بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقول بولس الرسول في نهاية رسالة فيلبي: أخيراً أيها الإخوة كُل ما هُو حقٌ، كُل ما هُو جليلٌ، كلُ ما هُو عادلٌ، كُل ما هُو طاهر، كُل ما هُو مسرٌ، كُل ما صيتُه حسنٌ، إن كانت فضيلةٌ، وإن مدحٌ، ففي هذا افتكرُوا، ( في 4: 8).
إذ يملك الرّب في الداخل ويُقيم سلامه الفائق تتحول طاقات الإنسان كُلها للتأمل والتفكير فيما هُو للرّب يسُوع المسيح وحده..
أخيراً أيها الإخوة، تُشير هُنا إلى قرب انتهاء الرسالة، أخيراً تستخدم بمعنى: لقد قلت كُل شيء، فهي كلمة ينطق بها مَن كان مُسرعاً، وقد وضع لنا الرسُول بُولس عدة بوابات يعبر عليها أي فكر لتحدد إن كنا نقبله أو نرفضه، وهذه البوابات الست هي:
(1) الحقّ.. (2) الجلال والوقار.. (3) العـــــــــــــــــــــدل..
(4) الطهارة.. (5) السرُور والفرح.. (6) السُمعة الحسنة..
يُعلمنا عن مكان العريس السماوي ومسكنه، فهُو لا يحل في النفس البعيدة عن الفضيلة، وتُعلمنا كلمات سفر نشيد الأناشيد عن التغذية التي يُقدمها الراعي الصالح لرعيته، فلا يدع غنمه تدخل الصحراء أو الأماكن الممتلئة بالأشُواك لترعى، بل يُقدم التوابل العطرة بالجنة كغذاء، وبدلاً من مرعى العشب يجمع لها الراعي السوّسن لتغذيتها..
أننا نرى أن طبيعة القُوة المُهيمنة على كُل شيء، ترتب مكاناً لهُؤلاء الذين يستقبلُونه بنقاءٍ وطهارةٍ، وهُم يملكُون حديقة مليئة بنباتات كثيرة مختلفة مزرُوعة بالفضائل، ويُنميهم العريس بقُوة بواسطة السوّسن المزدهر ويمتلئُون بثمار التُوابل العطرة، ويرمز السوّسن للفكر النقي المضيء ورائحته الجميلة وهي لا تتفق مع رائحة الخطية الرديئة، وتقول العرُوس أن العريس يعرف خرافه الرُوحية، ويجمع لها السوّسن ليغذيها..
وكما أن العين عندما تكُون صافية، ترى الشمس دائماً بوضُوح، هكذا العقل النقي ينظر مجد نُور المسيح، ويكُون مع الرّب ليلاً ونهاراً، وهذا لا يتحقق إذا لم يُؤمن الإنسان ويحب الرّب بكُل قلبه، وفي هذه الحالة تستطيع قوة الرُوح أن تجمع القلب المشتّت، وتنقل الذهن إلى العالم الأبدي، وبذلك نقُول: فإن مواطنتنا هي في السماوات..
كُل ما هُو حقٌ، فما هذه الأمُور التي هي حقّ؟!
يسُوع المسيح ابن الله، وكُل ما يدُور حول الإنجيل من أخبار سارة وعندما تكُون أفكارك حقّ يتبع ذلك أنها تكُون جليلة، وما هُو حقّ لا يكُون فاسداً، وما هُو حقّ وجليل هُو أيضاً يحقّق العدالة، وما هُو عادل هُو طاهر إذ يتقبل التقديس من الله، فهُو محبُوب ولطيف..
مَن لا يحب هذه الفضائل المُقدسة؟!
تتعلق بعض البنُود بالفضيلة ذاتها من حُب وحقّ وعدل وكرامة وطهارة، بينما ما هُو محبُوب ولطيف يخص ثمر الفضيلة..
كُل ما هُو حقّ، فحيثُ لا موضع للخطية ولا للباطل يتجلى الحقّ الإلهي، فيصير فكر الإنسان عرشاً للمسيح القائل: أنا هُو الحقّ ويقصد بالحقّ في الفكر والكلام والتصرف بحسب الإنجيل..
القديسُون دائماً متهلّلون جداً أن يرُوا ثمار الحقّ عملياً، فإن منطقنا أحقاءنا بالحقّ، لا يقدر أحد أن يغلبنا..
كُل ما هُو جليل، إذ يدرك المُؤمن مركزه كابن لله لا يستطيع أن يُفكر إلا في كُل ما هُو لائق بكرامته في الرّب، أي فيما يتسم بالجلال والوقار، إذ نلنا حرية مجد أولاد الله، فلا نفكر ولا نعمل إلا بما يليق بمركزنا الجديد في الرّب، وكما يقُول: وأكُون مجداً في وسطها..
