القمص رويس الجاولى

المسيحيين في ظل الدولة العراقية
++++++++++++
عاد معظم الآشوريين الذين فروا من أورميا هرباً من الإبادة الجماعيًّة في عام 1918 إلى ديارهم بعد أن استقر الوضع هناك بسيطرة الحكومة الإيرانية عليها وموافقتها بمضض على عودة النازحين إليها. كما عاد معظم الآشوريين الذين هجروا من مناطق برواري الواقعة ضمن حدود المملكة العراقية إلى قراهم هناك، غير أن هجمات العشائر الكردية المتالية أجبرتهم على الرحيل فاستقروا نهائيا في المدن الكبرى كبغداد والموصل والبصرة. غير أن معظم النازحين تشكلوا من آشوريي حكاري التي رفضت تركيا دعوات آغا بطرس لإستقبالهم أثناء الاتفاق على معاهدة لوزان. كما باءت محاولات توطينهم في منطقة «بردوست» بكردستان العراق بالفشل، وتم رفض مقترحات بتوطينهم في كندا. فتم الاتفاق على توطين بعضهم في مناطق جنوبي محافظة دهوك حالياً. غير أن الجيش العراقي سرعان ما دمر معظم تلك القرى وقتل حوالي 3,000 آشوري فيما عرف بمجزرة سميل عام 1933 بعد انتشار إشاعات عن رغبتهم بتكوين كيان مستقل. ففي عام 1933 قامت الحكومة العراقية بمذابح بحق أبناء الأقلية الآشورية في شمال العراق في عمليات تصفية منظمة بعهد حكومة رشيد عالي الكيلاني ازدادت حدتها بين 8 إلى 11 أغسطس 1933. ويستخدم المصطلح «مذبحة» لوصف ما حدث من مجازر وإبادة عرقية في بلدة سميل بالإضافة إلى حوالي 63 قرية آشورية في لواء الموصل آنذاك (محافظتي دهوك ونينوى حالياً)، والتي أدت إلى موت حوالي 600 شخص بحسب مصادر بريطانية، وأكثر من 3,000 آشوري بحسب مصادر أخرى. وكان الشعب الآشوري قد خرج لتوه من إحدى أسوأ مراحل تاريخه عندما أبيد أكثر من نصفه خلال المجازر التي اقترفت بحقهم من قبل الحكومة العثمانيَّة وبعض العشائر الكردية التي تحالفت معها أبان الحرب العالمية الأولى. كانت لهذا الحدث تأثير كبير على الدولة العراقية الناشئة، حيث صورت هذه المجازر على أنها أول انتصار عسكري للجيش العراقي بعد فشله في إخضاع التمرد الشيعي في الجنوب وإخماد ثورة البرزنجي في الشمال، مما أدى إلى تنامي الروح الوطنية وزيادة الدعم للجيش العراقي. تمت صياغة عبارة "Genocide" أي (إبادة الشعب) أو (إبادة عرقية) لوصف عمليات الإبادة المنظمة التي تهدف لإبادة شعب ما من قبل رافايل لمكين بعد دراسته لهذه المجازر في إحدى أطروحاته. مع انتهاء حملات مذبحة سميل قامت الحكومة العراقية باحتجاز البطريرك شمعون إيشاي في بغداد ومن ثم ترحيله إلى قبرص فقضى عدة سنوات يتنقل بين جنيف وباريس ولندن محاولاً عرض قضية اللاجئين الآشوريين على عصبة الأمم من دون نتيجة تذكر، وبسبب وجود أكبر تجمع للكنيسة الآشورية آنذاك كان بمدينة شيكاغو بالولايات المتحدة التي قطن بها حوالي 30,000 من أتباع كنيسة المشرق، فهاجر البطريرك بدوره إلى الولايات المتحدة عام 1940 وأعاد تأسيس البطريركية بمدينة شيكاغو عام 1950. تناقص عدد أتباع كنيسة المشرق بشكل ملحوظ بعد مذبحة سميل عام 1933 ليصل إلى 20,000 بقيادة المطران يوسب خنانيشو. وقطن معظمهم بقرى بشمال العمال بالإضافة إلى مدن أخرى كالموصل وأربيل وكركوك وبغداد.

+++ في عام 1947 وصلت نسبة المسيحيين في العراق  إلى 3.1%، أي حوالي 149 ألف نسمة من إجمالي سكان العراق البالغ عددهم أربعة ملايين ونصف المليون. تم تدمير العديد من القرى الآشورية من قبل الجيش الحكومي خلال الصراع بين الحكومة المركزية والأكراد الذي بدأ عام 1961 ونشط البطريرك شمعون إيشاي في محاولة الضغط على الحكومة العراقية عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الكنائس العالمي. وبالرغم من وعود الحكومة العراقية بقيادة نائب رئيسها صدام حسين بتسوية الخلاف مع الأكراد أوائل السبعينات من القرن العشرين إلا أن الحرب العراقية الإيرانية أشعلت النزاع مجددًا الأمر الذي أدى لتدمير المزيد من القرى وخاصة خلال حملات الأنفال.

+++ في عام 1979 أصبح صدام حسين رئيساً لجمهورية العراق وأمينا قطريا لحزب البعث العربي الاشتراكي. وخلال حكم صدام حسين تمتع المسيحيين بالحرية النسبية وبالحماية. وبحسب أديب دويشه الأستاذ بجامعة ميامي في أوهايو، إنه كان هناك عقد اجتماعي بين الأقليات وصدام حسين، ويشير أنه «في عهد صدام، كان من المفهوم أنه إذا لم تتدخل في السياسة، فإنك تحصل على حياة طيبة». ويشير إلى أن «المسيحيون دعموا صدام، ليس لأنهم أحبوا ما كان يفعله، بل بسبب الخوف من البديل». وبحسب الباحث دويشه في عهد صدام حسين ازدهر المسيحيون اقتصاديًا، حيث كانوا رجال أعمال وأطباء ومحامين ومهندسين. في حين كان هناك قلة مختارة من النخبة السياسية، مثل طارق عزيز الذي شغل منصب وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء في عهد حسين. 
+++ في ثمانينيات القرن العشرين، قُدِر أعداد المسيحيين بين مليون نسمة إلى 1.4 مليون من إجمالي سكان العراق، وشكلوا حوالي 8.5% من السكان. انخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين وما أعقب حرب الخليج الثانية من أوضاع اقتصادية وسياسية متردية. وبلغ عدد المسيحيين حوالي 1.5 مليون في عام 2003، وكانوا يمثلون ما يزيد قليلاً عن 6% من السكان البالغ عددهم 26 مليون نسمة، كما تسارعت وتيرة هذه الهجرة بعد احتلال العراق عام 2003 وأعمال العنف الطائفي التي عصفت بالعراق وأدت إلى تهجير عدد كبير من مسيحيي العاصمة بغداد وخصوصاً ضاحية الدورة إضافة إلى مسيحيي المدن الأخرى إلى خارج العراق أو إلى منطقة إقليم كردستان العراق الآمنة نسبياً.