الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

(Teresia Benedicta vom Kreuz – Edith Stein) – (1891–1942)
راهبة كرملية، شهيدة

في أحد الأيام، صادف أن رأتْ امرأةً تدخل كاتدرائية فرانكفورت حاملةً سلّتها، وتتوقّف للصلاة لبرهة. «كان ذلك أمرًا جديدًا بالكامل في نظري». في المعابد اليهوديّة والكنائس البروتستانتيّة التي كنتُ أرتادها، يأتي المؤمنون إلى الصلوات الجماعية. أمّا في هذه الحالة، فقد دخلت امرأةٌ كنيسة خالية كأنما جاءت إلى لقاءٍ حميم. لم أستطع نسيان ما حدث." وفي الصفحات الأخيرة من أطروحتها كتبت: «كان يوجد أشخاصٌ، نتيجةً لتحوّل غير متوقَّع في شخصياتهم، ظنّوا أنهم التقوا رحمة الله.» فكيف وصلتْ إلى هذا الاستنتاج؟

كانت إديت شتاين مرتبطةً بروابط صداقةٍ عميقة مع مساعد الفيلسوف هوسّرل في جوتنجن، أدولف رايناخ، وزوجته. وقد تُوفِّي رايناخ في فلاندر في تشرين الثاني/نوفمبر 1917. ذهبتْ إديت إلى جوتنجن، وكان الزوجان رايناخ قد اعتنقا الإيمان الإنجيليّ. شعرتْ إديت ببعض التردّد تجاه لقاء الأرملة الشابة. ولكن بدهشة كبيرة، التقت بمؤمنة. «كانت تلك المواجهة الأولى لي مع الصليب، ومع القوّة الإلهيّة التي ينقلها إلى من يحملونه [...] كانت اللحظة التي انهار فيها عدم إيماني، وتألّق فيها المسيح»." وكتبتْ لاحقًا: «ما لم يكن في مخطّطاتي، كان في خطط الله. تولّدتْ فيَّ قناعةٌ عميقة بأنّه لا توجد صدفة لدى الله؛ حياتي بأكملها، حتّى في أدقّ تفاصيلها، مرسومة سلفًا وفقَ تدبير العناية الإلهية، وتظهر أمام نظر الله الواضح المتفرّد بوصفها وحدة متكاملة تمامًا».

في خريف 1918، توقفتْ إديت شتاين عن العمل مساعدةً لإدموند هوسّرل، لأنها رغبتْ في العمل باستقلال. وزارت هوسرل للمرّة الأولى منذ اهتدائها في سنة 1930. وخاضت معه نقاشًا بشأن إيمانها الجديد، وكانت تودّ لو شاركها فيه. ثمّ كتبت قولًا مدهشًا: «بعد كل لقاء كنت أشعر فيه بعدم قدرتي على التأثير فيه مباشرة، يتجدّد في داخلي الإلحاح المرتبط بذبيحة ذاتي.»

كانت إديت شتاين تطمح لنيل التأهيل الأكاديمي للتدريس في الجامعة، وكان ذلك في حينها أمرًا مستحيلًا للنساء. وقد علّق هوسرل أثناء تقديمها للترشّح قائلاً: "لو فُتحت الحياة الأكاديمية أمام النساء، لأوصيتُ بها بحرارة أكثر من أي شخص آخر لنيل التأهيل للتدريس.» لكنّها مُنعتْ لاحقًا من الحصول عليه بسبب أصولها اليهودية.

عادت إديت شتاين إلى ڤروتسواڤ، وكتبت مقالات في علم النفس وسائر العلوم الإنسانية. لكنها قرأت أيضًا العهد الجديد، وكيركجورد (كيركجارد)، وكتاب الرياضات الروحية للقديس إغناطيوس دي لويولا. وأدركتْ أنّه لا يمكن الاكتفاء بقراءة مثل هذا الكتاب، بل يجب تطبيقه عمليًا.

