بقلم الأب يسطس الأورشليمى
طوبى لمن اهتم من أجل جراحاتهِ لتُشفى، وعرف خطاياه وطلب من أجلِها الغفران. إن أراد العقلُ أن يرتفعَ على الصليبِ فإنه يحتاج إلى طلبةٍ كثيرة ودموعٍ غزيرة وخضوعٍ في كلِّ ساعةٍ قدام الربِّ، ويسأل من طيبته المعونةَ حتى يقيمه غيرَ مقهورٍ متجدداً بالروح القدس. لأن شدائدَ كثيرةً عند ساعة الصليب، وهو محتاجٌ إلى صلاةٍ وإيمانٍ صحيح وقلبٍ شجيع ورجاءٍ بالله إلى آخر نفس. الذي له المجد إلى الأبد، آمين.
يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: هذه هي نعمة الروح القدس التي تملأ النفس كلها والمسكن بالبهجة والقوة، فتعطي للنفس عذوبة لاحتمال آلام الرب، ولا يكون للألم الحاضر أثر جسماني، وذلك بسبب الرجاء في الأمور المقبلة.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنت ترى القوة، ترى العطيّة الممنوحة لنا لا بالأعمال وإنما خلال الإنجيل! هذا هو موضوع الرجاء، الذي تحقق في جسده (بالصليب)؛ وكيف يتحقق فينا؟ بالإنجيل.
يمكننا أن نقول انه خلال السيد المسيح المصلوب فينا يكون لنا العلو حيث تتفتح عيوننا بصيرتنا بالرجاء في الأبدية، ويكون لنا العمق حيث نكون متأسسين بنعمة الله في محبته الخفية، ويكون لنا الطول والعرض أي المحبة العملية لله والناس على المستوى الرأسي والأفقي؛ بمعنى آخر في المسيح يسوع يثبت رجاؤنا وإيماننا ومحبتنا لله والناس.
يقف القديس يوحنا ذهبي الفم في دهشة أمام هذه العبارة الرسولية الرائعة. فإذ يتمتع الإنسان بموت المسيح على الصليب يصير كمن في سفينة لا تستطيع رياح العالم أن تهزها، بل تكون متأسسة وراسخة وغير متزعزعة (غير منتقلين)، هذه السفينة حاملة بضائع إلهية فائقة منها الإيمان "ثبتم في الإيمان" والرجاء في الإنجيل.
ما هو رجاء الإنجيل إلا المسيح؟ فإنه هو سلامنا، الذي يعمل كل هذه الأمور...ومن لا يؤمن بالمسيح يفقد كل شيءٍ.
يقول القديس أغسطينوس: [الملاك النازل من السماء هو السيد المسيح الذي أخرج الذين كانوا في الجحيم على رجاء الفداء، كما قُيَّد سلطان إبليس حتى لا يكون له سلطان على مؤمنيه المجاهدين مدة جهادهم على الأرض]
ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص في الخشبة: "سرّ القيامة" خلال صليب السيِّد، حيث تتحول الحياة الفاضلة بما فيها من جهاد ومرارة إلى حياة سهلة وعذبة، إذ يقول: [الإنسان الذي يترك خلفه الملذات (المصرية) التي كان يخدمها قبل عبوره البحر، فإن الحياة التى كانت تبدو له أنها بدون هذه الملذات صعبة وغير مقبولة، متى ألقيت فيها الخشبة، أي يتقبل سرّ القيامة الذي يبدأ بالخشبة - حيث تفهم بالخشبة الصليب طبعًا - عندئذ تصير الحياة الفاضلة عذبة خلال الرجاء في الأمور العتيدة، بل أكثر حلاوة وعذوبة من تلك التي تختبرها الحواس خلال الملذات.
يقول الفديس أغسطينوس: [إن الإعتراف له شقان متكاملان: الإعتراف بخطايانا والإعتراف بإحسانات الله علينا، فيتمجد الله فينا خلال ضعفنا كما في إعلان أعماله معنا. فإن كان قد قيل عن العصاة: "زمرنا لكم فلم ترقصوا، نُحنا فلم تبكوا" (لو 7: 32)، فإنه يليق بنا خلال الصليب أن نسمع مزمار الإنجيل فنرقص روحيًا متهللين بأعماله الخلاصية كما نسمع النوح فنبكي على خطايانا. هكذا يمتزج الفرح بالرجاء مع حزن التوبة معًا بلا تناقص.
