القمص يوحنا نصيف
في سِفر التكوين قصّة جميلة عن اختيار رفقة كزوجة لإسحق ابن إبراهيم؛ والقصّة مذكورة بالتفصيل في أصحاح كامل (تك24)، وتحوي العديد من المواقف الغنيّة بالمعاني والرموز والإشارات والدروس، ولكنّني في هذا المقال سأركِّز فقط على شخصيّة "عبد إبراهيم"، وربّما في مقال آخَر أتناول شخصيّة رفقة وباقي الأحداث.
في البداية أودّ أن أتساءل: هل هذا العبد هو نفسه "أليعازر الدمشقي"، المذكور في (تك15: 2)؟
الحقيقة أنّ هذا الاحتمال يبدو مُستَبعَدًا جدًّا، فالفارق الزمني بين الحادثتين، هو أكثر من 55 سنة؛ إذ أنّ حديث أبينا إبراهيم عن أليعازر الدمشقي كان قبل أن تَحدُث قصّة إنجاب إسماعيل، أي قبل أن يُكمِل إبراهيم 85 عامًا من عُمرِه، بينما قصّة العبد المذكورة في (تك24) حدثت بينما كان لإبراهيم من العُمرِ 140 عامًا.
والسبب الثاني الذي يجعلنا نستبعِد أيضًا أن يكون العبد هو نفسه أليعازر الدمشقي فهو أنّ الرجُل ذُكِرَ في الأصحاح 24 أكثر من 12 مرّة، بدون أن يُذكَر اسمُه أنّه أليعازر الدمشقي، ولو لِمَرّة واحدة، بل فقط يُذكَر بألقاب: "العبد"، "عبد إبراهيم"، "الرجُل". وهذا يُرَجِّح تمامًا أنّه شخص مختلِف.
نعود إلى شخصيّة هذا الرجل العجيب والأمين.. فقد كلّفه سيّده إبراهيم بمهمّة صعبة للغاية؛ فهو سيذهب في سَفرٍ طويل إلى منطقة "فَدّان آرام"، وهي بلاد غريبة عليه وتبعُد مسافةً لا تَقِلّ عن 800 كيلومترًا من المنطقة التي كان يعيش فيها إبراهيم. سيذهب إلى هناك ليبحث عن زوجة مُناسِبة لإسحق ابن سيّده لتكون من نفس عشيرتهم. والمطلوب منه أن يذهب ويعود بها! فكيف يمكنه النجاح في تنفيذ كلّ ذلك؟
الواقع أنّ مثل هذه المهمّات الصعبة، لا يمكن للإنسان انجازها بدون معونة خاصّة من الله، أي بدون الصلاة بحرارة وطلب التدخُّل الإلهي؛ وبالفِعل هذا ما حدث.
إنّ هذا الرجل التقي كان قد شرب من روح سيّده إبراهيم الإيمانَ والصلاة والاتكال على الله، فعِندما كُلِّفَ بهذه المأموريّة الصعبة، لم يشغل نفسه بالنظر إلى الفتيات، لكي يختار فتاة بمواصفات عالية، من جمال الشكل والثراء المادي والأخلاق الطيّبة، بل كان كلّ هدفه أن يَعرِف إرادة الله، ويستكشف مَن هي الفتاة التي عيّنها الله كزوجة لإسحق ابن سيّده إبراهيم؟.. فقد كان يؤمن أنّ اختيار الله هو أفضل اختيار، وهو فقط يريد أن يتعرّف على اختيار الله؛ أي على الفتاة التي أعدّها الله لإسحق، فيُحضرها معه وتصير زوجةً لإسحق!
لذلك كان يصلّي طوال الوقت ويطلب معونة الله وتدبيره.. وبالفِعل كشف له الله اختياره بسرعة عجيبة وبكلّ وضوح.. فنقرأ في سِفر التكوين أنّه عندما وَصَلَ إلى المدينة، رفع قلبه بالصلاة وطلب من الله أن يَصنع لُطفًا إلى سيّده إبراهيم، ويكشف له مَن تكون هذه الفتاة، ووضع علامة بسيطة لذلك، بأنّه يطلب من إحدى الفتيات أن يَشرَب، فتطيعه وتقول أنّها ستَسقِي جِماله أيضًا!
وبالفِعل ظهرت رِفقة، وتحقّقَت فيها العلامة، وهو يُراقِبها مذهولاً من محبّة الله وأمانته.. وفي النهاية خَرّ الرجُل وسجد لله مُمَجِّدًا اسمه. ثمّ ذهب إلى بيت رِفقة وتكلّم مع أهلِها في المهمّة التي جاء من أجلها. وعندما أدركوا أنّ الله في الموضوع، ومِن عنده خرج الأمر، وافقوا قائلين: "هُوَذَا رِفْقَةُ قُدَّامَكَ. خُذْهَا وَاذْهَبْ. فَلْتَكُنْ زَوْجَةً لابْنِ سَيِّدِكَ، كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ" (تك24: 50)؛ فسجد الرجل مرّة أخرى إلى الأرض، ثمّ قدّم لهم الهدايا التي كانت معه. وبعد أن بات ليلته، قام في الصباح، وطلب أن ينصرف إلى سيّده إبراهيم ومعه رفقة، التي سألوها إن كانت توافق؟ فوافقت وقالت أذهبُ معه.
هذه الشخصيّة الجميلة تُعطينًا درسًا في تسليم أمورنا لله من خلال الصلاة؛ كما تكشف لنا كيف ننجح في المهام الصعبة، بطلب المعونة الإلهيّة، والتواصُل باستمرار مع الله في كافّة المراحل، كما يقول الكتاب: "توكَّل على الربّ بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد" (أم3: 5). هكذا نَضمَن أنّه هو الذي يقود العمل، ويُرشِدنا لتنفيذ ترتيباته، التي هي دائمًا ترتيبات جميلة؛ في صالحنا، ولأجل خلاصنا!
القمص يوحنا نصيف





