القمص يوحنا نصيف
كنيستنا القبطية الأرثوذكسية تُسَمَّى "كنيسة الإسكندريّة"، وهي كما نَعلَم كنيسة عريقة أصيلة أسّسها القدّيس مار مرقس الإنجيلي، عندما حضر للكرازة في مصر، حوالي عام ٦٠م.
منذ ذلك الوقت، وكنيستنا الحبيبة تنمو وتزدَهِر بالرغم مِن كلّ التحدّيات الصعبة التي واجهتها.. وقد أخرجَت للعالم كلّه آباء ومعلمين وقادة عظام، استضاءوا بنور الكلمة الإلهيّة، ونشروا نور المسيح ومحبّته في كلّ العالم، وأيضًا تركوا لنا تُراثًا غنيًّا من التعاليم الروحيّة واللاهوتيّة النقيّة!
منذ شهورٍ قليلة، كنت أستمع لعظة قصيرة للصديق الجميل والأب الجليل المُطران روجيه أخرس مسؤول الدراسات اللاهوتيّة في الكنيسة السريانيّة الأُرثوذكسيّة الشقيقة. العظة كانت في حدود تسع دقائق فقط، مع أنّها كانت تتناول موضوعًا ليس بالسهل، وهو "معنى التجديف على الروح القدس".. هذا الموضوع الذي أفردَ له القدّيس أثناسيوس الرسولي رسالةً ضخمة لشرحِهِ، ذاكِرًا أيضًا تعليقات وتفاسير بعض الآباء الذين كانوا قبله.
في عظة المطران روجيه، شَرَحَ معنى التجديف على الروح القدس، من خلال آراء متنوِّعة لثلاثة آباء عِظام من القرون الآولى وهم: القدّيس مار أفرام السرياني (القرن الرابع)، والقدّيس ساويرس الأنطاكي (القرن السادس)، والقدّيس فيلوكسينوس أسقف مَنبُج بالشام (القرن السادس). وربّما نلاحظ أنّهم جميعًا من آباء كنيسته؛ الكنيسة السريانيّة الأُرثوذكسيّة.
أعتقد أنّ هذا أمرٌ طبيعيٌّ أن يستشهِد أحد معلّمي الكنيسة السريانيّة المعاصِرين بأقوال وشرح آباء قدّيسين من كنيسته السريانيّة، المشهود لهم بغزارة الإنتاج الروحي واللاهوتي.. وهكذا أيضًا نرى أنّ معلّمي الكنيسة الأنطاكيّة واليونانيّة المعاصرين يستشهِدون بأقوال وتعاليم آبائهم العظام؛ مثل القدّيسِين يوحنّا ذهبي الفم وباسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي وغريغوريوس النيصي، وبعد ذلك يستشهِدون بباقي الآباء المُعتَبَرين من الكنائس الشرقيّة الأُخرى.
الحقيقة أنّ عِظة المطران روجيه لَفَتَتْ نظري إلى الوضع الذي نحن فيه الآن بكنيستنا القبطيّة الأرثوذكسيّة؛ فنحن لدينا آباء عظام علّموا المسكونة كلّها، سواءً كانوا آباء مدرسة الإسكندريّة مثل كليمنضس وأوريجينوس وديديموس، أو آباء بطاركة علماء أفذاذ مثل ديونيسيوس وأثناسيوس الرسولي وكيرلّس الكبير.. ونشكر الله أنّ كتابات هؤلاء الآباء على غزارتها وتنوّعها قد تمّت ترجمة كمّيات كبيرة منها الآن إلى لغتنا العربيّة.
لذلك، فإنّه أحيانًا يُزعِجُني أن يتجاهل المعلّمون في كنائسنا الآن مِثل هذا التراث الثمين الذي لآباء كنيستنا -كنيسة الإسكندريّة- ويستشهدون مثلاً بتعليم القدّيس أغسطينوس، الذي -بصرف النظر عن محبّتي له شخصيًّا ولبعض تأملاته الجميلة- له أخطاء فادِحة في التعليم اللاهوتي سواء في شرح الثالوث، أو في موضوع وراثة الطبيعة الفاسِدة، أو في قضيّة سَبق التعيين للملكوت!
بالطبع من المهمّ لنا كمُعَلِّمين كنسيّين أن نقرأ لجميع الآباء، ونتعرّف على فكرهم، ونتفهّم بعض الآراء التي تبدو أحيانًا غير مألوفة أو غير مقبولة من معظم الآباء الآخَرين.. ولكن عندما نُعَلِّم على منبر الكنيسة، فأعتقد أنّ أولويّتنا في الشرح يجب أن تبدأ بتعاليم آباء كنيستنا العظيمة كنيسة الإسكندريّة، ثمّ يأتي شرح باقي الآباء الشرقيّين، اليونانيّين والسريان.. وبعد ذلك كلّه يمكن النَّظَر لتأملات بعض الآباء الغربيّين!
لا أنسى أبدًا ما قاله أحد رعاة الكنائس المُعاصِرين بأمريكا، عندما بدأ يَطَّلِعُ ويتعرّف على كتابات القديس كيرلّس السكندري، والتي كانت غير معروفة للعالم الغربي المعاصر، ولكن بدأت حركة ترجمة واسِعة لها في الثلاثين سنة الأخيرة، من اللغة اليونانيّة -التي كانت مدفونة فيها- إلى اللغة الإنجليزيّة الحديثة.. قال هذا الراعي ما معناه أنّه وَقَع على كنزٍ، ولذلك فإنّ جميع عظاته الأسبوعيّة الآن هي من كتابات القدّيس كيرلّس الغنيّة بالشرح الروحي واللاهوتي والعَمَلي.. فإذا كان بعض معلِّمِي الكنائس الغربيّة قد بدأوا يكتشِفون ويُقَدِّرون كتابات آباء كنيستنا، ويشربون من ينابيعها الغزيرة النقيّة، فكيف نُهمِلُها نحن؟!
من أجل هذا، ألتمس من آبائي وإخوتي المعلّمين في الكنيسة، سواءً من الإكليروس أو من الخُدّام والخادِمات، أن يضعوا في قلوبهم أنّ تعليم الكنيسة القبطيّة الأُرثوذكسيّة المُعاصِر ينبغي أن تُعطَى الأولوية فيه لِفِكر وتعاليم وشرح آبائنا القدّيسين، آباء كنيسة الإسكندريّة، قبل أيّ فكرٍ آخَر.. وأعتقد أنّ هذا هو الوضع الطبيعي لأبناء مُخلِصين لكنيستهم، ولآبائها الأوائل المُستنِيرين بالروح!
القمص يوحنا نصيف
نوفمبر 2025م