القديس مار يعقوب السروجي: هكذا لم أعد أخاف يوم الدينونة، ولا أرتعب من الخطية بالرغم من ثقلها وشرها، فهي عاجزة عن أن تحجبني عن محبة ربي يسوع أو تشغلني عنه، مادمت أجيء إليه، ملتصقًا بالصليب بقلبٍ منكسرٍ. إذ عند الصليب تتحطم قوى الخطية ونجاساتها، ويبقى الرجاء عاملاً فيّ. سحق بصليبه الحية العظيمة التي خدعت أمنا... طرد الكاروب الذي كان حارسًا شجرة الحياة، وقبل الرمح في جنبه، ليدخل الورثة الذين خرجوا. فتح الفردوس الذي كان مُغلقًا أمام الداخلين، ورد للمطرودين ميراثهم وحدودهم. أدخل اللص، وصار الرجاء لبيت آدم.
القديس يوحنا كاسيان: نفوس الأبرار في يد الله وهم هنا يحملون معه الصليب، وهي في يده أيضًا بعد انطلاقهم من العالم، وقد استراحت نفوسهم من الآلام، وتوقفت معارك إبليس، وصاروا في فردوس النعيم. لا يمكن الفصل بين الحياتين، فمع ما نجابهه من معارك روحية في هذه الحياة تشرق عناية الله علينا، ويكشف عن حبه الفائق وتدبيره لأمجادنا الأبدية. فنعيش هنا نتحدى الألم والمرض، بل وإبليس بكل جنوده، والموت، أيا كانت وسيلته. نحيا بروح القوة لا الفشل، وبروح الرجاء لا اليأس. يختفي عناء كل السنين الطويلة لهذه الحياة الحاضرة عندما ننظر إلى أبدية المجد العتيد، وكل أحزاننا ستتلاشى بالتفكير في البركة العظيمة، وتصير كالبخار الذي يضمحل وكأنها لم تكن؛ تشبه البرق الذي حالما يختفي.
القديس أغسطينوس: إنه لسرٌ عظيم هو الشفاء من الحية. ماذا يعني الشفاء من الحية بواسطة النظر إلى حية؟ إنه الشفاء من الموت بالإيمان بكائنٍ ميت! مع هذا فإن موسى خاف وهرب من الحية (خر 3:4). ماذا يعني أن موسى هرب من تلك الحية؟ ما هذا يا إخوة سوى ما نعرفه أنه قد تحقق في الإنجيل؟ المسيح مات، والتلاميذ خافوا وانسحبوا من ذلك الرجاء الذي كانوا فيه.
يقول القدِّيس يوحنا التبايسي: [إن لم يقصد الإنسان أولاً التجرُّد لا يستطيع أن يدنو من الحزن والنوح، لأن حياتنا لا تستطيع أن تدوم في صحَّة الروح، مادمنا مالكين في أنفسنا شيئًا معوَّقًا، إذ أن الإنسان لا يستطيع أن يقتني حب الله إذا كان حب الاقتناء يتحرَّك فيه، لأنه مكتوب: من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني (مر 8: 34). لا يستطيع الإنسان أن يحمل الصليب دون أن يجحد العالم، بل ينبغي له أن يبتعد عن كل الأشياء، إذ أن العزاء الخارجي يعطِّله عن الشيء الذي يقتنيه، فلا يمكن أن يثبت الحق في إنسانٍ إلا إذا قطع أولاً من ضميره أصل محبَّة المال، ولا يستطيع أن يسكن حب المسيح في الضمير إن لم يتجرَّد أولاً من حب المال... لا تندم ولا تحزن أيها الإنسان عندما تكون فقيرًا ومحتاجًا من أجل الله، لأن رجاء عزائك هو في الملكوت، ولا تصغر روحك إذا تضايقت بالجوع والعري، ولا تضجر بل اِفرح واِبتهج بالرجاء الموضوع لك.





