اغريباس الأول ويدعى " هيرودس الملك " ( 37  ، 40 ، 41 –44م)

وأغريباس الثانى (48-93م) على المناطق الشمالية :
 
بقلم الأب يسطس الأورشليمى
خلف أغريباس فيلبس كرئيس ربع على المناطق الشمالية باتانيا وتراخونيتس وأورانتيس (37م)، واضيفت إليه فيما بعد الأراضي التي كان يحكمها هيرودس أنتيباس في الجليل وبيريه ومناطق شرق الأردن (40م)، هو ابن ارسطوبولس ابن هيرودس الكبير، وأمه هي برنيكي بنت سالومة أخت هيرودس الكبير، وقد تزوج بكيبرس بنت عمه فزائيل ابن فزائيل اخي هيرودس الكبير.
 
تربى أغريباس في روما تحت رعاية أمه هناك، إذ أرسله جده هيرودس الكبير إلى هناك وهو ابن ست سنوات، فنشأ صديق الأمراء الذين أعتلوا فيما بعد عرش روما، ومن هنا إنفتح أمامه الطريق إلى الحكم بالرغم من ظروفه السيئة، وقد لعبت أمه برنيكي دوراً كبيرا في حياته بسبب صداقتها لزوجات الأباطرة في روما، وبالأخص أنطونيا أرملة ابن اغسطس قيصر، وأنقذته من الموت عدة مرات. وبموت أمه وصلت به الحالة في بادىء الأمر إلى الإستدانة وحياة الفقر والتشرد، واشتغل في وظيفة حقيرة في بلدة طبرية عند هيرودس انتيباس عمه، ولكنه أصطدم بهيردوس فترك عمله وكاد ينتحر بسبب كثرة الديون التي عليه. ونزل مع زوجته سراً إلى الاسكندرية واستدان من صديقه اسكندر الأبارك أخي فيلو اليهودى الفيلسوف مئتي ألف دراخمة، فأستطاع أن يسافر إلى روما وتودد إلى طيباريوس قيصر الذي ألقاه في السجن بسبب ديونه التي على خزانة الدولة، وقد توسطت أنطونيا أرملة ابن أغسطس قيصر لأنها كانت صديقة لأمه ودفعت له كل ديونه، فعفا عنه طيباريوس قيصر وأطلق سراحه. فتصادق في القصر مع غايس المدعو كاليجولا أحد أحفاد طيباريوس قيصر الذى صار إمبراطوراً فيما بعد. وقد سمعه سائق عربة الإمبراطور يتحدث مع كاليجولا عن تمنياته بموت طيباريوس حتى يصير كاليجولا امبراطوراً. فبلغ الحديث إلى طيباريوس قيصر، فنزل اغريباس ضيفاً على السجن مرة أخرى، وظل مسجونا ستة أشهر حتى مات طيباريوس قيصر، وأصبح غايس كاليجولا إمبراطوراً بصفته الابن الوحيد الوريث لعائلة يوليوس قيصر، وفي الحال فك قيود اغريباس وأهداه سلسلة من الذهب بوزن سلسلة الحديد التي كان مقيدا بها، وأعطاه لقب ملك على الأراضي التي كان يحكمها فيلبس عمه وليسانيوس أيضا (لو1:3)، والتي بلغت إلى أقصى الشمال حتى حدود لبنان، ولكن اغريباس تباطأ مدة سنة كاملة قضاها في روما مستمتعا بصداقة كاليجولا، وفي ذهابه إلى اليهودية، عرّج على الاسكندرية، وقد بالغ اليهود المقيمون هناك في الإحتفاء بقدومه واستقباله كملك بعد أن وافاهم سابقا كشحات، مما أثار حفيظة اليونانيين والاسكندرانيين، فقامت إضطرابات خطيرة هناك، وعند وصوله إلى اليهودية لإستلام ملكه هناك أندهش اليهود من الأمر، حتى أن اخته هيروديا زوجة " فيلبس وهيرودس انتيباس " كانت أول من لعب الحقد والحسد في قلبها، فسعت في الحال لطلب لقب ملك لزوجها أيضا، إذ لم يكن سوى رئيس ربع، مما أدى كما سبق وشرحنا إلى تجريدهما ونفيهما معا هي وزوجها هيرودس إلى ليون بفرنسا في أواخر سنة 39م، وقد ضم كاليجولا الأراضي التي كان هيرودس يحكمها إلى ملك اغريباس (40م).
 
