بقلم د. ق يسطس الأورشليمى
كتاب وباحث في التاريخ المسيحى والتراث المصرى
 وعضو إتحاد كتاب مصر 
 كلمة "يوحنا" تعني: "يهوه حنان". وهو شقيق القديس يعقوب الكبير الذي قتله هيرودس أغريباس الأول سنة 44م. وابن زبدى التلميذ الذي كان يسوع يحبه وكان يوحنا يتكئ على صدره ( يو 19 : 26 )  ، وهو الرسول الذي جمع بين حب البتولية والبساطة القلبية مع المحبة الفائقة ، ودعاه السيد المسيح للتلمذه مع أخيه يعقوب فتبعه وهو في سن الخامسة والعشرين وكان من قبل أحد تلاميذ يوحنا المعمدان وهو الوحيد الذي رافق السيد المسيح حتى ساعة الصلب فأستحق أن يسلمه أمه العذراء لتعيش معه وكان هو وأندراوس أول من تبع السيد المسيح في بشارته وأخر من تركه عشية آلامه وهو الذي أنفرد بين الإنجيليين بذكر لقاء السيد المسيح مع السامرية وهو الذي سجل لنا خطاب السيد حول الأفخارستيا وكذلك سجل لنا موقف السيد المسيح من المرأة الزانية وكان يوحنا أحد التلاميذ الثلاثة الذين صحبوا الرب في أقامة ابنة يايروس وأقامة لعازر وفى حادث التجلى وفي جثسيماني ليلة الأمه ، وكان حماسه وحبه ظاهرين حتى أنه سبق بطرس في الذهاب إلى القبر وهو الوحيد بين التلاميذ الذي أستطاع التعرف على الرب حينما أظهر ذاته على بحيرة طبرية  .
     كان جنباً إلى جنب مع بطرس معجزة شفاء المقعد على باب الهيكل ( أع 3 ) ، وأمام محكمة السنهدرين يشهدان للمسيح ( أع 4 ) . يبدو أنه كان على جانب من الثراء، إذ كان والده يستخدم أجرى في سفنه (مر 10:1)، وكان يوحنا معروفًا لدى رئيس الكهنة (يو 16:18). وكانت أمه سالومي سيدة فاضلة تقية تتبع السيد المسيح على الدوام (لو 3:8)، اشتركت مع النساء اللواتي اشترين حنوطًا كثير الثمن لتكفين السيد المسيح (يو 25:19). وكان ليوحنا بيت خاص فى أورشليم (يو 19: 27)، كما أنه كان معروفاً عند رئيس الكهنة (يو 18: 15).
 
ويبدو أن وقد منع يوحنا واحداً كان يخرج الشياطين باسم الرب يسوع" لأنه لم يكن يتبع الرب يسوع معهم، فقال له الرب: "لا تمنعوه لأن من ليس علينا فهو معنا" (لو 9: 50.49). وقد طلب يوحنا وأخوه يعقوب من الرب أن يدعمها يقولان "أن تنزل نار من السماء لتفنى قرية للسامرين لأنهم لم يقبلوا دخول السعيد إليهم (لو 9: 54) كما طلب يعقوب ويوحنا وأمهما من الرب يسوع أن يعطيهما أن يجلس أحدهما فى يمينه، والآخر على يساره فى ملكوته (مت 20: 20-28، مرقس 10: 35-445). كما كان يوحنا ويعقوب وبطرس وأندرواس مع الرب يسوع على جبل الزيتون- على انفراد- عندما تكلم عن تدمير الهيكل، وسألوه متى يكون ذلك؟ (مرقس 13: 1-4). كما أن الرب أرسل "بطرس ويوحنا" ليعدا لفصح له وللتلاميذ (لو 22: 8). وكان يوحنا متكئا فى حضن الرب يسوع عندما قال لهم" إن واحداً منكم سيسلمنى، فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذى قال عنه" (يو 13: 21- 25). 
 
وقد أخذ الرب معه "بطرس ويعقوب ويوحنا إلى بستان جثمانى، ورأوه وهو "يدهش ويكتب. فقال لهم: نفسى خزينة جداً حتى الموت" (مرقص 14: 33.32). 
 
وعندما قبض على الرب يسوع وأخذوه إلى المحاكمة، تبعه يوحنا وبطرس، ودخل يوحنا مع الرب يسوع إلى دار رئيس الكهنة. إذ كان يوحنا معروفاً عنده. واستطاع يوحنا أن يُدخل بطرس معه (يو 18: 15, 16). وكان يوحنا التلميذ الوحيد الذى وقف عند الصليب إذ تركه الآخرون وهربوا. وقد عهد الرب إليه بأمه قائلاً له: "هوذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته" (يو 19: 25-27). ويبدو من المقارنة بين مت 27: 56، ومرقس 15: 40 مع يو 19: 25، أن سالومه أم ابنى زبدى كانت أخت مريم أم يسوع (أى أن العذراء مريم أم يسوع كانت خاله يوحنا، فهى لم تكن غريبة عنه). 
  زمالته لبطرس : رغم من حدث من انكار بطرس للرب، إلا أن يوحنا لم يقطع صلته به، بل ظل مرافقاً له، فقد جاءت إليها مريم المجدلية- فى صباح يوم القيامة، وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولستا نعلم أين وضعوه". فخرج بطرس ويوحنا وأيتا إلى القبر راقعتين، وسبق يوحنا بطرس، وجاء أولاً أولا إلى القبر، فانحنى ونظر الأكفان موضوعة، ولكنه لم يدخل.
 
ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة، ورأى "المنديل الذى كان على رأسه ليس موضوعاً مع الأكفان، بل ملفوفاً فى موضع وحده، فحينئذ دخل أياضً التلميذ الآخر الذى جاء أولا إلى القبر، فرأى وآمن" (يو 20: 1-8). وقد ظلا على الأقل ثمانية أيام فى اورشليم (يو 20: 26)، عادوا بعدها إلى بحر الجليل، إلى مهنتهما، صيد السمك (يو 21: 1). وعندما ظهر لهم الرب عند بحر طبرية، كان يوحنا هو أول من أدرك أنه الرب المقام، وفى الحال ألقى بطرس بنفسه فى البحر ليصل إلى الرب (يو 21: 4-7). وقد أبدى بطرس اهتمامه بيوحنا بسؤاله للرب: وهذا ماله؟".؟
ومن الألقاب اللاصقة به لقب الحبيب ( يوحنا الحبيب ) فقد ذكر عنه أنه التلميذ الذي كان يسوع يحبه ومن كثرة حبه للمحبة كانت كل عظاته عن المحبة حتى لما شاخ ولم يكن يستطيع الذهاب للكنيسة فكان يحمل إليها كان يعظ عن المحبة فلما سألوه عن سبب تكرار تلك العبارة قال : " لأنه هي وصية الرب وهى وحدها كافية لخلاصنا لو أتممناها " .
 
 وكانت خدمته الكرازية أولاً في أورشليم حتى نياحة العذراء ثم بعد ذلك أنطلق إلى أسيا الصغرى ومدنها الشهيرة وجعل إقامته في مدينة أفسس الشهيرة متابعاً ومكملاً عمل بولس الكرازى في أسيا الصغرى ، وبالتالي بشر في مدن ساردس وفيلادفيا واللاذقية وأزمير وبرغامس وثياتيرا ونُفي إلى جزيرة بطمس وعُذب في أيام دومتيانوس، ، كما يتضح من سفر الرؤيا الذي كتبه هذا القديس . حيث تمتع برؤيا يوم الرب "سفر الرؤيا"، وبقي في منفاه حتى تنيح. 
 
يقول القديس جيروم أن الرسول يوحنا انتقل في العام الـ 68 بعد صعود الرب. وبذلك يكون الرسول قد عاش عامين أم أكثر في القرن الثاني للميلاد. ومعنى هذا أنه عاش إلى ما يقرب المائة عام، حيث أن كان أصغر من الرب بقليل. ويرى البعض أنه تنيح حوالي سنة 98م في حكم تراجان (98-117م).
 
وقد كتب الإنجيل الرابع والذي يعتبر قدس أقداس العهد الجديد ويشبهه القديس أكليمندس بالروح بينما الإناجيل الثلاثة بالجسد ويدعوه أوريجانوس بأنه تاج الإناجيل، وفى هذا الإنجيل كشف يوحنا عن مجد الابن الوحيد المملوء نعمة وحق ولا يقوم فى إنجيله بسرد تاريخ كامل لحياة السيد المسيح ولكن إنجيله هو إنجيل التجسد ( الكلمة صار جسداً ) ، وهو الوحيد الذي تكلم عن أزلية اللوغوس هو إنجيل المحبة ( هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ).
     كان يوحنا مع الرسل عندما القى رئيس الكهنة ومن معه، القبض عليهم ووضعوهم فى حبس العامة، ولكن ملاك الرب فى الليل فتح أبواب السجن وأخرجهم، وقال: أذهبوا قفوا ولكموا الشعب فى الهيكل بجميع كلام هذه الحياة (أع 5ك 12-23). 
 
وقد بقى يوحنا مع الرسل فى أورشليم رغم الاضطهاد العظيم الذى وقع على الكنيسة فى أورشليم. 
 
ولما سمع الرسل الذين فى أورشليم بما عمله فيلبس فى السامرة، وكيف قبلت كلمة الله، أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا (أع 8: 1و 14-17). 
     ويذكر عنه القديس بولس أنه أحد أعمدة الكنيسة الأولى وأنه من رسل الختان، وقد دون هذا القديس إنجيلاً وثلاث رسائل تحمل أسمه ورقد في الرب في شيخوخة صالحة حوالي سنة 100م .
 
