بقلم الأب يسطس الأورشليمى
"فحينئذ ليهرب الذين في اليهوديّة إلى الجبال، والذي على السطح، فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئًا، والذي في الحقل، فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه، وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام، وصلّوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت" مت[24-19].
وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ليت الذين ينظرون هذا يهربون من حرف اليهوديّة إلى جبال الحق العالية. وإن صعد أحد إلى سطح الكلمة ووقف على قمّتها فلا ينزل ليطلب شيئًا من بيته، وإن كان في الحقل حيث يختبئ فيه الكنز فلا يرجع إلى الوراء، بل يجري من خطر خداع الكلمة الباطلة (ضد المسيح)، ويكون هذا على وجه الخصوص متى خلع ثوبه القديم فلا يرتدّ إليه ليلبسه مرّة أخرى].
في أيام نحميا كانت أسوار أورشليم مهدمة وأبوابها محروقة بالنار، وكانت أيضًا أسوار قلوب الشعب وأبوابهم الداخلية محطمة. كانوا في حاجة إلى تدخل إلهي، لهذا اجتمع كل الشعب كرجلٍ واحدٍ إلى الساحة، وقرأ عزرا الكاتب الشريعة من الصباح إلى نصف النهار (نح 8: 3)، وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة، وبارك عزرا الرب الإله العظيم، وأجاب جميع الشعب آمين، آمين. قال نحميا وعزرا الكاهن واللاويون المفهمون الشعب: "لا تحزنوا، لأن فرح الرب هو قوتكم" (نح 8: 10). يحتاج البشر كخطاة إلى حضرة كلمة الله في وسطهم، بل وفي داخلهم، فيصير فرحه قوتنا!
الأب أنثيموس الأورشليمي: يتحدث النبي عن مدينة أورشليم بكونها المدينة الحصينة، إذ رأى بعين النبوة أهل بابل يهدمون أسوارها، ولكن بعد رجوعهم إليها يبنونها مدينة حصينة. فيقول: من غيرك يقدر أن يبلغني إليها، ويريني إياها حصينة، ومن ثم يهديني إلى أدوم؟ أنت يا الله تقدر على ذلك. يا من تقصينا مرارًا من أجل خطايانا، ولا تتقدم أمام جنودنا تأديبًا لنا.
وأيضا يقول الأب أنثيموس الأورشليمي: إنه إن كان السبي قد حوَّل أورشليم إلى خراب فإن النبي يطلب من الله أن يرد شعبه إلى أورشليم فتصير براريها وأريافها خصبة، وأوديتها تمتلئ من الحنطة، ومواشيها يكثر صوفها بكثرة أعشاب المراعي.
يقول القديس جيروم: [ يتحدث إشعياء النبي عن موسى حاد يحلق رأس الخطاة وشعر أقدامهم (إش7:20)، يحلق رأسه رمزًا لأورشليم التي صارت زانية (5: 1-5) علامة أن كل ما فيها قد صار بلا إحساس ونزعت عنها الحيا
ويقول العلامة أوريجينوس: [ارتكبت أورشليم مثل هذه الخطايا (عبادة الأوثان) فلا تستحق أن تدخل في وعود الله]. لقد صارت كنعانية أمورية الأب، حثية الأم، خارج دائرة المواعيد الإلهية. هكذا من يقبل التعاليم الغريبة والفلسفات الكاذبة، بعيدة عن روح الكتاب المقدس يبقى خارجًا، فلا يُحسب أورشليم المقدسة بل كنعانيًا أو أموريًا أو حثيًا!
لاحظ العلامة أوريجينوس أنه عند توبيخ أورشليم ذكر الرب ان والدها من جنسية (أموري) ووالدتها من جنسية أخرى (حثية)، لأنه حيث توجد الخطية يوجد انقسام وانشقاق وتفريق، وحيث الفضيلة توجد الوحدة، إذ يقول: [حيث توجد الخطايا تكون العثرة والانفصال والهرطقات والخلافات؛ وحيث الفضيلة فهناك الوحدة والاتحاد، حيث يكون المؤمنون بقلب واحدٍ وروح واحدة. لنقل في صراحة إن أصل الشرور هو الكثرة وبداية الصلاح أن نحيا في وحدة... فتكون جسدًا واحدًا وروحًا واحدة. لكن إن كنا غير متحدين فنقول: أنا لبولس وأنا لأبولس وأنا لصفا... بجانب هذا نكون منقسمين ومنفصلين ولا نصل إلى موضع من جمعتهم الوحدة وكما أن الآب والابن واحد كذلك يكون واحدًا جميع الذين لهم روح واحدة.
لقد حذر القديس يوحنا الذهبي الفم كثيرًا من استخدام القسم، فمن كلماته: [إني مستعد اليوم لا أن أظهر دمار بيت أو أثنين أو ثلاثة بسبب القسم بل دمار مدينة بأسرها وشعب محبوب من الله كان يتمتع دائمًا بالكثير من الرعاية الإلهية وجنس هرب من مخاطر كثيرة، أورشليم نفسها، مدينة الله، التي كان بها الهيكل المقدس وكل الخدمة الإلهية، التي وجد فيها الأنبياء ونعمة الروح والتابوت ولوحا العهد والإناء الذهبي، والتي كانت الملائكة كثيرًا ما تفتقدها... قد هلكت فقط بسبب قسم].
