قراءة : ماجد كامل
الحقيقة أنني قد سعدت كثيرا بالخطاب الجميل الذي ألقاه قداسة البابا تواضروس الثاني  بكلية أوربا الدولية في بولندا يوم الجمعة الموافق 25 أبريل 2025 . فهو خطاب يحمل  كثير من  المعاني الإنسانية الراقية التي لا تصدر إلا من فم إنسان مخلص لوطنه وكنيسته ، يحمل من الوعي الثقافي والإنساني الكثير من المعاني ، وسوف نحاول أن نقرأ سويا بعض فقرات من هذا الخطاب ، ونستخلص ما به من بعض نقاط الجمال والتميز :

1 – في الفقرة الأولى من الخطاب ، يراعي  قداسته مشاعر أخوتنا الكاثوليك ، وجرحهم العميق  في رحيل البابا  فرنسيس ، ويصفه أنه كان أخا عزيزا وصديقا مخلصا . وفي لفتة إنسانية رائعة يدعو الجميع إلى الوقوف دقيقة حداد على  روحه الطاهرة تكريما لخدمته الإنسانية ، وتكريسه للإنجيل . وذلك حسب وصف قداسته .

2-في لمسة إنسانية راقية ، لم ينس قداسته أن يقدم خالص الشكر للجامعة التي وجهت له الدعوة ، وهي تجسد الدعوة الإنسانية المشتركة إلى السلام والوحدة  ،وتواصل بناء الجسور بين أوربا ومصر والمجتمع الأشمل للدول المجاورة .

3-بصفته بطريرك الكنيسة القبطية الارثوذكسية ، لم يفوته أن يقدم لهم تحيات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الدافئة ( على حد تعبيره ) ، فهي الكنيسة التي تتضامن مع سائر الكنائس وجميع أصحاب الإرادة الصالحة . الأمر الذي يؤكد انفتاح الكنيسة القبطية على سائر كنائس العالم ، فهي حقا متجذرة في رمال مصر ( جميل أن يذكر أسم مصر ) . ولكن هذا التجذر لن  يؤدي بها إلى التقوقع أو العزلة ، إنما الإندماج ليس مع سائر الكنائس ، بل أيضا أصحاب الإرادة الصالحة من كل الأديان والمعتقدات .

4-في وسط المجتمع الأوربي ، يقدم قداسته مصر ، معتزا بأهم وأغلى ما تملكه الكنيسة القبطية ، فهي الكنيسة التي تباركت بزيارة العائلة المقدسة التي لجأت إليها هربا من العنف ، فصارت مصر هي الملجأ الآمن للسفر ، والحضور الإلهي الصامت ، ويؤكد قداسته أن  مصر الملجأ ليست فقط مصر الماضي  ، بل يصفها في عبارة بليغة رائعة الجمال " ما زال هذا الأرث جزءا من الحمض النووي الروحي لكنبستنا " .

5-يؤكد  قداسته أن الكنيسة القبطية ليست منعزلة عن العالم  ، فهي تنفذ الوصية التي تؤكد على أن الإنسان المؤمن في العالم ولكن ليس من العالم . بل هي كنييسة مندمجة  متفاعلة تساعد في بناء المجتمع ، والسعي إلى العدالة ، وتقديم الشفاء الروحي والجسدي والإجتماعي لكل إنسان  . وكل ذلك دون أن تتحول إلى أداة في يد الإيدلوجيات والسياسات المختلفة ، فواجب الكنيسة المسيحية أن تقف على مسافة  واحدة من جميع التيارات والاتجاهات .

6-هذا الدور الإجتماعي الرائد للكنيسة القبطية ليس وليد اليوم أو الأمس القريب ، بل هو متجذر منذ القرون الأولى ، فلقد أدركت أن دورها في النظام الإجتماعي هوز الشهادة  ، لا المشاركة في الحكم .  فهي متجذرة في المحبة ، والحق  ، والرجاء .

7-قدم قداسته برنامج عمل الكنيسة القبطية نحو العالم في ثلاث عبارات جامعة مانعة كما يقولون ، رسالتها أن تقدم نمطا آخر للحياة  .

+ لا للنافس ، بل لنكمل .
+ لا لنفرض ، بل لنقترح .
+ لا للنعزل ، بل للنندمج .

