بقلم - سعيد عبد الحافظ
عند الحديث عن نشاط الإخوان المسلمين في أوروبا، في محاولة لسبر أغوار هذه الظاهرة المعادية لجوهر التسامح والقبول بالآخر، غالبًا ما يتركّز الاهتمام على فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا أو هولندا. لكن في حقيقة الأمر، وخلف هذا المشهد الصاخب، تبرز إيطاليا كلاعب مختلف؛ إذ إنها، وبحكم موقعها الجغرافي، تُعد بمثابة جسر استراتيجي يصل بين أوروبا من جهة، وشمال أفريقيا من جهة أخرى. وبحكم ارتباطها التاريخي بالمهاجرين المغاربيين، لعبت دورًا خاصًا في تمدد التنظيم الدولي.
وقد ظهر الحضور الإخواني في إيطاليا مع موجات الهجرة من تونس وليبيا والمغرب في السبعينيات والثمانينيات. وكانت ميلانو المحطة الأولى، حيث تأسس المعهد الثقافي الإسلامي ليصبح مركزًا لنشر فكر الجماعة. وفي عام 1990، أُنشئ اتحاد المنظمات الإسلامية في إيطاليا (UCOII)، ليجمع تحت مظلته المئات من المساجد والجمعيات، ويقدّم نفسه كممثل رئيسي للمسلمين. ورغم أن الطابع العام كان مغاربيًا، فإن المصريين لم يغيبوا عن المشهد ولعبوا دورًا محوريًا. فقد ساهم بعضهم في إدارة المساجد والجمعيات، وكانوا صلة وصل مع مكتب الإرشاد في القاهرة وقيادات التنظيم الدولي في أوروبا. وبرز اسم إبراهيم الزيات، الذي ارتبطت به إيطاليا عبر شبكة التمويل والعلاقات العابرة للحدود.
واعتمدت جمعيات الإخوان على تبرعات محلية من الجاليات المغاربية، لكن تقارير صحفية وأمنية إيطالية كشفت عن دعم خارجي واضح، خاصة من قطر وتركيا. ففي 2018، نشرت صحيفة Il Giornale تحقيقًا صحفيًا عن تحويلات بملايين اليوروهات لتمويل بناء مسجد في ميلانو مرتبط بـ UCOII. كما استخدم الإخوان الاستثمارات العقارية كوسيلة تمويلية، عبر شراء مبانٍ وأراضٍ وتحويلها إلى مراكز دينية وثقافية تدر دخلًا ثابتًا. هذا المزج بين التبرعات والتمويل الخارجي والأوقاف جعل الشبكة أكثر قدرة على الاستمرار رغم الجدل السياسي.
ويُعد UCOII الواجهة الأبرز للإخوان في إيطاليا، لكن خلفه تنتشر عشرات الجمعيات في بولونيا وتورينو وروما. معظمها يقدم نفسه كجمعيات ثقافية أو خيرية، لكنها مرتبطة تنظيميًا بالاتحاد وتستفيد من نفس قنوات التمويل. وعلى المستوى السياسي، حاولت هذه المنظمات كسب دعم أحزاب يسار الوسط، خصوصًا الحزب الديمقراطي، مستخدمة خطاب "حقوق المسلمين" و"مكافحة الإسلاموفوبيا". ونجحت أحيانًا في المشاركة بجلسات برلمانية متعلقة بالحوار الديني. لكن هذه التحركات اصطدمت بمعارضة شديدة من اليمين الشعبوي، خاصة حزب الرابطة بزعامة ماتيو سالفيني، الذي اتهمها بالتغطية على أنشطة "الإسلام السياسي" وبالاعتماد على تمويلات مشبوهة من الخارج. وحتى على المستوى المحلي، أثارت شراكات البلديات مع جمعيات مرتبطة بـ UCOII جدلًا واسعًا، خصوصًا في ميلانو وبولونيا، عندما ظهرت تساؤلات حول مصادر التمويل وأهداف الأنشطة الثقافية.
ولم تغفل الأجهزة الأمنية في إيطاليا عن تتبع هذه الأنشطة. فقد حذّرت وكالة الأمن الداخلي الإيطالية (AISI) في تقاريرها من 2016 حتى 2019 من أن الإخوان في إيطاليا يتبعون استراتيجية "الاندماج الشكلي": أي تقديم صورة الاعتدال أمام الدولة مع بناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمع. وأكدت أن UCOII هو الواجهة المؤسسية الأهم للتنظيم في البلاد، وأنه جزء من شبكة أوروبية أوسع تتمركز في بروكسل. كما فتحت الشرطة المالية (Guardia di Finanza) تحقيقات حول التحويلات القادمة من قطر وتركيا إلى جمعيات في ميلانو وروما.
وعلى ضوء ذلك، فإن إيطاليا لا تُعد ساحة إخوانية رحبة لاستيعاب أنشطة الجماعة كسائر الدول الأوروبية الكبرى، لكنها تمثل الجسر الاستراتيجي للتنظيم الدولي. فمن ميلانو إلى روما، ومن شواطئ المتوسط إلى بروكسل، تمر خيوط دقيقة تربط بين أوروبا وشمال أفريقيا. فهي ليست مجرد محطة دعوية، بل قناة عبور للمال والأفكار والشبكات. وهذا الدور يمنحها أهمية خاصة في التنظيم الدولي، لكنه في الوقت ذاته يجعلها تحت عيون الأجهزة الأمنية هناك. فبينما يسعى اليسار إلى احتواء هذه الجمعيات باسم التعددية، يصر اليمين على مواجهتها ووقف تمددها. وفي المنتصف، تبقى الدولة الإيطالية حذرة، لا تمنح الإخوان شرعية كاملة، لكنها لم تُغلق الباب في وجوههم أيضًا.
هكذا تبدو إيطاليا: دولة لم تصرّح يومًا باعتراف رسمي بالإخوان، لكنها سمحت لهم بالحركة في مساحات رمادية. وبين التبرعات المحلية والتمويل الخارجي، وبين علاقات سياسية متذبذبة وضغط أمني متزايد، ظلّت روما وميلانو وبولونيا محطات عبور للتنظيم الدولي. ويبقى السؤال: هل تظل إيطاليا الجسر الاستراتيجي الذي يسهل عبور الإخوان بين القارتين، أم أن ضغوط الأمن والسياسة ستدفعها في النهاية إلى هدم هذا الجسر قبل أن يتحول إلى عبء على الدولة والمجتمع؟