وفي أواخر عام 40م، توجه اغريباس الأول إلى روما، ومن هناك ظل يراقب الأحداث في اليهودية، لأن كاليجولا صمم أن يقام له مذبح للعبادة بأسمه في "يمنيا" على سواحل فلسطين، فامتنع اليهود بطبيعة الحال، مما أثار غضب كاليجولا وأمر أن يقام له تمثال في هيكل أورشليم، وأصدر أوامره إلى بترونيوس والي سوريا مما أحرج بترونيوس لعلمه باستحالة الأمر، إلا إذا رغب أن يكون هناك ثورة ومذبحة، وفعلا إذ شعر اليهود بالأوامر حذروا بترونيوس علانية مما حدا به للكتابة إلى الإمبراطور كاليجولا، وهناك تدخل اغريباس إذ كان حاضراً في اللحظة التي وصل فيها مكتوب بترونيوس، ولم يتم مشتهى كاليجولا لأنه في هذه الأثناء أُغتيل سنة 41م.
 
بعد موت غايس كاليجولا اتجهت أنظار اغريباس نحو كلوديوس بإحتمال تنصيبه إمبراطورا، فتودد إليه وقدم له بعض المعونات والمشورات النافعة التي أدت فعلا إلى قبوله إمبراطورا خلفا لكاليجولا، ولم يتأخر كلوديوس قيصر من رد الجميل لأغريباس إذ ثبته على حدود مملكته التي منحها له كاليجولا، وأضاف إليه إقليم اليهود بأجمعه وإقليم السامرة أيضاً، وكانا فيما قبل تحت حكم الولاة الرومانيين مباشرة، وبهذا تكون حدود مملكة اغريباس قد بلغت في اتساعها إلى نفس حدود مملكة هيرودس الكبير بالإضافة إلى أراضي أقصى الشمال وبرجوع اغريباس إلى اليهودية بدأ في الحال في تحسين العلاقات بينه وبين شعبه بواسطة الفريسيين بصفتهم اصحاب النفوذ الديني الأول والمسئولين عن توجيه سياسة الشعب وعواطفه، فقدم للهيكل بصفة هدية إعترافا بفضل رحمة الله عليه السلسلة الذهبية التي أهداها له كاليجولا عوض سلسلة الحديد التي كان مقيدا بها في السجن، وقد علقها فوق الخزانة العامة، وابتدأ يدقق في اتباع الناموس والخضوع لكافة متطلباته العملية من تطهيرات وتقديم الذبائح اليومية التي لم يتأخر يوما واحدا عن تقديمها في الهيكل في الميعاد، حتى أن اليهود كرموه وأعتبروه سليل المكابيين (الحشمونيين) لأن جدته هي مريمن المكابية أم ارسطوبولس، وقد بدأ بتقوية أسوار أورشليم وتعليتها بدرجة فائقة جداً مما أثار شكوك والي سوريا وجعله يتصل بكلوديوس قيصر سراً، والذي أمر في الحال بمنع إستمرار اغريباس في تقوية أسوار أورشليم، وقد أقام عمائر فخمة في مدينة بيروت وأنشأ فيها مسارح وقاعات وحمامات، وزينها وكلفها تكاليف باهظة جدا وذلك شغفاً منه بفنون العمارة والتقدم، وكان ملوك كثيرون من البلاد القريبة والبعيدة يأتون عنده في اليهودية ويقضون معه أياماً برفقته وذلك لشهرته وحكمته وإتزانه، ومغالاة منه في إسترضاء شعبه، بدأ في إضطهاد المسيحيين الأوائل الذين كانت خدمتهم متركزة في اليهودية نفسها، كما يقرر سفر الأعمال الأصحاح الثانى عشر:
 