     يروي لنا يوسابيوس القيصري في كتابه "تاريخ الكنيسة" قصة عن القديس يوحنا الرسول في شيخوخته تكشف عن مدى تقديره العجيب لخلاص النفس البشرية وبحثه عنها؛ وقد رواها نقلا عنالقديس اكليمنضس السكندري في كتابه "من هو الغني الذي يخلص؟"
 
جاء عن القديس يوحنا أنه بعد عودته من جزيرة بطمس إلى مدينة أفسس تجوّل في بعض المناطق الوثنية المجاورة، لإقامة أساقفة في بعض الأماكن وتدبير أمور الكنائس، وإذ بلغ مدينة ليست ببعيدة (غالبًا أزمير) سلم أسقفها شابًا وثنيًا قَبِل الإيمان وكان مملوءً غيرة، مؤكدًا عليه أن هذا الشاب هو وديعة بين يديه. وبالفعل اهتم به الأسقف حتى نال سرّ المعمودية.
 
لكن بعض الشبان الفاسدين اجتمعوا به، وأفسدوا حياته في ترفٍ وبذخٍ، وإذ احتاجوا إلى مالٍ صاروا يسرقون، فكان يشترك معهم. انحدر الشاب من جريمة إلى أخرى حتى كوَّن عصابة تحت قيادته يسلبون وينهبون ويسفكون الدماء. وإذ عاد القديس يوحنا إلى المدينة يسأل الأسقف عن الشاب أجابه: "لقد مات... مات عن اللَّه، لأنه عاد إلى شره، وأصبح خليعًا، وأخيرًا صار لصًا، وعوضًا عن الكنيسة صار يلازم الجبال مع عصابة تماثله". لم يحتمل القديس ذلك، بل طلب فرسًا امتطاه رغم شيخوخته، وانطلق إلى الموضع حيث أسره اللصوص، وأتوا به إلى رئيسهم، الذي لما رآه اعتراه الخجل وحاول الهرب.
 
صار القديس يجري وراءه صارخًا: "لماذا تهرب مني؟ أنا أبوك يا ابني، وأنا أعزل، طاعن في السن، وإن لزم الأمر فإنني مستعد أن احتمل الموت عنك، كما احتمل الرب الموت عنا.
 
لأجلك أبذل حياتي. قف، آمن، فإن المسيح أرسلني إليك". للحال خجل الشاب ووقف مطرقًا رأسه نحو الأرض، يبسط ذراعيه في رعدة، وكان يبكي بمرارة. فرح به القديس جدًا، ورجع به إلى الكنيسة، ولم يترك المدينة حتى اطمأن عليه.
 
   يروي القديس يوحنا كاسيان القصة التالية: [بينما كان الإنجيلي المبارك ذات يوم يداعب صقرًا، إذا بشاب أقبل عليه عائدًا من الصيد. فتعجب الشاب وسأل الرسول كيف أن رجلاً عظيمًا مثله يقضي وقته على هذا الحال. وحينئذ سأله الرسول: "ما هذا الذي في يدك؟" فقال الشاب: "إنه قوس". قال الرسول: "ولماذا هو غير مشدود؟" فأجاب: "لأنني لو جعلته مشدودًا على الدوام يفقد مرونته، وهي التي أحتاج إليها حين أطلق السهم". فقال الشيخ: "إذن لا تغضب على يا صديقي الشاب لأني في بعض الأحيان أحل أوتار نفسي، وإلا فقدت قوتها وخانتني في اللحظة التي أحتاج أن أستعملها.
 
   يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس. عن مدى حرصه على الإيمان المستقيم من البدع نقلاً عما جاء عنه في كتابات القديس إيرينيؤس أسقف ليون أن الرسول دخل مرة إلى الحمام ليستحم، وإذ عرف أن المبتدع كيرنثوس (نادى بأن مملكة المسيح أرضية؛ إذ كان محبًا للولائم والعلاقات الدنسة الجسدية) هناك قفز فزعًا، وخرج مسرعًا، لأنه لم يطقْ البقاء معه تحت سقفٍ واحدٍ، ونصح مرافقيه أن يقتدوا به، قائلاً: [لنهرب لئلا يسقط الحمام، لأن كيرنثوس عدو الحق بداخله.
 
 يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس على لسان أبولونيوس الذي يظن أنه كان أسقفًا على أفسس أن الإنجيلي يوحنا أقام ميتًا في أفسس بمعونة الله.
  يروي لنا العلامة ترتليان. أن الإنجيلي يوحنا اُلقي في قزانٍ به زيت مغلي والرب نجاه.
 
أن أقدم مخطوطة لسِفر وُجدت في مصر. وأن السفر يحمل طابعًا هيلينيًا يناسب فكر الإسكندرية المتأثرة بفيلون Philo اليهودي الرمزي السكندري. يُرد على ذلك أن مناخ مصر العلمي جعلها تقتنيه في وقت مبكر وتحتفظ به، ويكون له دوره في حياة كنيستها وآبائها، لكن ليس بالضرورة أن يكون قد كُتب في مصر.
 
بعد خراب هيكل اليهود في أورشليم عام 70م (راجع يو 19:2، 20؛ 21:4)؛ وربما بعد طرد المؤمنين من مجامع اليهود، الأمر الذي تم حوالي سنة 85م حتى سنة 90م (راجع يو 22:9؛ 2:16).
جاء عن بوليقراطيس Polycrates أسقف أفسس أنه كتب إلى فيكتورينوس أسقف روما حوالي سنة 190م، يؤكد أن الرسول يوحنا عاش في أفسس وتنيح فيها.