(20 مايو 325 ـ 20 مايو 2025)
[1]
الأزمة الأريوسية
بقلم كُلود لوبيه
نص الفصل السادس من كتاب "تاريخ الكنيسة المفصل" المجلد الأول
نقله إلى العربية: الأبوان أنطوان عزال و صبحي حموي اليسوعي
دار المشرق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هزَّت الكنيسة أزمة خطيرة: هل المسيح هو أدني من الآب؟
وهل ألوهيته هى مثار جدل؟
مجمع كبير عُقِد فى نيقية سنة 325 أكد إيمان الكنيسة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ انتصار قسطنطين فى 312م، تمتعت الكنيسة بحظوة السلطة الإمبراطورية. وبعد أن كانت مضطهَدة فى الأمس، ها هى اليوم ظافرة. وقد أنعش المسيحيين انقلاب أوضاعهم حتى إنه دفعهم إلى التوهم. ولنا فى تصريحات أوسابيوس القيصرى الحماسية دليل على دهشهم.
غير أن الحماسة لم تدم طويلاً. ففى الشرق مزَّق الكنيسة خلافٌ فى التعليم ذو خطورة لا مثيل لها منذ قيام الأزمة الغنوصية. فى السنة 318 قام كاهن إسكندرانى، أسمه آريوس، يروج أفكاراً اعتبرها أسقفُه الإسكندر هرطوقية. فانعقد مجمعٌ محلي دان آريوس وحرمه فى 323. فلجأ إلى فلسطين ونزل عند صديقه أوسابيوس القيصري، ولاقى دعماً من بعض الأساقفة واللاهوتيين الشرقيين فتفاقم الخلاف. وحين انتصر قسطنطين على خصمه ليقينيوس وتولى زمام الحكم فى الشرق الرومانى، لقي هناك كنيسة تمر بأزمة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
تعليم آريوس:
ـــــــــــــــــــــــــــ
ذلك بأن تعليم آريوس يمس أمراً فى صميم الإيمان المسيحي، وهو سر الثالوث. كان آريوس كثير الاهتمام بالمحافظة على القدرة الكلية التى يتمتع بها الآب ـ وهو وحده "غير مولود" ـ ولكنه كان في الواقع يطرح علامة استفهام حول ألوهية المسيح. ففي نظره، الآب وحده إله حقيقى، أزلي، لا بدء له. أما الابن، الكلمة المتجسد فى يسوع المسيح، فليس هو أزلياً ولا غير مخلوق. لا شك فى أن "خَلفه" يرقى إلى "ما قبل الدهور كلها"، إلا أنه ليس سوى بكر الخلائق، ويستمد طابعه الإلهي من هبةِ من الآب. فالابن هو، فى نظر آريوس، تابع للآب وأدنى منه.
ليست تلك الأفكار بجديدة. فقد سبق أن أُعرب عنها فى الإسكندرية فى القرن الثالث، ولكنها اتخذت عند آريوس صيغة نظامية، إذ كان المقصود أن يُشرح سر الثالوث بوجه يُرضي العقل البشري. فإنه يبدو أن هناك نناقضاً بين الإيمان بإله واحد وتأكيد ألوهية المسيح ـ وهو إله حقيقى مع كونه أصبح إنساناً، وواحد مع الآب مع كونه متمايزاً عنه. أراد الأريوسيون أن يتخطوا ذلك التناقض، فاستعملوا مفاهيم الأفلاطونية المحدثة، وهى أكثر المذاهب الفلسفية شيوعاً في ذلك العصر، وتقول بأن هناك مراتب كثيرة من الكائنات الإلهية تتدرج بين الألوهية العليا والخليقة.