8- يؤكد قداسته أن الكنيسة القبطية لم ولن تسعى أن تكون دولة داخل دولة ، وليس هدفها  إطلاقا أن تكتسب سلطة سياسية ، بل تظل رسالتها ثابتة لكي تكون ضمير أخلاقي ، وملجأ آمن وحاملة للنور .  ( كما يقول السيد المسيح : ملح الأرض – نور العالم – الخميرة التي تخمر العجين كله ) .

9- ويذكر  قداسته في تلك الفقرة أحد الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليها الكنيسة القبطية ، فهي الكنيسة التي علمت  العالم الرهبنة ، التي ولدت ونمت في رمال صحاري وادي النيل ، حيث كان القديس العظيم الأنبا أنطونيوس الكبير ، الذي وصفه ب " أبونا الروحي والشخصية الموقرة في مختلف التقليد " ، فهو أول من انسحب إلى البرية ليعيش حياة مكرسة بالكامل لله . وهذه الرهبنة تعد واحدة من أعمق إسهامات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في  الحضارة الإنسانية كلها .

10- ثم يؤكد قداسته على القيمة الروحية الكبيرة للأنبا  أنطونيوس ، فهو الشخص الذي قدم "ثورة روحية " . وكل راهب أو راهبة ، سواء في الشرق أو الغرب  ، كاثوليكيا كان أو أورثوذكسيا ، هو –بطريقة ما – مدين لهذا المتوحد المصري الذي صار أبا للامم .

11-الرهبنة القبطية لم تشكل  الكنيسة فقط ، بل الخيال الأخلاقي للمجتمعات – على حد تعبيره – فلقد ذكرت الناس أن الحق لا يمكن اختزاله في القوة ، وأن السلام يبدأ في صمت  النفس . وهذا الأمر ما زال حقيقيا حتى اليوم ، في عشرات الأديرة داخل مصر وخارجها ، حيث يعيش آلاف الرهبان حياة صلاة ، وبساطة ، وشهادة ، وهي حياة لا تزال تخاطب أعمق احيتاجات العالم المعاصر ، ورسالة الكنيسة لا تقتصر على حياة الصحراء أو الدير فقط ، ولكن دعوتنا أيضا أن نكون في العالم ،نخدمه ، نداويه ،ونقف إلى جانب كل إنسان (لاحظ كلمة كل هنا ، فهي كلمة جامعة شاملة ) . ولا سيما الفئات الأضعف ( للمرة الثانية يؤكد قداسته على الدور الإجتماعي للكنيسة ) .

12- في الفكر المسيحي ، نتحدث عن  "الخير العام " ،بمعنى ازدهار المجتمع بأسره ،منطلقا من كرامة كل إنسان ، يشمل هذا مجالات ( العدالة الإجتماعية ، التعليم ، الرعاية الصحية ، السلام ، العافية الروحية " ( راجع كل بند من هذه البنود مع  نصوص الميثاق العالمي  لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 10 ديسمبر 1948 ) .  وهدفها في كل ذلك ليس شغل المناصب  الدنيوية  ، بل التمسك بشهادة الإنجيل .

13- في هذه النقطة ، يؤكد قداسته أن الكنيسة في مختلف القارات وعبر التاريخ كله ، أسست مدارس ، ومستشفيات  ،ودور أيتام ، ووقفت بجانب السجناء واللاجئين ، وتحدثت بالحق  حين كان الحديث خطرا على سلامته  ، وذلك ليس بهدف الوصول إلى منصب سياسي ، بل تجسيد عملي للمحبة المسيحية كما دعا إليها السيد المسيح .

14-رسالة الكنيسة أن تكون حارسة للضمير وسط عالم يخلط أحيانا بين التقدم ونسيان النفس ، يجب أن يكون صوت الكنيسة واضحا بدون أي خلق لعداوات مع أحد ،مخلصا بلا تحزب ، واثقا بلا تكبر  .

15- يلفت قداسته في هذا البند طبيعة الزمن المعقد الذي نعيش فيه ، فالنزعة العلمانية في نمو ، كذلك إغراءات الإنسياق أو التسيس أو الانسحاب ...  فالتطرف اليوم لم يعد محصورا في إساءة فهم الدين ، بل نرى أيضا أشكالا  جديدة من التطرف العلماني : أيدلوجيات صارمة ترفض الحياة الروحية ، وتسكت الحوار ، وتترك أقل القليل من المساحة للروح الإنسانية .

