أكرم ألفي
"مصر تبدأ عهداً جديداً من حياتها" هكذا كتب طه حسين في مقدمة "مستقبل الثقافة في مصر" عام 1938.. وباستئذان كبير المبصرين في تاريخ المحروسة فأنني أكرر الجملة واعيدها يوماً بعد يوماً "مصر تبدأ عهداً جديداً من حياتها" مع جيل ألفا. ينعتني الأصدقاء بالمتفائل بدون سبب، وتكون إجابتي أني أسمع صوت البوق استعداداً لسطوع شمس أجيال تمضي بمصر إلى آفاق لا نعرفها ولم نكن نتصورها.. ولن أشعر بالضيق من تكراري لجملة "أخلعوا نظارتكم السوداء".
"لا تعد بصُنع الصندوق قبل أن تقطع الخشب من الشجرة"، هكذا تعلمت ويقيناً فإن الخشب قُطع من الشجرة وبدأت عملية صُنع الصندوق. فجيل ألفا الذي يمثل ثلث سكان المحروسة اليوم أصبح يحمل راية أفكار طه حسين بدون أن يدرك أو يدرك أصدقائي من المثقفين والنخبة.
في كتاباته الجسورة كان طه حسين يدعو صراحة إلى توجه مصر غرباً كمجال ثقافي رئيسي والأخذ بالتقدم من الغرب لاستعادة نهضة الشرق.. وبعد نحو 90 عاماً من دعواته جاء جيل "ألفا" لينتقل ببوصلة العلم والثقافة إلى الغرب ويفرض منطوق طه حسين بسلاسة عجيبة دفعت بالجناح المضاد إلى الصراخ بعنف والتحذير من تأثيرات هذه الثقافة على القيم الأسرية والاخلاقية للمصريين ويرفع الرايات السوداء ليحذر من الغرق في بحر "الغرب الفاسد".
تشهد الثقافة المصرية تغييراً عميقاً وجذرياً لا يمكن ابصاره بعيون نخب تتناطح مع بعضها البعض مرتدية نظارات من الستينيات والسبعينيات وفي أحسن الأحوال التسعنيات من القرن الماضي، وهنا مضطر ان انتقل إلى 2025 ونتحدث..
"الجيل الجديد بسبب السوشيال بقى يعرف عن أمريكا أكثر عن مصر".. "العيال دي محدش يقدر يحكمها وبيقلدوا الفيديوهات بتاعة الأجانب"، وجمل أخرى كثيراً تتكرر على مسامعي من أباء في عمري لأبناء من جيل "ألفا".. تذهب إلى أي تجمع فتجد البنات يقمن بتقليد رقصة غربية وتصويرها على انستجرام و"تيك توك" والتهمة جاهزة أن "العيار فلت" وطبعا الحديث المتكرر عن "قيم الأسرة المصرية"..
في المول والمدارس وشوارع القاهرة والمدن المصرية يسير ملايين من جيل "ألفا" يشاهد فيديوهات أو يقرأ من مواقع أجنبية أو يستخدم "شات جي بي تي" الذي تهيمن عليه الرؤية الغربية، فقد نشأ جيل ولد بعد 2010 يتعاطى يومياً مع الثقافة الغربية ولا يحتاج إلى اختيارتنا على طريقة برنامج "اخترنا لك".. فهو يختار لنفسه، جيل تعلم أن يسمع كلام الأباء ويمنحهم الطاعة "المطلوبة" وفي المقابل فهو يتصرف ويفكر بطريقته فهو قادر على التلاعب بالأباء بكفاءة شديدة.
جيل لا يحتاج إلى طفرة في صناعة الترجمة ليصل إلى الثقافة الغربية كما حلم طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر" جيل أصبحت اللغة الانجليزية سهلة بسبب التعليم والانترنت أو حتى سهل ترجمة المحتوى الانجليزي عبر الانترنت فاصبح اتصاله بالغرب اتصالاً يومياً لا يحتاج إلى وسائط.
جيل "ألفا" ينظر إلى نفسه كجزء من العالم وليس فقط كأبن لأسرة صغيرة، جيل عالمي بامتياز فالعالم بالنسبة له ليس بعيداً بل أقرب من تصوراتنا، فلك ان تدرك أن أبن الذي بلغ من العمر 12 عاماً فقط قد يكون تابع تريند في سنغافورة لم يدرك تريند "كيس الشيبسي" المصري.
جيل "ألفا" بسبب هذا التواصل اليومي مع الثقافات المختلفة أصبح بدون تدخل من جيلني "السلطوي" أكثر تشككاً في المعطيات البسيطة ويميل إلى الجدل ويرفض الأحكام المطلقة فالنقاش أصبح مفتوحاً على مصراعيه على شبكات التواصل الاجتماعي بل وضمن شبكات الألعاب المختلفة ومن يتصور أنه قادر على السيطرة على أفكار هذا الجيل هو "جاهل بامتياز"..
هذا الجيل في مصر الذي يميل إلى الجدل والمعرفة خارج الإطار المؤسسي والعائلي والقابل للاختلافات والحامل لفكرة العالمية بامتياز يعبر عن انتصار رؤية طه حسين الخاصة بمصر التي تبدأ عهداً جديداً عبر شبابها الذين يتعلمون ويدركون الاختلافات ويتواصلون مع الغرب .. ودورنا ليس محاولة فرض السيطرة بل النقاش وفقط النقاش لنحاول إيجاد مساحة للاتصال بين الغرب والشرق في ثقافة هذا الجيل.
نقلا عن المصرى اليوم





