بقلم د. ق يسطس الأورشليمى
كتاب وباحث في التاريخ المسيحى والتراث المصرى
وعضو إتحاد كتاب مصر
من ذلك نتضرع لأجل خطايانا قائلين:"وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا" (مت 6: 12). فبعد سند الطعام.
نطلب أيضاً لأجل مغفرة الخطايا، لكي يحيا في الله ذاك الذي يُطعِمَه الله، ولا يعولنا الرب في حياتنا الحاضرة والزمنية فقط بل أيضاً في الحياة الأبدية تلك التي ننالها إذا كانت تُغفر لنا، وكم بالضرورة وبحكمة وللمنفعة يحذرنا الرب أننا خطاة حيث أننا يجب أن نتضرع لأجل خطايانا.
وبينما يُطلب الغفران من الله، تتذكر النفس إدراكها للخطية! فحتى لا يمدح أحد نفسه بأنه بلا خطية، وبرفعه نفسه يتعظم هلاكه، لذلك يُعَرَّف ذاك ويُعَلَّم بأنه يخطئ كل يوم عن طريق أمره بالطلبة يومياً لأجل خطاياه.
هكذا أيضًا يحذرنا يوحنا في رسالته ويقول: "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا" (1يو 9,8:1). في رسالته قد أدمج الاثنين: أننا لابد أن نتضرع لأجل خطايانا، وإننا لابد أن ننال الغفران عندما نطلب. فلأجل هذا قال أن الرب أمين ليغفر الخطايا، إذ هو أمين لوعده: لأن ذاك الذي علمنا أن نطلب لأجل ديوننا وخطايانا، قد وعدنا أنه سوف يتبع ذلك برحمته الأبوية وغفرانه.
فواضح أنه أضاف وأزاد على الناموس، معطياً إيانا شرطاً وقيدًا، أن نسأل أن تُغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا، عالمين أننا لا يمكن أن ننال ما نطلبه إزاء خطايانا إلا إذا كنا نحن نعامل المذنبين إلينا بالمثل. لذلك يقول أيضاً في موضع أخر "بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم" (مت 7: 2)، والعبد الذي لم يغفر لرفيقه العبد، بعد أن غفر له سيده كل دينه، طُرح في السجن. لأنه لم يغفر لرفيقه العبد، فلقد فَقَدَ المغفرة التي قدمها له سيده. وتلك الأمور يوضحها لنا المسيح بأكثر إلحاح وتوبيخ في مبادئه.
إذ يقول الرب: "ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء، لكي يغفر لكم أيضا أبوكم الذي في السماوات زلاتكم. وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر أبوكم الذي في السماوات أيضا زلاتكم" (مر 11: 25، 26). إذًا لا يبقى أي أساس لأعذار في يوم الدينونة عندما تُدان كما حكمت أنت (على غيرك) وكما فعلت سيُفعل أيضًا بك. فالله يأمرنا أن نكون صانعي سلام وفي اتفاق وبفكر واحد في بيته (مز 68: 6؟) وكما خَلقَنَا بالميلاد الثاني هكذا يريدنا أن نكمِّل بعد أن وَلَدَنَا ثانية، لكيما نثبت في سلام الله نحن الذين بدأنا أن نكون أبناء الله، وأن يكون لنا قلب وفكر واحد إذ لنا روح واحد. لذلك لا يقبل الله ذبيحة من هو في خصومة بل يأمره أن يرجع عن المذبح ويتصالح أولاً مع أخيه لكيما يُرضي الله بصلوات صانع السلام. فالذبيحة العظمى لله هي سلامنا واتفاقنا الأخوي وكذلك شعبًا متحدًا في وحدانية الآب والابن والروح القدس.
فحتى في الذبائح التي قدمها هابيل وقايين، لم ينظر الله إلى تقدماتهم بل إلى قلوبهم، وهكذا قُبلت تقدمة الذي كان قلبه مقبولاً أمامه. وإذ كان هابيل مسالماً وباراً في تقديم ذبيحته بطهارة إلى الله، علّم آخرين أيضاً أن يتقدموا بخوف الله عندما يأتون بتقديمهم إلى المذبح وببساطة قلب وبناموس البر، وبسلام الوفاق. لم يكن بلا سبب أن ذاك الذي قدم ذبيحته لله هكذا أصبح هو نفسه ذبيحة لله فيما بعد، إذ ذاك الذي كان أول من أرانا الاستشهاد و بدأ آلام الرب بمجد دمه (دم هابيل) ، كان متصفاً ببر الرب وسلامه.