في صيف 1921، زارت إديت بيت السيدة هيدڤيش كونراد-مارتيوس، إحدى تلميذات هوسرل، في بيرجتسابرن (في منطقة بالاتينات). وكانت هذه السيدة اعتنقت الإيمان الإنجيلي مع زوجها. وفي إحدى الليالي، وجدتْ إديت في المكتبة سيرةَ القدّيسة تريزا الأڤيليّة، فقرأتْها طوال الليل. وقالت: «عندما أنهيتُ الكتاب، قلتُ لنفسي: هذه هي الحقيقة.» ونظرتْ لاحقًا إلى حياتها بالقول: «كان بحثي عن الحقيقة هو صلاتي الوحيدة.»

في الأول من كانون الثاني/يناير 1922، نالت إديت شتاين سرّ المعمودية. وكان ذلك في يوم عيد ختان يسوع، أي دخوله في نسل إبراهيم. وقفتْ إديت أمام جرن المعموديّة مرتديةً عباءة العرس البيضاء الخاصة بهيدڤيش كونراد-مارتيوس، والتي أصبحتْ عرّابتها. وقالت: «كنتُ قد توقّفتُ عن ممارسة الديانة اليهوديّة، ولم أشعر أنّني يهودية مجددًا إلا بعد عودتي إلى الله.» ومنذ ذلك الحين، باتتْ تدرك انتماءها إلى نسل المسيح ليس إدراكًا عقليًّا فحسب، بل واقعيًّا. وفي عيد التطهير، وهو أيضًا عيدٌ ذو جذورٍ يهوديّة، نالتْ سرّ التثبيت من أسقف شپاير في مصلاه الخاصّ.

بعد اهتدائها، عادت مباشرةً إلى ڤروتسواڤ. «أمّي، لقد أصبحتُ كاثوليكيّة." وبكتا معًا. وكتبت هيدڤيش كونراد-مارتيوس: «رأيتُ امرأتين من إسرائيل، لا ينقص أيًّا منهما الصدق» (راجع يو 1: 47)

رغبت إديت على الفور في دخول دير الكرمليّات، لكن مرشديها الروحيين، نائب أسقف شباير، والأب اليسوعي إريك بريسڤارا، منعاها من اتخاذ هذه الخطوة. فدرّست حتى عيد الفصح سنة 1931 اللغة الألمانية والتاريخ في ثانوية ودير المعلّمات الدومنيكيّات في شباير. وبإلحاح رئيس دير بويْرون، الأب رافائيل ڤالتسر، بدأت تُلقي محاضرات في مواضيع تخصّ النساء. وقالت: «في المرحلة التي سبقت اهتدائي مباشرة، وطوال فترة طويلة بعده [...] كنت أظنّ أن الحياة الرهبانيّة تعني التخلي عن كل شيء أرضي والعيش فقط في فكر الله. ولكنني أدركت تدريجيًا أن هذا العالم يتطلّب منّا أمورًا أخرى كثيرة [...]. بل أعتقد أنّ الإنسان كلّما شعر بانجذابه إلى الله، ازدادتْ حاجته إلى "الخروج من ذاته"، بمعنى التوجّه إلى العالم ليحمل إليه سببًا إلهيًا للحياة».

وكان برنامج عملها ضخمًا. فقد ترجمتْ رسائل ومذكرات الفترة السابقة لاعتناق جون هنري نيومان الكاثوليكية، كما ترجمتْ كتاب «المسائل المتنازَع عليها في شأن الحقيقة» لتوما الأكوينيّ، في صيغة حرّة للغاية، حبًّا في الحوار مع الفلسفة الحديثة. وقد شجّعها الأب بريسڤارا على كتابة مؤلّفات فلسفية خاصة بها. وأدركتْ أنّ بالإمكان «ممارسة العلم في خدمة الله [...]. ولأجل هذا وحده استطعتُ أن أقرر البدء في سلسلة من الأعمال العلميّة". وكانت تستمدّ دومًا قوتها لحياتها ولعملها من دير البندكتيين في بويْرون، حيث كانت تقضي الأعياد الليتورجية الكبرى.

 #إديت_شتاين#
للمقال بقية

ترجمتي عن الفرنسيّة:
https://www.vatican.va/.../ns_lit_doc_19981011_edith...