القمص يوحنا نصيف
    + قد يقول البعض: كيف يمكنني أن أحتمل الظلم؟ المسيح قد أوصى بشيء مثل هذا، بمعنى أنّه ليس فقط أن يحتمِل المرءُ عندما يُظلَم، بل وأن يهَبَ الظالمَ خيراتٍ وفيرةً. ومِن خلال الرغبة في احتمال الظلم، سيتجاوز رغبة مجازاة الشرّ بالشرّ؛ أيّ أنّه لم يَقُل عن مَن يريد أن يَجُرَّك إلى المحاكِم: إن أراد أن يأخُذ ثوبك فأعطِهِ ثوبك، بل قال "مَن أرادَ أن يأخُذ ثوبك، فاترك له رداءك أيضًا". بمعنى اِهزِمه بتحمُّلك لظُلمِهِ، وليس بأن تظلمه. هذا هو الانتصار الواضح والمُبهِر. أمّا مَن لا يَحتمِل الظلم، فإنّه حتّى وإن قاد الظالم إلى المحكمة، وحتّى وإن انتصر، فيكون قد هُزِمَ هزيمةً ثقيلة!

    + إنّ الله لا يأمُر بقبول الظلم والتجربة، إن كانت مُفزِعة ومُخيفة. لكن لاحظ أنّ الظالم عادةً ما يَرحَل وهو يَحمِل ضميرًا شرّيرًا، وهو يمتلك أموالاً كثيرة، أمّا المظلوم فرغم أنّه محروم من المال، إلاّ أنّه له دالة أمام الله؛ الأمر الذي هو أفضل من كنوزٍ لا حصرَ لها. ونحن علينا أن نضع هذه الأمور في اعتبارنا، ونتناولها بحكمة وبإرادة حُرّة.

    + ما هو الانتصار المُشرِق؟ هذا الانتصار يتحقّق عندما تزدري بحقّك ولا تبحث عنه.. ربّما يقول أحدٌ: لقد نزعوا كلّ ممتلكاتي، وتوصيني بأن أصمت؟ لقد جعلوني في حالة ثورة وهياج، وتنصحني أن أحتمل برفقٍ؟ كيف يمكنني أن أفعل هذا؟ بالطبع يمكنك أن تفعل هذا وبكلّ سهولة، إن كُنتَ تتطلّع إلى السماء!
    + طالما ترفع نظرك نحو السماء، فلتكُن مُتأكِّدًا أنّك صِرتَ شبيهًا بالجالس فوق الشاروبيم. لأنّه كما هو معروفٌ أنّ المسيح له المجد أُهينَ أيضًا، ومع ذلك احتمل الاستهزاء ولم يَرُدّ. جُلِدَ ولم يُقاوِم. بل أنّ أعداءه الذين فعلوا كلّ هذه الأفعال المُشينة قد كافأهم بإحسانات لا حصرَ لها، وأوصانا أن نصير مثله، متشبّهين به.

    + تَفَكَّر بأنّك قد خرجتَ من بطن أمّك عريانًا، وسترحل عريانًا من هذا العالم، أنت ومَن ظلمَكَ.. لتَضَع في اعتبارِك أنّ الحياة الحاضِرة هي حياة مؤقّتة.. افحص الأحداث بهدوء، وسترى أنّ ذاك الذي ظلمَكَ، قد جعلكَ أكثر قوّة.. أمّا احتمالك فقد جعله أكثر ضَعفًا.. وليس هذا فقط، بل إنّه بسلوكه هذا، يكون قد خلّصَك من الاهتمامات الدنيويّة، ومِن القلق ومن الحسد والنميمة والضوضاء والاضطراب، والخوف المستمرّ وثقل الخطايا التي يجمعها هو فوق رأسِه.

    + ينبغي لنا أيّها الأحبّاء ألاّ نكون قليلي الإيمان ولا صِغار النفوس، لأنّ الذي وعَدَنا هو ملك الملوك، وقد وعدنا بخيرات وفيرة جدًّا، فكيف لا يُعطينا خيرات الحياة الحاضِرة؟ يجب ألاّ نشتهي الأمور الزائدة، بل ينبغي أن نكون مُكتَفين بما لدينا، وسنُصبِح دومًا أغنياء. لنطلُب القوت والكسوة فقط، وحينئذ سننال كلّ شيء، خيرات هذه الحياة الحاضرة وأكثر منها بكثير.

    + هل تريد أن تَعرِف كمّ الخيرات الذي ينتظرك؟ سيَفتحُ [الله] لكَ كلّ أبواب السماء، وسيجعلك شريكًا للقدّيسين في الوطن السمائي، ويُعِدّ لك مكانًا لكي تُشارِك في نفس الخورَس مع هؤلاء القدّيسين، ويُنقِّيك من الخطايا، ويتوّجك بالبرّ.

    + إذًا لا تتألّم من أجل الظلم، بل يجب أن تُصلِّي من أجل الذي ظلمك، لأنّ هذا تصنعه من أجل نفسك.. أي إن كنتَ تستطيع أن تصبر وتحتمل بنُبلٍ وشهامة، دون أن تتذمّر، فإنّك ستُتَوَّج بتاجٍ بهيّ. هذا ليس كلامي، بل اسمع المسيح له المجد حين يقول: "صلّوا لأجل الذين يُسيئون إليكم"، وتأمّل في المُكافأة: "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات". حتّى أنّك هكذا.. تكون قد نلتَ كلّ شيء، ولم تُظلَم، بل تكون قد تُوِّجتَ؛ طالما أنّ نفسك قد صارت أكثرَ حكمةً، وصِرتَ متمثِّلاً بالله، وتحرّرتَ من الاهتمام بالمال، ونلتَ ملكوت السموات.

 [عن تفسير رسالة كورنثوس الأولى للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم (عظة 16) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور سعيد حكيم يعقوب]

القمص يوحنا نصيف
نوفمبر 2025م