بقلم الأب يسطس الأورشليمى
هم الذين لا يحتملُون الإهانة، فتصغر نفُوسهُم ويتعرضُون لليأس، مثل هُؤلاء يلزم أن تستخدم معهُم أسلُوب التشجيع، فترفق بهُم عند انتهارهُم، لأنه هُو وسيلة للبنيان، وليس غاية وهدف في ذاته..
يجد الراعي بين شعبه مَن هُم ضعفاء في الإيمان، فلا يحتقرهُم بل يترفق بهُم ويسندهُم حتى يمتلئُوا قُوة، متشبهاً بالرّب يسُوع نفسه الذي قيل عنه، قصبة مرضُوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفيء، ثم يقُول:
تأنُوا على الجميع، لأن كُل نفس مهما بلغ قامتها الرُوحية تحتاج إلى طول أناة، فعمل الكنيسة أن تحل لا أن تربط، وإن ربطت عند الضرُورة القصُوى إنما لكي تحل، تترفق بالجميع لكن بغير مهادنة..
انظرُوا أن لا يُجازي أحدٌ أحداً عن شرّ بشرّ، وكأن الرسُول يُعلن أن الحُب لا يقف عند حدُود مساندة الضعفاء والترفق بالخطاة، وإنما يلزم احتمال شرّ الأشرار بقلب متسع دُون انتقام الإنسان لنفسه..
أننا لا نُقابل الشرّ بالشرّ بل نُقابله بالخير، وبذلك ينتفع صانع الخير ويتزكى أمام الله والناس، بينما يفقد الشرّير الكثير أمام الجميع إن لم يتب وهذا التصرف لا يكن فقط في تعاملنا مع الإخوة، وإنما مع الجميع حتى الذين يُضايقُوننا باطلاً، فإن النار لا تُطفأ بالنار بل بالماء..
مثال على ذلك: عندما تُصلّي إلى الله، بعد أن ارتكبت خطية مثل الكذب، يأتي الشيطان ويهمس في أذنك قائلاً: كيف تُصلّي لله، والرّب قال: لا تكذب هل تضحك على الله؟! المفرُوض أنك تمتنع عن الكذب أولاً، ثم بعد ذلك تذهب وتُصلّي، حتى لا تكُون مرائي (مت13:23- 35)، ويحضر أمامك أصحاح الويلات: ويل لكم أيها الكتبة والفريسيُون...
هناك نوعين من الشياطين:
(1) شيطان مُتغير... (2) شيطان ثابت...
أحدهُم يأتي، شيطان الكذب، ويلقي بفكر الكذب ويمضي، ثم يأتي آخر شيطان الطمع، وهكذا، أما الشيطان الثابت هو شيطان اليأس، لا يتغير أبداً مثال ذلك: أساساته في الجبال المُقدسة، أي الهيكل، ويأتي الأعداء ويقولوا لليهُود الذين في السبي: نحنُ هدمنا لكُم الهيكل وصار خراباً ودماراً، فكلام الله ليس له أساس من الصحة، والدليل على ذلك هذا الخراب والدمار، فأحذر وأحترس من شيطان التشكّك وتمسك بالله..
إذاً النامُوس مُقدّس، والوصية مُقدسة وعادلة وصالحة، لأن الوصية هي فكر الله، وهُناك المستُوى الإنساني، والسماوي، والمستُوى الشيطاني الذي يُؤذي الجميع، ويشّبه بالعقرب الذي لا يرى ويبث سمُومه في كُل مكان، والرّب قال: ها أنا أعطيكُم سلطاناً لتدُوسُوا الحيات والعقارب، أي أفكار إبليس السامة، وكُل قوة العدو، ولا يضركم شيء..
فالفكر الإنساني الذي في مستواك: تحب قريبك وتبغض عدُوك، يقُول: سن بسن وعين بعين، أي الرخيص بالرخيص والغالي بالغالي، أما الفكر السماوي، فهُو بالمسيح القائل: أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت في وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكُم بدُوني لا تقدرُون أن تفعلُوا شيئاً.. راجع (يو5:15؛ 2تى5:2)، فقانُون الأرض لكُل فعل رد فعل، أما قانُون السماء هُو الله الذي يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين، فالنامُوس خارطة الطريق الذي يصل بك إلى المسيح حيثُ الحياة الأبدية، ويقُول ويُشير: أذهب إلى هُنا (المسيح)..
وفي النهاية يقُول: ويحي أنا الإنسان الشقي!! مَن يُنقذني من جسد هذا المُوت ؟! أي ليس لي، أي مخرج، فمَن ينقذني ؟!
حقاً أنها صرخة رهيبة أظهرها لي النامُوس، إنني ضائع وهالك، نامُوس الجسد (الذات) مُسيّطر علىّ، والنامُوس الرُوحي لا أقدر أن أصل إليه، وهُنا يظهر عمل المسيح القُوي، في تقُوية الإرادة ومعالجة الأسباب الداخلية، حيثُ إمكانيات الحياة المُقدسة في الرّب يسُوع المسيح الغالب الخطية، فاتحاً باب الرجاء في المجد الأبدي، مُلهباً القلب بمحبته الفائقة العجيبة (يو16:3؛ 1يو16:4)..
افرحُوا كُل حينٍ، إذ يتسع القلب بالحُب للجميع حتى للأشرار ترتدي النفس ثُوب العُرس المُفرح، وتحسب أهلاً للحياة السماُوية، فتنعم بالفرح كعطية سماوية حتى وسط الآلام، فلا يقدر أن يتسرب الغم إليها تحت أي ظرُوف، ولا أن يستقر فيها(في4:4)..
حقاً إن الفرح الدائم، وهُو وصية لكنه هُو في نفس الوقت عطية الرُوح القُدس، يُوهب للنفس خلال اتحادها بالله الآب في الرّب يسُوع..