 "وفي ذلك الوقت مد هيرودس الملك (اغريباس الأول) يديه ليسيء إلى إناس في الكنيسة فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف، وإذ رأى أن ذلك يرضي اليهود عاد فقبض على بطرس أيضا، وكانت أيام الفطير، ولما أمسكه وضعه في السجن مسلماً إياه إلى أربعة أرابع من العسكر ليحرسوه ناوياً أن يقدمه بعد الفصح إلى الشعب " (أع1:12-4)، وواضح أن عداوة اليهود للمسيحيين بدأت تزداد بشدة من بعد حادثة كرنيليوس الرومانى قائد المائة الذي كان في الكتيبة الايطالية، التي كانت ضمن القيادة العامة لوحدات الجيش الرومانى المرابطة في قيصرية تحت أمر اغريباس الملك، أما القديس بطرس فدخل في بيت كرنيليوس في قيصرية وعمده هو كل بيته، مما أثار حفيظة ليس اليهود فقط بل واليهود المتنصرين أيضاً: " ولما صعد بطرس إلى أورشليم خاصمه الذين من أهل الختان قائلين أنك دخلت إلى رجال ذوى غلفة وأكلت معهم " (أع2:11و3). وقد حكم هيرودس أغريباس مدة قليلة لأنه مات سنة 44م، إذ حكم ثلاث سنين فقط على اليهودية، وقد صك نقودا بأسمه على صنفين، صنف بدون صورة للتداول في أورشليم، وصنف مصكوك عليه صورته وصورة كلوديوس للتداول في كافة الأنحاء.
 
وكانت نهاية الملك هيرودس اغريباس الأول، كما يصفها المؤرخ يوسيفوس، طبق الأصل لما جاء في وصف سفر الأعمال (21:12-23).
أغريباس الثانى (48-93م) على المناطق الشمالية :
 
لما مات أغريباس الأول (سنة 44م) كان ابنه الوحيد أغريباس الثانى ما يزال حدثاً ابن سبع عشرة سنة فقط. وكان في روما يتعلم تحت رعاية الإمبراطور كلوديوس قيصر الذي أراد تعيينه ملكاً على اليهود عوضا عن أبيه، ولكن حسب مشورة الحكماء عين والياً رومانياً مؤقتاً وبقي أغريباس الثانى في روما حتى سنة 48م، عندما أرسل ليتولى الحكم على ولاية " خالقي " التى هي لبنان، وكانت تحت حكم هيرودس المدعو " خالقي" أحد ابناء ارسطوبولس اي عم اغريباس الثانى، وكانت ولاية غير مرموقة ! ... ، وأخيرا في سنة 50م عين حاكماً على رئاسة ربع فيلبس وهي المناطق الشمالية وأضافوا إليه بتانيا وتراخونيتس وابيليه التي كانت ضمن رئاسة ربع ليسانيوس، هذا في أيام الإمبراطور كلوديوس، ولكن في أيام حكم الإمبراطور نيرون أضافوا إليه أجزاء أخرى من الجليل وبيريه وأربع عشرة قرية اخرى، وزيادة في مراضاة اليهود أعطوا لأغريباس الثانى السلطة في عزل وتعيين رئيس الكهنة وحراس الهيكل، والإشراف على خزانة الهيكل وضمنا الإشراف الكلي على الخدمة داخل الهيكل، وكانت الملابس الكهنوتية قد وقعت منذ مدة طويلة تحت يد الحامية الرومانية لما أستولوا على قلعة أنطونيا ووجدوها مخبأة فيها، وظلت بعد ذلك تحت يد الحكام الرومانيين يسلمونها لرئيس الكهنة في كل مناسبة، ثم يستردونها بكشف بعد الخدمة، وكان فيتليوس حاكم سوريا قد سلمها للهيكل سنة 36م، وفي زمان اغريباس الثانى أمر كلوديوس قيصر أن تسلم لليهود مرة واحدة بلا كشوف لتكون تحت إشرافهم الدائم، وذلك حينما أراد الوالي الرومانى كاسبيوس فادوس في أيام اغريباس الثانى الإستيلاء عليها من جديد. ولكن تولى أغريباس الثانى هذه السلطة والإشراف على هذه الأمور أنشأ مجالات مستمرة للاحتكاكات، وذلك بسبب عدم دراية اغريباس بدقائق الناموس التي لم يكن يدركها إلا الفريسيون المتفرغون للنقد وإثارة احقاد الشعب على أتفه حركة تبدو لهم غير منسجمة مع تقاليدهم، مما تسبب في إزدياد روح التحفز والحقد والتذمر المستمر بين اليهود والحكام الرومانيين والأمميين على وجه العموم.
 