أخيرا، فالذين هم مثله سيكلِّلَهم الرب، الذين مثله سينتقم لهم الرب في يوم الدينونة، ولكن محب الخصام والمنشق، الذي ليس له سلام مع أخوته، فبحسب شهادة الرسول المبارك والكتاب المقدس، فحتى إن كان ذاك قد قُتل على اسم المسيح، فلن يستطيع أن يفلت من جريمة الشقاق الأخوي، لأنه، كما هو مكتوب، "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس" (1يو15:3) وكل قاتل نفس لا ينال ملكوت السموات ولا يحيا مع الله. فلا يستطيع أن يكون مع المسيح ذاك الذي فضَّل أن يكون على مثال يهوذا وليس المسيح. ما عظم الخطية التي لا تُغسل حتى بمعمودية الدم، ما بشاعة الجريمة التي لا يُكَفَّر عنها بالاستشهاد!!
القديس كبريانوس:" لقد نلنا سرّ المعموديَّة، ومع ذلك فنحن مدينون، لا لأن المعموديَّة لم تغفر خطيَّة معيَّنة، وإنَّما لأنَّنا نرتكب في حياتنا ما يحتاج إلى غفران يومي. إن الذين اعتمدوا، وبعد خروجهم من جرن المعموديَّة انتقلوا من العالم في الحال، هؤلاء تركوا العالم وهم بلا خطيَّة، وأما من اعتمد، وبقي في هذه الحياة، فإنَّه يرتكب نجاسات بسبب ضعفه الجسدي.
وبالرغم من أن ما يرتكبه من نجاسات لا يؤدِّي إلى غرق سفينة حياته، إلاَّ أنَّها تحتاج إلى مضخَّة تنزح هذه النجاسات التي دخلت السفينة لئلاَّ يؤدِّي دخولها شيئًا فشيئًا إلى غرق السفينة. وأما المضخَّة فهي الصلاة، ولكن علينا أن نصنع الإحسان أيضًا مع الصلاة. فعندما نستخدم المضخَّة لنزح ما بالسفينة، نستخدم أصواتنا وأيدينا. ونحن أيضًا نستخدم أصواتنا عندما نصلِّي قائلين: "أغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا" ونعمل بأيدينا عندما "نكسر للجائع خبزًا وندخل المساكين التائهين إلى بيوتنا" (أنظر إش ٥٨: ٧). اصنع إحسانًا في قلب الفقير فيشفع فيك أمام الرب.
ففي "جرن الولادة الجديدة"، ننال مغفرة جميع خطايانا ومع ذلك فنحن نُساق إلى ضيقات عظيمة ما لم ننل المغفرة اليوميَّة بهذه الطلبة المقدَّسة. فالصلاة والإحسان يرفعان الخطايا، بشرط ألاَّ تُرتكب تلك الخطايا التي بسببها نُحرم من الخبز اليومي (من التناول من الأسرار المقدَّسة). علينا أن نتجنَّب كل الآثام التي بسببها نستحق تأديبات قاسية.
لا تحسبوا أنفسكم إنَّكم أبرار عندما لا تستطيعون القول: "أغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا".
إنسان يخطىء بالتلذُّذ بالنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه. فمن يستطيع أن يسيطر على عينيه بسرعة ليغلقها؟!
من يستطيع أن يضبط أذنيه أو عينيه؟ يمكنكم أن تغلقوا العين حيثما تشاءون، ولكن الآذن تحتاج إلى مجهود لإغلاقها، إنَّها ستبقى مفتوحة، ولا يمكن إغلاقها عن سماع هذه الأمور بلذَّة، أمَّا تخطئون رغم عدم ارتكابكم للخطيَّة (لأنَّكم تنصتون بالرغم من إرادتكم)؟
يا لعظم الخطايا التي يرتكبها اللسان! نعم ان بعضها تحرم الإنسان من الاقتراب إلى المذبح كالتجديف، فاللسان ينطق بالتجديف كما قد ينطق بكلمات تافهة غير لائقة.
امنعوا أيديكم عن ارتكاب الخطايا، وأرجلكم عن الجري نحو الشرّ، وأعينكم عن النظر نحو ما هو قبيح، وآذانكم عن الاستماع بلذَّة إلى الحديث القبيح، وألسنتكم عن النطق بألفاظ معيبة، ومع هذا فأخبروني إن كان يستطيع أحدكم أن يضبط الأفكار؟! إخوتي كم مرَّة نصلِّي ونحن مشتِّتي الفكر، كما لو نسينا أمام من نحن واقفون أو أمام من نطرح أنفسنا؟!
اغفروا من القلب، أي انزعوا الغضب من قلوبكم. لنقل في كل يوم: "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا"، وليكن هذا القول من القلب، عالمين بما نقوله. أنَّه عهد وميثاق، إنَّه ارتباط بيننا وبين الله. فالرب إلهنا يقول لنا: "اغفروا يغفر لكم"، فإن لم نغفر للآخرين تبقى خطايانا علينا وليس عليهم.
