بقلم: هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
يُعَدّ تنظيم ملكية وإدارة الصيدليات في مصر من الموضوعات التي أولى لها المشرّع أهمية خاصة، لما لمهنة الصيدلة من صلة وثيقة بالصحة العامة، ولما تمثله من خطورة في حال تركها دون ضوابط قانونية صارمة.
وقد نظم قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955 وتعديلاته أحكام مزاولة المهنة، محدداً على نحو دقيق من يملك ومن يزاول هذه المهنة، واضعاً بذلك إطاراً قانونياً لحماية النظام العام الصحي والاقتصادي.
حظر تملك غير الصيدلي للصيدلية.
حيث نصت المادة (1) من القانون رقم 127 لسنة 1955 على أنه: “لا يجوز لأحد أن يزاول مهنة الصيدلة بأي صفة كانت إلا إذا كان مصرياً… وكان اسمه مقيداً بسجل الصيادلة بوزارة الصحة العمومية وفي جداول نقابة الصيادلة.”
كما أكدت المادة (30) من القانون ذاته على أن: “لا يُمنح الترخيص بإنشاء صيدلية إلا لصيدلي مرخص له في مزاولة مهنته، يكون قد مضى على تخرجه سنة على الأقل قضاها في مزاولة المهنة في مؤسسة حكومية أو أهلية… ولا يجوز للصيدلي أن يكون مالكاً أو شريكاً في أكثر من صيدليتين أو موظفاً حكومياً.”
ويُستفاد من هذين النصين أن تملك الصيدلية مقصور قانوناً على الصيادلة المرخص لهم بمزاولة المهنة، وأن أي تصرف ينقل ملكية الصيدلية إلى غير صيدلي يعد باطلاً بطلاناً مطلقاً لتعلقه بالنظام العام، وهو ما أكدت عليه محكمة النقض المصرية في العديد من أحكامها.
حيث استقرت محكمة النقض على هذا المبدأ في حكمها الصادر في الطعن رقم 385 لسنة 44 قضائية، جلسة 24/4/1980، إذ قررت: “أن بيع الصيدلية إلى غير صيدلي يُعد باطلاً بطلاناً مطلقاً لمخالفته النظام العام، لما في ذلك من مساس بمصلحة عامة تتعلق بصحة المواطنين.”
كما قضت محكمة النقض بأن: “يشترط لصحة عقد البيع ألا يكون التعامل محظوراً لأمر يتصل بالنظام العام أو الآداب، وإلا وقع العقد باطلاً بطلاناً مطلقاً لا تلحقه الإجازة.”
(نقض مدني، الطعن رقم 203 لسنة 42 ق، جلسة 27/2/1977).
ومن ثم فإن أي عقد صوري أو اتفاق خفي يهدف إلى تمكين غير الصيدلي من تملك أو إدارة صيدلية، حتى وإن تم باسم صيدلي مرخص له، يُعد تحايلاً على القانون ويقع باطلاً لا أثر له.
يتساءل الكثيرين ما لعقوبات الجنائية المقررة في حالة مخالفة هذا الحظر ؟
لم يقف المشرّع عند حد تقرير البطلان المدني فحسب، بل قرن ذلك بعقوبات جنائية صارمة لضمان عدم التحايل على أحكام القانون.
فقد نصت المادة (78) من القانون رقم 127 لسنة 1955 على أنه: “يُعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنتين وبغرامة لا تزيد على مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من زاول مهنة الصيدلة بدون ترخيص، أو حصل على ترخيص بفتح مؤسسة صيدلية بطريق التحايل.”
كما أوجبت المادة (84) من ذات القانون أنه: “في جميع الأحوال يُحكم، فضلاً عن العقوبات المتقدمة، بمصادرة الأدوية موضوع المخالفة والأدوات التي ارتُكبت بها الجريمة.”
ويُلاحَظ أن النيابة العامة عادة ما تُقيد الاتهام في مثل هذه الحالات تحت وصف:
• جنحة مزاولة مهنة الصيدلة بدون ترخيص، بالمواد: (1، 2، 5، 8، 9، 78، 84) من قانون مزاولة المهنة.
• أو جنحة الحصول على ترخيص بفتح صيدلية بطريق التحايل أو باستعارة اسم صيدلي.
وفي كلتا الحالتين يحكم بإغلاق الصيدلية محل المخالفة ومصادرة الأدوية، فضلاً عن إلغاء الترخيص الممنوح لها.
استثناءً من القاعدة العامة، أجاز المشرّع في المادة (21) من القانون رقم 127 لسنة 1955 لورثة الصيدلي المتوفى أن يستمروا في ملكية الصيدلية لمدة لا تجاوز عشر سنوات، أو حتى بلوغ أصغر الأبناء سن السادسة والعشرين أو تخرجه من الجامعة، أيّهما أقرب، بشرط أن تدار الصيدلية بواسطة صيدلي مرخص له.
ويُعد هذا الاستثناء رعاية من المشرّع للجانب الإنساني والاجتماعي لأسرة الصيدلي، دون المساس بالأساس المهني الذي يحظر على غير الصيدلي مزاولة النشاط.
وماذا عن الأثر القانوني للمخالفة؟
إن مخالفة أحكام قانون مزاولة مهنة الصيدلة تُعد مساساً بالنظام العام، ويترتب عليها:
1. البطلان المطلق لأي عقد أو تصرف ينقل ملكية الصيدلية إلى غير صيدلي.
2.العقوبات الجنائية على كل من يتواطأ في التحايل على أحكام القانون.
3. مصادرة الأدوية وغلق الصيدلية محل المخالفة.
إن أحكام قانون مزاولة مهنة الصيدلة وأحكام محكمة النقض المصرية ترسي مبدأً راسخاً مفاده أن ملكية الصيدليات ومزاولة المهنة مقصورة على الصيادلة وحدهم، وأن أي محاولة للتحايل على هذا المبدأ تُعد انتهاكاً صريحاً للنظام العام تستوجب البطلان والعقاب.
فالصيدلية ليست محلاً تجارياً عادياً، بل مرفقاً صحياً يمس سلامة المجتمع، ومن ثم أحاطه المشرّع بأشد الضمانات القانونية والجزاءات الرادعة للحفاظ على قدسية المهنة وكرامتها.





