بقلم الأب يسطس الأورشليمى
"هل رفضت يهوذا رفضًا؟! أو كرهت نفسك صهيون؟! لماذا ضربتنا ولا شفاء لنا؟! انتظرنا السلام، فلم يكن خير، وزمان الشفاء فإذا رعب".
كنائبٍ عن الشعب يحاور الله متعجبًا كيف يرفض الله يهوذا، وتكره نفسه صهيون، ويضرب بلا شفاء، ينزع السلام ويسمح لهم بالرعب. كانت حجج الأنبياء الكذبة أن الله سلَّم إسرائيل لأشور لأنها انشقت عن مملكة يهوذا وعن السبط الملوكي، وحرموا أنفسهم من أورشليم التي تمثل صهيون. أما بالنسبة ليهوذا فليس من ضرباتٍ بلا شفاء، ولا من رعبٍ، بل صحة وسلام، لأنها تضم السبط الملوكي وتحتضن أورشليم مدينة الله حيث الهيكل والعبادة القانونية.
الشرير تتحول أورشليمه إلى رُجم ، عوض أن يكون قلبه مدينة الله المقدسة، يصير أشبه بمكان مهجور دنس، يُشتم فيه رائحة الموت.
في الواقع، طالما أن المخلص لم يقل لهذا الشعب: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا"، فإن أورشليم لم تكن خربة؛ وإنما عندما بكى يسوع على أورشليم قائلاً: "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (لو 13: 34)، عندئذ أصبحت أورشليم خربة. "ولقد أحيطت أورشليم بجيوش وكان خرابها قريب (لو 21: 20). ثم بعد سقوط هذا الشعب كان الخلاص لنا نحن الأمم.
لقد تم تأديبهم ولم يأت عليهم الفناء إلا عند مجيء السيد المسيح. لكنى أتساءل إن كان هذا يحدث معنا نحن أيضًا، وإن كانت هناك أنواع عديدة من التأديبات يمكن أن تحل بنا. يوجد من الناس من يكتفي بالضربة الأولى ولا يجرب الثانية، ويوجد آخرون يصلون إلى الضربة الثانية والثالثة بل وحتى إلى الرابعة. فإن العبارة: "أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف (ضربات)" تحمل شيئًا من الغموض: توجد ضربة أولى، ثم ثانية ثم ثالثة حتى السابعة لبعض الناس. فليس كل الناس يُضربون سبع ضربات، لكنني أعتقد أن البعض يُضربون بست ضربات والبعض بخمس والبعض بأربع والبعض بثلاث أو إثنين أو واحدة. ويعلم الله وحده ما هو المقصود بهذه الضربات.
لم يمضِ سوى 42 سنة فقط وقت خراب الهيكل،! وكانت تلك الفترة بمثابة "وقت" منحه الله للتوبة، خاصة توبة بعض الناس من ذلك الشعب، وهم اليهود الذين دخلوا إلى الإيمان بعد رؤيتهم للآيات والعجائب التي صنعها الرسل.
لقد ألَّهت أورشليم نفسها، فظنت أنه لن يقترب منها العدو، ولا يلحق بها الله نفسه. إنها ملكة متربعة على الوادي، وصخرة قوية ليس من يحطمها!
كانت أورشليم محاطة بالوديان العميقة من جهة الغرب والجنوب والشرق، لهذا لم تكن تحتاج إلى الدفاع إلا من جهة الشمال فقط.
قيل: "أيتها المتربعة على الوادي". كما ان الله هو المتربع على الشاروبيم (1 صم 4: 4، 2 صم 6: 2، 1 أي 13: 6، مز 80: 2، 99: 1) هكذا يريد أن تكون مدينته متربعة ومتوَّجة فوق كل الوديان. متى كان حالاًّ فيها كملك، يقيم منها ملكة، ويضع تابوت عهده الممثل لحضرته في الهيكل المقام في أورشليم مدينته.
ربما بقوله "المتربعة على الوادي" يشير إلى شرها الذي أُعلن بوضوح في وادي ابن هنوم، والذي دعاه "وادي القتل"، فصارت ملكة، لا بقبولها الملك واتحادها معه، بل باحتضانها الفساد والشر، وارتباطها برجاسات وادي هنوم.
لعله دعاها "المتربعة على الوادي" مقابل دعوة صور "المتربعة على مداخل البحر" (حز 27: 3)، إذ جعلت من نفسها إلهًا (حز 28: 2)، وكأن إرميا النبي يقول لسكان أورشليم لقد صرتم كنعانيين (10: 17) تدعون مدينتكم "متربعة على الوادي" كما يدعو الفينيقيون مدينتهم "المتربعة على مداخل البحر".
خطيتها هي الكبرياء والتشامخ، وكما جاء في المزمور: "رأيت المنافق يرتفع ويتعالى مثل أرز لبنان، وجزت فإذا ليس هو. التمسته فلم أجده مكانه" (مز 37: 35، 36).
يري الشهيد كبريانوس: التكبر والغرور والغطرسة والافتخار بعجرفة، هذه كلها لا تنبع عن تعاليم المسيح الذي علَّمنا الاتضاع، بل عن روح ضد المسيح الذي يوبخه الرب بالنبي القائل: "وأنت قلت في قلبك: أصعد إلى السموات، أرفع كرسيَّ فوق كواكب الله" (إش 14: 13-14).