16-في كل ظروف تلك التحديات ، لا يجب على الكنيسة أن تقف صامتة و تتخلى عن رسالتها الإجتماعية ، ولا تسمح لنفسها أن تصير أدوات في يد الأجندات السياسية .

17-  ويعود قداسته مرة أخرى ليؤكد على الدور الإجتماعي للكنيسة ، من خلال الوعي بقضايا  مثل : ( الهجرة ، المناخ ، حقوق الإنسان .... الخ ) فالكنيسة هنا لا تتحدث انطلاقا من أيدلويولوجيا ، بل من إيمان أعمق بأن كل ( للمرة الثالثة يؤكد على  كلمة كل ) إنسان  مخلوق على صورة الله ،ويستحق  أن يعيش في سلام ، واحترام ، وعدالة ، وعندما تدافع الكنيسة عن الحياة والأسرة ، فأنها تنطلق من كونها أحدى أسس الكرامة الإنسانية ، وليست مجرد نقاط في برنامج حزبي .

18- واجب الكنيسة أن تسير في الطريق الضيق ، تنخرط بعمق في المجتمع وتحدياته ،دون أن تنجرف إلى التفكير بطريقته أو أسلوبه . وربما لا توجد كنيسة تدرك هذا التوازن الدقيق مثل الكنيسة المصرية ، فمنذ ألفي عام ،كانت ومازالت جزء لا يتجزأ من  الأمة ،وفي نفس الوقت لم تتخل يوما لصالح القيم السائدة في المجتمع . فعندما كانت مصر تحت الحكم الروماني الوثني ، آمن الأقباط بالسيد المسيح  ، وعندما صارت امبراطورية مسيحية ، احتفظ الأقباط بلاهوتهم المميز ، وحين دخل العرب مصر ، بقي الأقباط مسيحين .

19- لم تسع الكنيسة القبطية يوما  إلى أي طموح سياسي ، رسالتها دوما عبر العصور أن تخدم ،وتصمد ، وعبر التاريخ عشنا أزمنة صعبة من تهميش وإقصاء وعنف ، لكننا اختبرنا أيضا الصمود العميق ،  والتضحية ، والرجاء .

20- ويختتم قداسته خطابه الجامع المانع بخبرة شخصية ، عندما عاشت الكنيسة لحظات من الاضطراب  عام 2013 ، وتعرضت الكنائس للهجوم ، والدمار ، والحرق ، شعرت عندئذ بمسئولية  أخلاقية تدفعني للكلام ، والدعوة إلى التهدئة ،ووقف العداوات ،وتجديد التزامنا بالحياة المشتركة ، وقلت ساعتها أن " وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا بوطن " ، وهذه الدعوة تمثل قناعتنا أن ليس دور الكنسة حماية الأبنية ، بل حفظ روح شعب  يعيش في انسجام ، يمكننا دائما أن نعيد بناء ما تهدم من حجارة .

21-  الكنيسة لا تسعى إلي السيطرة على العالم ، بل إنارته ، وتعزيز دور السلام ... رسالتنا أن نكون في العالم ، لكن لسنا من العالم ، ليس هروبا ، بل دعوة ، وعهد حضور ، وشهادة محبة .

22- ويختتم قداسته خطابه الجميل بدعوة العالم فيقول " لا تخافوا من طريق الحياة في العالم ، انخرطوا في مجتمعاتكم ، أحبوا أواطنكم ،دافعوا عن الحق ، احملوا معكم تواضع الخدمة ، لا كبرياء السلطة ...... فلنسر معا " الكنيسة والمجتمع " المؤمنين والباحثين ، أصحاب الرجاء والمجروحين ، نحو عالم تصان فيه الكرامة ، ونسعى فيه إلى السلام ، نرى فيه البريق الإلهي والتكريم في حياة كل إنسان .

 ويبقى لنا في النهاية أن نقدم خالص الشكر  التحية إلى أبينا الحبيب قداسة البابا المعظم الانبا تواضروس  الثاني ، على خطابه الممتع الجميل المملوء من كل حكمة ومعاني إنسانية ، ربنا يخليك يا سيدنا ،وتعيش لنا دايما  تقدم المحبة للجميع  ، ربنا يخليك  للكنيسة والوطن والإنسانية كلها ، وتعيش وتشرفنا وترفع راسنا دائما .