وبالرغم من إشراف اغريباس على أورشليم والهيكل الإ أنه لم يكن له اتصال مباشر مع اليهود ورؤساء الفريسيين، لأن عاصمة أغريباس الثانى التى كان مقيما فيها لم تكن أورشليم بل قيصرية فيلبس الواقعة على منابع الأردن الشمالية، وهي غير قيصرية التي على البحر مركز الجيش الرومانى.
ولكن كان لأغريباس الثانى قصر متاخم لسور الهيكل يقيم فيه أثناء وجوده في أورشليم، وبالأخص أيام الأعياد وخدمة المناسبات الدينية، وقد رفع البناء في القصر حتى أصبح قادرا أن يشرف على الحركة والخدمة داخل الهيكل، مما أثار عجرفة الكهنة الذين تضافروا وبنوا سوراً مرتفعاً داخلياً يفصل الهيكل عن قصر اغريباس، مما أثار حفيظة اغريباس ، فاتصل بوالي اليهودية الرومانى دوركيوس فستوس المذكور في ( أع 27:24) ليهدمه ويزيله، فلم يرضخ كهنة اليهود بل أوفدوا لجنة منهم للشكاية لدى الإمبراطور نيرون (إمبراطور ذلك الزمان الذي كان يقصده القديس بولس حينما قال لفستوس " إلى قيصر أنا رافع دعواي ")، وتوسطت بوبيا زوجة نيرون اليهودية الأصل فأمر بترك السور وعدم هدمه، وهكذا ظلت العلاقات متوترة بين أغريباس واليهود، والمعروف عن أغريباس الثانى أنه كان ذا أخلاق منحلة، فقد كانت له علاقة غير شريفة بامرأة عمه هيرودس خالقي التي كانت في نفس الوقت اخته (برنيكي) والتي كان يعيش معها كزوجة، ولكن سفر الأعمال في الإصحاحين (25و26) لم يشأ أبدا أن يذكر أنها كانت زوجة له لعلم الكاتب بأنها كانت علاقة آثمة.
 
ويذكر سفر الاعمال أن اغريباس وبرنيكي أنحدرا من قيصرية فيلبس (عاصمة مقاطعته التي كان يترأس عليها) إلى قيصرية التي على الساحل مركز إقامة الحاكم الرومانى فستوس ليسلما عليه، إذ كان استلم حديثا رئاسته على اليهودية (أع27:24  ، 13:25)، وكان بولس الرسول في ذلك الوقت مقيدا ومسجونا في قيصرية ومقاما عليه دعوي وشكاوي من اليهود، ويلاحظ أن الإعتراض الوحيد الذي قدمه فستوس الرومانى على القديس بولس أثناء إحتجاجه كان لما ذكر المسيح أنه عتيد أن يكون نورا للأمميين، فأعتبرها فستوس بذكاء ومبادرة أنها تمس الإمبراطور بصفته إلهاً، فأحتج! (أع23:26-24).