ربما ظن بعض اليهود أن الله لا يسمع لهم لأنهم مستبعدون من مدينة الله، أورشليم، ومن هيكله. هنا يؤكد إرميا النبي أن الله يطلب القلب لا المكان. كانوا في الأرض المقدسة والمدينة المنسوبة له وهيكله الفريد في ذلك الحين ومع ذلك بسبب فساد قلوبهم لم يسمع لهم، والآن في أرض غريبة وثنية إذ يصرخون من كل القلب بالتوبة ينصت إليهم ليردهم.
المراسيم الخاصة بالعودة إلى أورشليم وإعادة بناء الهيكل وأورشليم:
صدرت ثلاثة مراسيم أو أوامر ملكية خاصة بالعودة إلى أورشليم وإعادة بناء الهيكل وأورشليم:
المرسوم الأول: أصدره كورش عام 538 ق.م أو 537 ق.م، بعد استيلائه على بابل (إش 44: 8؛ 45: 1؛ عز 1: 1-2؛ 2 أي 36: 22-23). بدأت العودة الأولى تحت قيادة زربابل، وبدأ ترميم المذبح وإعادة تنظيم العبادة، لكن قاومهم الأعداء. وفي عهد داريوس الأول بُحث عن مرسوم كورش وأمر الملك بالاستمرار في العمل (من سنة 520 إلى 515 ق.م). يليق بنا أن نلاحظ أن كورش أصدر أمرًا ببناء الهيكل فقط، لكنه لم يصدر أمرًا بتجديد مدينة أورشليم وبنائها. يقول دانيال النبي أنه من صدور الأمر بتجديد أورشليم وبنائها، وهو غير صدور الأمر ببناء الهيكل. فيوجد بين الأمرين فرق عظيم، فكورش رأى أن لا مانع من جواز مساعدة اليهود على بناء الهيكل سياسة منه، لكنه رأى أن مساعدتهم على بناء المدينة وإعادة حصونها خطر عليه. فبناء الهيكل يُعتبر نهاية مدة السبي وهي 70 سنة. وقد ذُكر في سفر (عز 1: 2-3) أمر الملك: "هكذا قال كورش ملك فارس: جميع ممالك الأرض دفعها ليّ الرب إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتًا في أورشليم التي في يهوذا. مَنْ منكم مِن كل شعبه ليكن إلهه معه ويصعد إلى أورشليم التي في يهوذا فيبني بيت الرب إله إسرائيل. هو الإله الذي في أورشليم". لم يذكر في هذا الأمر كلمة عن تجديد المدينة وبنائها.
المرسوم الثاني: أصدره الملك ارتحشستا الأول (464-424 ق.م.) عام 457 ق.م. وحمله عزرا الكاهن والكاتب (عز 8) بعد حوالي 80 عامًا من العودة الأولى. سمح المرسوم للراغبين من اليهود أن يعودوا إلى أورشليم (عز 7: 13)؛ وتنظيم القضاء وتطبيق شريعة موسى (عز 7: 7)، وترتيب الأمور المالية الخاصة بالهيكل (عز 7: 15، 20). كان اهتمام عزرا هو إعادة بناء الشعب نفسه أخلاقيًا وروحيًا (7: 9). لقد أُعطيَ الحق في تجديد بناء الهيكل وإقامة الأسوار، إذ قال: "لأننا عبيد نحن وفي عبوديتنا لم يتركنا إلهنا، بل بسط علينا رحمة أمام ملوك فارس ليُعطينا حياة لنرفع بيت إلهنا ونُقيم خرائبه وليعطينا حائطًا في يهوذا وفي أورشليم" (عز 9: 9). للأسف لم يُقدم التاريخ لنا شيئًا عما حدث من إصلاحات خاصة بالبناء، لكن واضح أن عزرا قام بالإصلاح الأخلاقي والروحي ولم يستطع القيام ببناء الأسوار ولا تجديد المدينة. هذا ما يظهر مما قاله فيما بعد حناني لنحميا: "هناك في البلاد هم في شرٍ عظيمٍ وعارٍ، وسور أورشليم منهدم، وأبوابها محروقة بالنار" (نح 1: 3). واضح من تصرف نحميا في نفس الأصحاح أنه لم يكن متوقعًا أن يكون حال أورشليم هكذا، ربما لأنه كان يتوقع أن عزرا ومن معه قاموا بتجديدات في المدينة وبناء الأسوار.
المرسوم الثالث: أصدره ارتحشستا الأول في نيسان من السنة العشرين لملكه (مارس/ إبريل 445 ق.م.)، حمله نحميا، ساقي الملك (نح 1: 11)، وقام نحميا ببناء سور أورشليم وبناء المدينة إذ يقول للملك: "إذا سُرّ الملك، وإذا أحسن عبدك أمامك ترسلني إلى يهوذا، إلى مدينة قبور آبائي فأبنيها" (نح 2: 5).