وتشير الفأس إلى سخط الله وغضبه من جراء تعدِّي اليهود على المسيح وعظَم جرمهم ضد السيِّد، فيقول زكريَّا في هذا الصدد: "في ذلك اليوم يعظم النوح في أورشليم كنوح هدد رمون..." (زكريَّا 12: 11) ويخاطب إرميا أورشليم أيضًا فيقول: "زيتونة خضراء ذات ثمر جميل الصورة دعا الرب اسمك، بصوت ضجَّة عظيمة أوقد نارًا عليها فانكسرت أغصانها ورب الجنود غارِسك قد تكلَّم شرًا" (إر 11: 16)، ويمكنكم فوق ذلك أن تضيفوا إلى هذا القول مثَل التينة في الأناجيل المقدَّسة، لأنه لمَّا كانت شجرة التينة غير مثمرة فإن الله شاء فجفَّت جذورها،
يرى القديس كيرلس الكبير: أن التلاميذ لم يفهموا كلماته، فقد حسبوه يتحدث عن نهاية العالم، لذلك جاء تساؤلهم: "قل لنا متى يكون هذا؟ وما هي علامة مجيئه؟ وانقضاء الدهر؟" (مت 24: 3). كأنهم ربطوا هدم الهيكل بمجيء السيد الأخير ونهاية الأزمنة، ربما لأنه لم يكن ممكنًا في تصور يهودي أن هيكل أورشليم يخرب بعد، إنما يزداد قوة وزينة خاصة بمجيء المسيّا المنتظر ليملك خلاله، ويبقى الهيكل حتى نهاية الدهر.
هذا الإعلان الإلهي أو قل التحذير الرباني ينطبق على ثلاثة مستويات. ففي المستوى الأول على نهاية العالم كله إذ يتم ذلك حرفيًا، والثاني على مستوى دمار الهيكل اليهودي وخراب أورشليم.
وقد وصف يوسيفوس المؤرخ اليهودي ما حلّ بأورشليم قبيل دمارها خاصة المجاعة التي أصابت السكان حتى كانوا يأكلون البذار التي في بواقي الحيوانات. وأيضًا على المستوى الشخصي، فإنه إذ يقوم في الإنسان أمة على أمة، ومملكة على مملكة. أي حين يفقد الإنسان سلامه الداخلي ووحدته بالروح القدس يضطرب فكره وقلبه حتى جسده، وكأن زلازل قد حلت به لتهدم كل كيانه، وتصير فيه مجاعات، إذ لا يجد شبعًا من العالم بكل كراماته وملذاته، فيبقى محرومًا من كلمة الله الخبز النازل من السماء كسّر شبع للمؤمنين، وتحل به أوبئة متنوعة تصيب نفسه الأمراض الروحية القاتلة، وتكون مخاوف عظيمة من السماء، أي تتحول نفسه التي كان يليق بها أن تكون سماءً إلى علة مخاوف، بمعنى سرّ قلقه واضطرابه لا يكون من الخارج بل من داخل نفسه. هكذا إذ يفقد الإنسان شركته مع الآب في ابنه بالروح القدس، يفقد كل سلام للجسد والنفس والروح، ويصير هو نفسه علة تحطيمه لنفسه!
يتحدث السيد المسيح بكل وضوح عما كان سيحل بأورشليم بعد ذلك بحوالي 40 عامًا على يديّ تيطس الروماني، وكان حديث السيد المسيح أشبه بتحذير للمؤمنين الذين كانوا في أورشليم ليتذكروا قول السيد، فيهربوا من أورشليم ولا يسقطوا تحت الحصار. وكما قلت أن يوسيفوس المؤرخ اليهودي قدم وصفًا تفصيلاً عما حدث في هذا الحصار.
يقول القديس أغسطينوس: بأن كلمات ربنا هذه كما رواها لوقا الإنجيلي تُظهر أن رجسة الخراب التي تنبأ عنها دانيال قد تحققت بحصار أورشليم.
دخل السيد المسيح إلى أورشليم ليعلن حبه لنا عمليًا بالصليب، لكي يدخل بنا إلى أورشليمه السماوية وينعم علينا بأمجاده الأبدية.
يقول القديس كيرلس الكبير: [توقع (التلاميذ) أن يُعجب بالمنظر حين يراه، لكنه هو الله، عرشه السماء. أقول في لطفه لم يعطِ اهتمامًا للأبنية الأرضية بكونها تافهة بل وتُحسب كلا شيء تمامًا، إن قورنت بالمواضع العلوية. لقد أوقف الحوار الخاص بهذه الأبنية ووجهه إلى ما هو لازم لنفعهم. إن كان الهيكل بالنسبة لهم يستحق أن ينال كل الإعجاب، لكنه في الوقت المناسب يُخرب من أساساته حين يهدمه الرومان وتُحرق أورشليم بالنار، فينال إسرائيل جزاءه لقتله الرب، فقد حلت بهم بهذه الأمور بعد صلب المخلص.