رأى خصوم آريوس خطر الوقوع في موقف يعني إنكار ألوهية المسيح، أوليس جوهر المسيحية يكمن بالضبط في سر الله الذي صار بشراً؟ إلى ذلك الحين لم تكن السلطة الكنسية قد حسمت الأمر فعلاً. فقبل عهد قسطنطين، كانت الكتيسة مضطهَدة أو غير معتَبرة، فلم تتمكن من تسوية مشاكلها الداخلية. ولما جاء قسطنطين، تولى زمام الأمور، فأكد أن سلام الكنيسة يهمه بقدر ما يهمه سلام الدولة، وقرر، في السنة 325، أن يدعو إلى انعقاد مجمع، فى قصره النيقاوى، فى آسية الصغرى، يضم أساقفة من العالم المسيحي كله.
ـــــــــــــــــــــــــــ
مجمع نيقية:
ـــــــــــــــــــــــــــ
كان أول مجمع اتضح أنه عالمي، "مسكوني". وقد بذل قسطنطين كل ما في وسعه لكي يتمكن الأساقفة من الوصول، حتى أنه أعطاهم حق استخدام البريد الإمبراطوري، المخصص عادة لنقل الموظفين الذين يقومون بخدمتهم. ومع ذلك كله، لم تخلُ العقبات المادية من التأثير، فمعظم الأساقفة الثلاثمائة تقريباً، الذين اجتمعوا فى 20 آيار (مايو) 325، كانوا من الشرق. وكان الغرب اللاتيني ممثلاً بعد قليل، أي بثلاثة أو أربعة أساقفة فقط، ومنهم هوسيوس أسقف قُرطُبة، "خبير" قسطنطين في المسائل الدينية.
افتتح قسطنطين المجمع إذاً في قاعة القصر الكبرى. وسرعان ما ارتسمت ميول المشاركين: فليس الآريوسيين المتشددون، مع اوسابيوس أسقف نيقوميدية، سوى قلة، وهم يصدمون غالبية الأساقفة بصيغهم غير المرنة التي تنكر ألوهية المسيح. وفي الجهة المقابلة ، تجمَّع أشد خصوم الآريوسية عزماً حول إسكندر السكندري ـ يرافقه شماسه وخَلَفُه أثناسيوس ـ وهوسيوس أسقف قرطبة، وسعوا إلى حمل المشاركين في المجمع على إعلان "تساوي" الآب والابن "في الجوهر". والكلمة اليونانية التى تعبِّر عن تلك الوحدة في الطبيعة الإلهية هى أومُوأوسِيُوس. ورأى عدد من الأساقفة المجتمعين حول المؤرخ اوسابيوس القيصري، وهم أكثر اعتدالاً، أن خطر التعليم الآريوسي ليس بكبير، فاهتموا بالوحدة أكثر منهم للدقة: فلِم البحث عن صِيَغ جديدة وعدم الاكتفاء بتعابير الكتاب المقدس؟ فرفض الحزب "المحافظ" كلمة أوموأوسيوس.
وأخيراً تبنّى الملتئمون في المجمع قانون الإيمان المستعمل في قيصرية فلسطين قاعدة لإعلان إيمانهم، ولكنهم وضّحوا ذلك النص بتبني كلمة أوموأموسيوس، "المساوي في الجوهر"، التي تؤكد بوضوح ألوهية الابن: "إنه إله آتٍ من إله، ونور آتٍ من نور، وإله حقّ آتٍ من إله حقّ، مساوٍ للآب في الجوهر، وبه خُلِق كاُّ شيء". وقد حفظت الكنائس المسيحية ذلك النص إيمانٍ لها.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ذيول الأزمة:
ـــــــــــــــــــــــــــ
أسقفان فقط أيَّدا آريوس فى موقفه حتى النهاية. فحُرِمَ الثلاثة، وبدا أنَّ القضية انتهت.
