أحمد الجمال
كثيرون لا يعرفون أن ما سمي "الجدل البيزنطي" لم يكن من حول جنس الملائكة، ولا حول الأسبقية بين البيضة وبين الدجاجة، ولكنه كان من حول طبيعة السيد المسيح والعذراء، إذ انعقد مجمع مسكوني في خلقيدونية عام 451 ميلادية، واختلف الحاضرون من أساقفة المسكونة– أي العالم– حول هذه المسألة.. هل هي طبيعة واحدة إلهية أم واحدة بشرية أم هما طبيعتان؟ ولو كانتا كذلك هل هما منفصلتان أم مندمجتان.. ثم هل العذراء أمٌّ للسيد المسيح من ناحية الناسوت أم اللاهوت أم هما معًا؟ ومن ثم هل يتوجب تقديسها أم هي غير مقدسة ولا تجوز الصلاة أمام أيقونتها!

وقد كتب مؤرخ معاصر لتلك الفترة من القرن الخامس الميلادي أن الاختلاف قد خرج من قاعات المؤتمر إلى الشوارع، إذ كنت تسأل بائع الخبز ليبيعك خبزًا فلا يستجيب ويرد بالسؤال هل هي طبيعة واحدة أم طبيعتان، وكذلك كان ساقي الماء وبقية الناس.

والمهم أن المجمع المسكوني الرابع هذا قال إن للمسيح له المجد طبيعتين إلهية وبشرية متحدتين في شخص واحد دون امتزاج أو انفصال. ولم يسلم الأمر بعد ذلك من انشقاقات واختلافات حول القضية نفسها.. وحتى الآن نجد من يحلو لهم إعادة إنتاج المسألة.. مسألة الخلاف حول أمور حسمت عند الغالبية، وهكذا هي إعادة إنتاج سؤال الهوية المصرية بمناسبة افتتاح متحف الآثار المصرية القديمة، وبمناسبة حكاية المواطن ذي الجلابية وزوجته، حيث ثار أيضًا كلام كثير حول الزي المصري، الأمر الذي ذكرني بمناظرة قديمة بين المفضلين لارتداء الطربوش كغطاء للرأس وبين الداعين للقبعة التي تشتهر شعبيًا باسم البرنيطة.. ولم يلتفت هؤلاء وأولئك إلى أن كليهما دخيل على المحروسة، ولم يلتفتوا لأن غطاء الرأس المصري الأصلي تنوع بين الطاقية المصنوعة من خيوط صوف الغنم، والأخرى المصنوعة من القماش الكستور أو الدبلان أو الدمور، وبين اللبدة المصنوعة من وبر الإبل- أي الجمال- المعجون في سيبيداج ويوضع على قالب من الخشب أو الجبس على هيئة الرأس.. وكانت الطاقية واللبدة إما تلبسان وحدهما على الراس أو يلف حولهما شال من القماش الخفيف وتختلف شكل اللفة من منطقة إلى أخرى.

وكان هناك عطاء راس اخر ينتشر بين الصيادين في الشمال والشرق، ومثله يرتديه جامعو القطن ومقاومو دودته، وهو على هيئة طاقية يتدلى من أطرافها قماش طويل ليغطي خلفية الرقبة "القفا" لحمايته من لهيب أشعة الشمس!

يعني أن الباشاوات والبكوات والأفندية انشغلوا بما يلبسون ولم يفكروا في أنه غير منتشر في أرياف وبوادي المحروسة، إلى أن انقرض الطربوش، ولم يتبق من ذكراه إلا الطربوش المنخفض الذي يلف عليه شال عمامة الأزاهرة.. وكان أصله مغربيًا من بلاد المغرب الكبير.

أما حكاية الجلابية فيلزمها أولا تصحيح لغوي حيث الصحيح أن القميص للرجل والجلباب للمرأة.. ومن يقرأ سورة يوسف سيعرف ذلك.. وفي سورة أخرى "يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ"!

