح ورجاء": «نظام الأشياء يجب أن يخضع لنظامِ الأشخاص وليس العكس بالعكس. والسيد نفسه ألْمَحَ إلى ذلك عندما قال: "إنّ السبت خُلِقَ للإنسان ولم يخلق الإنسان للسبت" ويجب أن يتقدم هذا النظام باطّراد مؤسَّسًا على الحقيقة، مبنيًّا على العدالة ومنتعشًا بالحبّ. كما أن عليه أن يجد في الحرية توازناً أكثر إنسانية. وللبلوغِ إلى هذا المستوى يجب العمل على تجديد الذهنيات والبدء بتبديلاتٍ اجتماعية واسعة». (فقرة ٢٦).

التجرّد من السلطة: منطقٌ شرقيّ بديل
يرتبط فعل "خلع النعل" في التقاليد الشرقيّة بالخضوع لله والتجرّد والدخول في ما هو ملكٌ لله، قداسة الحضور الإلهي. حينما يطلب الله من موسى أن يخلع نعليه أمام العليقة الملتهبة (خروج ٣: ٥)، فإنّه يدعوه إلى منطق إلهيّ مغاير لمنطق السلطة البشريّة. في السياق ذاته، يدخل يسوع إلى الصحراء بلا "أسلحة دنيويّة"، بل بقوّة الروح، ليُظهر أنّ الانتصار لا يقوم على العنف أو السيطرة، بل على التخلّي الكامل والاتّكال المطلق على الله. هذا البُعد يتجلّى في تعليم البابا فرنسيس، في رسالته البابويّة "فرح الإنجيل"، حيث يشدّد على أنّ "التجرّد من الذات شرط أساسيّ لعيش إنجيل الفقراء. هكذا، يتحوّل الصوم إلى فعلٍ نبوّي ضد الاستهلاك واللامبالاة.

الصحراء مختبرًا للإرساليّة النبويّة
ليست الصحراء انسحابًا من العالم، بل مختبرًا لانبثاق رسالة مغايرة. فور خروجه من الصحراء، يبدأ يسوع بإعلان "أنّ الزمان قد كَمُل، واقترب ملكوت الله" (مرقس ١: ١٥). هذه الحركة من الوحدة إلى الرسالة، من التجرّد إلى المشاركة، تعبّر عن رؤيةٍ شرقيّة للقداسة، لا بصفتها ابتعادًا عن الواقع، بل التصاقٌ بجراحه.

في ضوء تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، هذه المسيرة تُجسّد دعوة كلّ مسيحيّ إلى التزامٍ اجتماعيّ نابع من اللقاء الشخصيّ بالله. وكما يؤكّد المجمع الڤاتيكانيّ الثاني، فإنّ «آمالَ البشرِ وأفراحَهم، في زمننا هذا، إنَّ أحزانَهم وضيقاتهم، لا سيما الفقراء منهم والمعذَّبين جميعاً، لهي أفراحُ تلاميذِ المسيح وآمالُهم، هي أحزانُهم وضيقاتهم. وهل من شيءٍ إنسانيٍّ حق إلا وله صداهُ في قلوبهم؟». (فرح ورجاء بند ١).

زمن الصحراء وزمن الالتزام
تكشف القراءة الشرقيّة لنصّ مرقس ١: ١٢–١٣، في ضوء تعليم الكنيسة الاجتماعيّ أنّ الصحراء ليست فراغًا روحيًّا، بل فضاءٌ تتلاقى فيه مواجهة الإنسان مع قوى الظلم، مع دعوته للتحوّل، ومع رسالته لتجسيد عدالة الملكوت. في الصحراء، يُخلع النعل لا للهروب، بل للاستعداد لمسيرة نبوية من أجل عالم أكثر حرّيّة.
الأب جون جبرائيل