الذين يستنيرُون يتقبلُون ملامح المسيح، فإنه يُطبع على كُل واحد منهُم شكل الكلمة وصُورته وملامحه، حتى يُحسب المسيح مُولوداً في كُل واحدٍ منهُم بفعل الرُوح القُدس، الذي يأخذُ مما له ويعطينا..
كُل ما هُو عادل، يؤدي العدل الحقّ الواجب نحُو الله، والناس بأمانة وإخلاص، لأنه حيثُ يملك الحُب لا يقدر الظُلم أن يتسلّل..
أسلحتنا هي لمحاربة العدُو وليس لمحاربة بعضنا البعض..
هل أنت غضُوب؟ كُن هكذا ضد خطاياك، أدب نفسك وأجلد ضميرك وكن قاضياً قاسياً، وأحكم بلا رحمة على خطاياك، هذا هُو طريق الانتفاع من الغضب، وهُو السبب الذي لأجله غرس الله فينا الغضب..
كُل ما هُو طاهر، الطهارة هي نقاوة القلب، والذهن من الفكر الدنس، ففكر المُؤمن المُقدس في الرّب القُدوس يتمتع بفيض من الطهارة والعفة، كقول العبارة: إذ طهر بالإيمان قلوبهُم، أنظر (أع9:15)..
إننا محتاجُون إلى العفة التي هي امتناع القلب عن الميل نحُو كلام الشرّ وهي عطية إلهية، حتى نقمع الخطية، فلا نرتكبها..
حد عن الشرّ واصنع الخير، وذلك بطلب السلامة والسعي وراءها سيكُون لنا السلامة الكاملة عندما تلتصق طبيعتنا دُون أن تنفصل عن خالقها ونحنُ نحتاج إلى العفة لكي نحيد عن الشرّ، ونحتاج إلى فضيلة أخرى وهي البرّ لكي نفعل خيراً، (مز14:34؛ لو35:12)..
لتكن أحقاؤكم مُمنطقةً وسرجكُم مُوقدةً، ماذا تعني الأحقاء المُمنطقة؟
إنها ضبط الشهُوات، وهذا هُو عمل العفة، وأما السُرج المُوقدة تعني الإضاءة بالأعمال الصالحة، وعمل البرّ بالمسيح يسُوع ربنا..
كُل ما هُو مُسرّ، أي محبُوب ولطيف، فنفكر في ما يُسر الغير ويجلب المحّبة ويسعد القلُوب بالعطف والاحتمال، وعدم ذم الآخرين، فيشعر المُؤمن في أعماقه أنه أسعد كائن على وجه الأرض..
كُل ما صيتُه حسنٌ، يبتعد الصيت الحسن عن الكلمات القبيحة، وينطق أولاد الله بما يُمجد أبيهُم، إذ يشعر الجميع بغنى نعمة الله عليه فيلتمسُون بركته، ويشرق على من حُوله بنُور المسيح الذي فيه..
إن كانت فضيلةٌ وإن كان مدحٌ، ففي هذا افتكرُوا، ففكره أشبه بالنحلة التي تمتص الرحيق من كُل زهرة لتُقدم عسلاً شهياً، هكذا يرى المُؤمن في كُل إنسان حتى الذين يُدعون مجرمين جانباً فاضلاً يتعلمه..
وكما أن العين عندما تكُون صافية، ترى الشمس دائماً بوضُوح، هكذا العقل النقي ينظر مجد نُور المسيح، ويكُون مع الرّب ليلاً ونهاراً، وهذا لا يتحقق إذا لم يُؤمن الإنسان ويحب الرّب بكُل قلبه، وبذلك نقُول مع الرسُول: فإن مواطنتنا هي في السماوات (كو1:3)..
لان الرسول يقول وما تعلّمتُموه، وتسلّمتُموه، وسمعتُموه، ورأيتمُوه فيّ، فهذا افعلُوا..
يوصيهُم الرسُول بلغة التسليم الإقتداء به، فلا يكفي ما تعلمُوه سواء كتابة أو شفاهاً، وإنما أيضاً ما تسلمُوه وما رأوه فيه في حياته العملية هذا يلتزمُون به، لأنه يقدم إنجيل المسيح، فيكُون معهُم إله السلام..
سمعتمُوه ورأيتُموه فيّ، أي سواء بكلماتي أو أفعالي أو سلوكي، كم نحنُ عندكُم قدوة، فهُو يقُودنا إلى الأمام بالكلمات والأعمال..
وإله السلام يكُون معكُم، أي ستكُونُون في هدُوء وأمان، وهذا خلال الفضيلة، حيثُ يكُون معنا حين يرانا نسرع نحوه..
في مواضع كثيرة يوصي الرسُول تلاميذه أن يحفظُوا التقليد ويتمسكُوا به، ويتجنبُوا كُل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذي أخذه منه، أنظر الكتاب (1كو34:11؛ تي5:1؛ 2تس6:3؛ كو8:2؛ 3يو14)..