إلا أن شيئاً من ذلك لم يكن. فكثير من الأساقفة الشرقيين، كأوسابيوس القيصري، لم يقبلوا بالتحديد النبقاوى إلّا على مضض، في حين بقي بعضهم كأوسابيوس أسقف نيقوميدية الطموح، أريوسياً فى قلبه. وأخذوا على النيقاويين أنهم خلطوا بين الأقانيم الإلهية الثلاثة، وجعلوا منهم "أَشكَالاً" لإله واحدٍ شخصى أُوحي به للبشر ـ وفي الواقع، عرَّض بعض النيقاويين أنفسهم (أمثال مَرسِلس الأنقيري وآخرين) لذلك الإنتقاد. أما الغربيون ـ وكنيسة رومة بوجه خاص ـ فكانوا متمسكين تمسُّكاً شديداً بتعليم المجمع. وكان ذلك بداية لحفر هوّة راحت تتسع تدريجياً بين الشرق اليوناني والغرب اللاتيي، إذ إنّ كلاً من الطرفين وضع عِلمَ لاهوت مختلفاً، وفَهِمَ فكر الآخر على نحو كان يزداد سوءاً.
وهكذا نشأت الأحزاب: حزب النيقاويين من جهة، مع الغريين والإسكندريين الذين برز أسقفهم الجديد أثناسيوس كبطل الإيمان القويم الذي لا يكل ولا يهدأ، ومن جهة أخرى حزب الأريوسيين المجاهرين الذين يحطّون من ألوهة المسيح إلى أقصى حد. وبين الحزبين، ظهرت مدازس لاهوتية كانت تسعى إلى إيجاد حل وسط: وكان زعماؤها يعتبرون المسيح أدنى من الآب، من دون أن ينكروا ألوهيته. وكان اليونانيون يتحركون بلا مشقة داخل تلك النزاعات، لتدربهم على المناقشات التي دارت بين مدارسهم الفلسفية مدة عدة قرون. ولكن، هل تلك المناقشات "البيزنطية" لا فائدة لها لأجيال القرن العشرين؟ لا نؤكد ذلك، فإننا أمام جوهر الإيمان المسيحي.
وما زاد النقاش تعقيداً هو تدخلات الأباطرة. فالأريوسيّون حملوا قسطنطين على تعديل موقفه، فانتهى به الأمر إلى تأييد تعليمهم: فنفي أثناسيوس واستُدعي آريوس من منفاه وعُقد مجمع أعاد إليه الاعتبار قبل أن يتوفاه الله سنة 335. وأوسابيوس أسقف نيقوميدية الأريوسي هو الذى عمَّد قسطنطين على فراش الموت في 337. وخلف قسطنطين في الغرب ابنُه قسطنطيوس الموالى لمجمع نيقية، وفي الشرق ابنُه قسطنطينوس الثاني المؤيد لموقف معتدل من الأريوسية. وفي 353، امتدًت سلطة قسطنطينوس الثانى إلى الغرب أيضاً. فانتصرت الأريوسية. وكانت النتيجة أن عُزل ونُفي الأساقفة النيقاويّون، لا القديس اثناسيوس وحده، بل القديس هيلاريون أسقف بواتييه، وهوسيوس أسقف قُرطُبة العجوز، وليباريوس بابا رومة أيضاً. وإلى جانب ذلك، انتشر مذهب أكثر تشدداً، حول آيقِيُوسس وأُونومُس، اللذين أنكرا ألوهة المسيح إنكاراً جذرياً. وانعقدت مجامع تُنكِرُ إيمان نيقية، في الشرق وحتى فى الغرب، من شدة خوف الأساقفة أمام قدرة الإمبراطور المطلقة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
آباء الكنيسة:
ـــــــــــــــــــــــــــ
ولحسن الحظ، ظهر أعظم الكتّاب والمفكّرين في العالم المسيحيّ القديم، أولئك الذين دُعوا في ما بعد آباء الكنيسة، وأنقذوا الإيمان المُهدَّد. وقد شق أثناسيوس الطريق مسلِّطاً الأضواء على معنى التجسُّد، سرّ الإله الذى صار إنساناً ليؤله الإنسان المخلَّص. وفي قبدوقية (كابدوكية)، فى قلب آسية الصغرى، قام باسيليوس أسقف قيصرية، وأخوه غريغوريوس النيصي وصديقه غريغوريوس النازيانزيّ، بوضع علم لاهوت أوسع وأعمق حول الثالوث الأقدس. ففي حين كان الأريوسيون يريدون أن يقصروا السّر الإلهي على استدلالات بشرية، أكَّد الثلاثة أنّ الله لا يُدرَك وأنّه يفوق كل الكلمات وكل الأفكار البشرية. وكانوا رجال صلاة، فعلّموا أنّ الله يُدرك في الصمت والعبادة، لا في صخب الكلمات. كان أونومس الأريوسى يعتقد بأنه يستطيع أن يحصر كيان الله في التحديدات، وأن يقصره على مقولات العقل البشريّ. وعلى هذا الادّعاء، وقد يكون أشد المسائل الأريوسية هرطقةً، رد الآباء بالشهادة التالية: ليس الله من صُنع الفلاسفة والعلماء، بل هو في كيانه الثالوثي، سرّ لا يُدرَك. ولكن الله عرَّف، في يسوع المسيح، أنّه محبة، ومكَّن كل من ينفتح على محبّته من التقرب إليه. إن السر الثالوثي هو حركة حب أزلية بين الأقانيم الثلاثة. ويسوع يدعو المسيحيّ إلى الدخول في تلك الحركة والمشاركة في حياة الله.