ويلزمها ثانيًا قليل من الشرح، لأن أهلنا الفلاحين كانوا يرتدون تحت الجلباب بنطالًا على هيئة سروال واسع قليلًا يغطي الفخذين ويصل إلى منتصف الساق "قصبة الرجل"، وكان قبل ظهور "الأستك" وشيوع استخدامه يثبت بـ"تكة" أو "دكة"، إما مفتولة من التيل أو الكتان أو مجدولة من الصوف وتدكك في مجراها أعلى السروال، ليتدلى طرفاها من الفتحتين الضيقتين على جانبي المجرى.. وطول اليوم كان الفلاح الشقيان يخلع ثوبه أو جلبابه، ويخلع غطاء رأسه ويبقى بقميص الدمور الداخلي وتحته السروال "البنطلون"! وعند استقبال أحد أو عند موعد المرواح يرتدي الجلباب الذي تنوع قماشه وفق القدرة المادية للشخص ليكون من الـ"عبك" فما فوق وصولًا للصوف، الذي بدأ مزدوجًا لتكون "دفيّة"- ياء مشددة- وزعبوط يغزلهما صاحبهما طوال السنة ليتم نسجهما بأنوال بدائية، ثم انتهى للأنسجة الراقية، وعلى رأسها الإمبريال، الذي كانت تصنع منه العباءات المخاطة يدويًا "نباتة"!

وكان للجلباب ضرورة حياتية.. فهو ما يمسك العيال في ذيله أو جانبه حتى لا يتوهوا في الزحام بالأسواق والموالد والسويقات.. وهو ما يشد على وسطه حبل ليصبح له "عبّْ" يجني فيه القطن أو تجمع يه البامية وغيرهما.. وهو أيضًا ما يستخدم طرفه الأسفل كمروحة تدفع الهواء لتأجيج نيران الراكية لزوم الذرة المشوية أو لزوم عمل الشاي أو لزوم وضع المسامير الحدادي ذات الرأس الكبير وبجوارها أطراف المناجل- جمع منجل- لتحمر من شدة التسخين وتكوى بها الإبل والمواشي المريضة بأمراض معينة، ولكل مرض مكان يعرفه المتخصص في الكي على جسم الحيوان، كما أن لكل مرض شكلًا في الكي.. حيث العمى أو الإسهال أو الامتناع عن الأكل وعن الإنجاب أو ترهل عصب العراقيب لكل شكل يرسم بالحديد المحمى.. حلقة.. أو خطوط مستقيمة متجاورة أـو محجال "على شكل رقم 9" وهلم جرا.

وكان ذيل الجلباب يثنى للأعلى حتى منتصفه ويعقد من طرفيه ليكون حِجرًا لجمع الخيار والقثاء وغيرهما.. وأخيرًا وليس آخرًا كان الجلباب وسيلة لتنفيس الغضب والحزن، حيث كان الرجل يمسك بفتحة طوقه وبأقصى عزم قونه يمزقها لينشق الجلباب من فتحته حتى ذيله.. وهو ما ترجمته عبارات شعبية من قبيل "اطلع من ديني" أو "أشق الهدوم"، وفعلًا كانوا يعتبرون الأمر لونًا من ألوان الكبائر يستلزم الذهاب إلى شيخ الجامع أو شيخ الطريقة ليرد للغاضب شاقق الهدوم دينه!

ترى هل بذلك كله وبأكثر منه تدخل الجلابية في صميم الهوية، وهل من يعيدون إنتاج سؤال الهوية ويقيمون الجدل حول ما هو مصري قديم "فرعوني" وبين ما هو يوناني روماني، وما هو مسيحي قبطي وإسلامي قبطي؛ سيبتهجون إذا ما رجحت حقبة على حقبة؟ إنني أدعوهم لتأمل تراث صينية الرقاق المسأسأ التي تؤكل بقطعها رأسيًا.. وهو ما يماثل جاتوه "الميل في" وكلاهما متعدد الطبقات.
نقلا عن الاهرام