أبنائي الأعزاء المحبوبين، أطلب إليكم أن تستمعوا إليّ، فقد عرفت ما هو صالح لكم في الصلاة الربانيَّة. لقد اقترب موعد عمادكم. اغفروا للآخرين عن كل شيء. إن كان في قلب أحدكم شيئًا على آخر، فلتغفروا له. ادخلوا المعموديَّة هكذا وأنتم متأكِّدون أن جميع خطاياكم التي ارتكبتموها قد غُفرت لكم، سواء الخطيَّة الجِديَّة التي ولدتم بها، والتي بسببها تسرعون للرضاعة من نعمة المخلص، أو تلك الخطايا التي ارتكبتموها في حياتكم، إن كانت بالكلام أو بالفعل أو بالفكر. فتخرجون من ماء المعموديَّة كما من أمام حضرة إلهكم، متأكِّدين من العفو التام عن جميع آثامكم.
لقد وهبنا الله ميثاقًا وعهدًا وارتباطًا راسخًا فيه، فمن أراد القول "اغفر لنا ذنوبنا" بطريقة مجدية، عليه أن ينطق بحق قائلاً: "كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا". فإن لم ننطق بهذا القول الأخير، أو قلناه بخداعٍ يكون طلبنا الغفران باطلاً.
إنَّنا نقول لكم يا من اقترن موعد عمادكم المقدَّس أن تغفروا من قلوبكم كل شيء، وأنتم أيضًا أيُّها المؤمنون الذين تنتفعون بإصغائكم إلى هذه الصلاة وشرحها، اغفروا كل ما على الآخرين غفرانًا تامًا من قلوبكم. اغفروا من قلوبكم التي يراها الله. لأنَّه أحيانًا يغفر الإنسان بفمه، ولكنَّه لا يغفر لأخيه من قلبه. يغفر بالفم لأجل البشر، ولا يغفر من قلبه حيث لا يخاف عين الله. لا أقل من أن تغفروا في هذه الأيَّام المقدَّسة (أيَّام الصوم الكبير) كل ما أبقيتموه في قلوبكم على الآخرين.
مكتوب "لا تغرب الشمس على غيظكم" (أف ٤: ٢٦) ومع ذلك فهوذا قد غابت الشمس مرارًا على غيظكم. انزعوا غيظكم، فإنَّنا نحتفل بأيَّام الشمس العظيم (المسيح)، هذه الشمس المكتوب عنها "لكم تشرق شمس البرّ، والشفاء في أجنحتها" (مل ٤: ٢). فإن كنتم غضبى، فلا تدعوا هذه الشمس (المسيح) تغرب في قلوبكم على غيظكم، لئلاَّ يغرب شمس البرّ عنكم وتبقون في الظلام.
لا تظنُّوا أن الغضب (أي عدم الغفران للآخرين) أمر يُستهان به، إذ يقول النبي: "تعكَّرت من الغضب عيناي" (مز ٦: ٧). فبالتأكيد لا يستطيع متوعِّك العينين معاينة الشمس، فإن حاول النظر إليها أضرَّته.
وما هو الغضب؟ أنَّه شهوة الانتقام. يشتهي الإنسان الانتقام مع أن المسيح لم ينتقم بعد، ولا الشهداء انتقموا. إن أناة الله لازالت تنتظر اهتداء أعداء المسيح وأعداء الشهداء. فمن نحن حتى نطلب لأنفسنا الانتقام؟! فلو طلب الله الانتقام منَّا فهل نستطيع أن نثبت؟! فإن كان الله الذي لا يضرُّنا في شيء لا يرغب في الانتقام منَّا، فهل نطلب نحن الخطاة على الدوام الانتقام لأنفسنا؟! إذن اغفروا من قلوبكم للآخرين.
وإذا غضبتم فلا تخطئوا، "اغضبوا ولا تخطئوا". فأنتم كبشر تغضبون متى تغلَّب الغضب عليكم. ولكن وجب عليكم ألاَّ تخطئوا بإبقائه في قلوبكم. لأنَّكم إن تركتموه في قلوبكم صار الغضب ضدَّكم ويحرمكم من معاينة النور. لذلك اغفروا للآخرين.
ما هو الغضب؟ أنَّه شهوة الانتقام. وما هي الكراهيَّة؟ إنَّها غضب مزمن. فإن الغضب متى أزمن صار كراهيَّة، فالغضب هو "قذى"، وأما الكراهيَّة فهي "خشبة". فأحيانًا ننظر إلى غضب أخينا كخطيَّة يرتكبها، ونحن في نفس الوقت نحتفظ في قلوبنا بالكراهيَّة. لذلك يقول السيِّد المسيح: "لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك،