وأمام هذا التعليم السامي، الذي عبَّر عنه غريغوريوس النيصيّ ببراعة فلسفية لا تقبل الجدل، بدت حجج أنومس الأريوسية واهية وجوفاء. والمسيحيون الذين يتمتعون بحس روحي حقيقي لم يقعوا في هذا الخطأ. وبذلك انتصر الإيمان القويم في الشرق، وتوصل الآباء القبدوقيون إلى المصالحة بين اليونانيين والغربيين الذين ظلوا أمناء لقرارات مجمع نيقية، وإلى إقناع كِلا الطرفين بوحدة إيمانهما. ولما توفِّي القديس باسيليوس، في 379، كانت المعركة قد تكللت فعلاً بانتصار حزبه.
وفى تلك السنة نفسها، تسلَّم الإمبراطور ثيودوسيوس السلطة في الشرق، وكان غربياً مناصراً لمجمع نيقية، فأمر بالعودة إلى الإيمان القويم، وعقد سنة 381، في القسطنطينية، المجمع المسكونىي الثاني. فأكد هذا إيمان نيقية وأعلن أيضاً ألوهة الروح القدس "الرب، واهب الحياة والمنبثق من الآب".
هُزِمت الأريوسيّة، لكن الصدمة كانت خطيرة، إذ لم يكن الأمر يختص، كما في عصور الاضطهادات، بهجمات من خارج الكنيسة. فإن بذور التخريب ظهرت هذه المرة من داخل الكنيسة، فكان ذلك الامتحان شاقاً. وبفضل الآباء، خرجت الكنيسة متقوّية ومقتنعة بضرورة التفكير اللاهوتي، وشهد القرن الرابع تطوراً رائعاً في ذلك التفكير، وقد بلغ منذ تلك الحقبة نضجاً يصعب تجاوز مستواه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثيقة القانون النيقاوى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نؤمن بإله واحد، آب قدير، خالق كل شئ
ما يُرى وما لا يُرى، وبربِّ واحد يسوع المسيح، ابن الله،
الوحيد المولود من الآب،
أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور،
إله حق من إله حق، مولود، غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر
به خُلق كل شيء، ما في السماء وما على الأرض،
من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا
نزل وتجسد وصار إنساناً، وتألم وقام في اليوم الثالث،
وصعد إلى السماوات، وسيأتى ليدين الأحياء والأموات
ونؤمن بالروح القدس.
أما الذين يقولون :
"كان وقت لم يكن فيه، وهو لم يكن قبل أن يولد"
"أن ابن الله هو من أقنوم أخر، أو أنه مخلوق، أو متغير أو متبدل"
فأولئك ترشقهم الكنيسة الجامعة والرسولية بالِحرم.
المقال التالي :
أسقف مناضل : أثناسيوس الإسكندري (الرسولي)
فصل من كتاب "تاريخ الكنيسة المفصل" المجلد الأول.





