ماهر الجاولي - الأقباط متحدون - شيكاجو
رصدت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير موسّع نشرته أمس ظاهرة لافتة تتمثّل في الارتفاع غير المسبوق لأعداد المنضمّين إلى الكنائس الأرثوذكسية في الولايات المتحدة، خاصة بين فئة الشباب الذين كانوا ينتمون سابقًا إلى الكنائس البروتستانتية.
وأكدت الصحيفة أنّ «مقاعد الكنائس الأرثوذكسية تغصّ بالمتحوّلين طقساً»، وأن الكهنة الارثوذكس أنفسهم «لم يشهدوا مثل هذا من قبل».
وقالت الصحيفة إن الكهنة الأرثوذكس في مختلف الولايات باتوا يتبادلون القصص حول أرقام حضور قياسية، في وقت تحاول الرعايا استيعاب موجة جديدة من الشباب الباحثين عن «إيمان أكثر جدية وانضباطًا».
وأشار القمص الأنطاكي أندرو داميك إلى أنّ هذه الزيادة تمثّل «أرضًا جديدة في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية بأمريكا».
وأوضح التقرير أنّ الأرثوذكسية، التي لطالما ارتبطت تاريخيًا بالمهاجرين من روسيا وأوكرانيا واليونان والشرق الأوسط، تشهد اليوم بروزًا لافتًا لـ«أرثوذكسية أمريكية المنشأ»، حيث يتوافد شباب بلا جذور مهاجرة للانضمام إلى الطقس الشرقي، مدفوعين برغبة في ممارسة «إيمان أصعب وأكثر التزامًا».
وأشار التقرير إلى أنّ المنصات الرقمية ومحتوى بعض المؤثرين على يوتيوب لعبت دورًا في تعريف الشباب بالأرثوذكسية، فيما يطلق البعض على هؤلاء المتحمسين الجدد لقب Orthobros. وتُظهر الإحصاءات أن أكثر من 60% من الأرثوذكس الجدد في الولايات المتحدة من الرجال، وأن 24% منهم تحت سن الثلاثين، وهي نسب تتجاوز ما هو قائم لدى الطوائف المسيحية الكبرى الأخرى.
وتُرجع الصحيفة أسباب هذا التحوّل إلى تراجع جاذبية البروتستانتية الحديثة لدى فئات من الشباب، في ظل غياب المركزية الكنسية، وتعدّد الطوائف بلا ضوابط واضحة، وانتشار نماذج من الوعظ العاطفي والموسيقى المعاصرة، إضافة إلى فضائح لبعض القساوسة المشاهير والتيارات المثيرة للجدل مثل «الصهيونية المسيحية».
وفي المقابل، يجد هؤلاء الشباب في الأرثوذكسية طقوسًا ثابتة عمرها قرون، وقداسات طويلة، وصومًا صارمًا، وروحانية قائمة على الانضباط والجهاد الروحي، إلى جانب بنية كهنوتية واضحة.
وفي مشهد نقلته الصحيفة من إحدى الفعاليات في كارولاينا الشمالية، ظهر الحضور شبه مقتصر على الشباب الذكور، الذين قالوا إنهم يجدون في الأرثوذكسية «هوية واضحة» و«تدريبًا روحيًا حقيقيًا».
وأكد أحدهم: «الأرثوذكسية هي الكنيسة الوحيدة التي تدرب الرجال بصرامة وتخبرهم بوضوح بما يجب أن يفعلوه».
وتشير «نيويورك تايمز» إلى أنّ هذه الطاقة الجديدة داخل الأرثوذكسية تتوازى مع اتجاه أوسع يشمل فئات من الشباب الأمريكيين الذين يتجهون نحو نسخ أكثر صرامة من المسيحية، سواء في الكنيسة الكاثوليكية أو بعض الكنائس التقليدية الأخرى.
واللافت أن هذه الظاهرة تلتقي مع تجارب سابقة في الشرق الأوسط، ومنها تجربة الكاهن القبطي الراحل القمص بولس باسيلي الذي كان شابًا بروتستانتيًا قبل أن يتحول إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بدافع إيماني ووطني، معتبرًا أن الأرثوذكسية هي الكنيسة المصرية الأصيلة منذ قدوم القديس مرقس إلى مصر. وقد حملته هذه الهوية الروحية والوطنية لاحقًا إلى الانخراط في العمل العام، حتى وصل إلى البرلمان المصري في السبعينيات.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن الإيمان، مهما اختلفت مذاهبه، يبقى تجربة إنسانية فردية، وأن جوهر المسيحية واحد: المحبة والرحمة والسلام — وهي قيم تتجاوز الطقوس والاختلافات الشكلية، لكنها في نظر كثير من الشباب الأمريكي اليوم تجد في الأرثوذكسية صورة أكثر أصالة وثباتًا وسط عالم سريع التغير.





