بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أولا الشهـيد بروكوبـيوس القيصرى :
في السنة التاسعة عشر من حكم دقلديانوس في شهر أبريل، نحو عيد آلام مخلصنا، بينما كان فلافيانوس والياً على إقليم الاراضى المقدسة، ظهر بروكوبيوس الذي يعتبر أول شهداء الاراضى المقدسة في الإضطهاد الذي أثاره دقلديانوس، وقد ولد هذا الشهيد في أورشليم في أوائل القرن الثالث، وإذ كان ناسكاً تقياً غادر أورشليم واقام في مدينة ثيوبولس على شاطئ نهر الأردن وكرس نفسه شماساً في خدمة كنيسته، وفي نفس الوقت أُذيعت رسائل في كل مكان تأمر بهدم الكنائس حتى الأساس وإحراق الكتب المقدسة بالنار، وعزل كل الموظفين، وحرمان خدام البيت من الحرية، إن أصروا على الإعتراف بالمسيحية.
هكذا كانت قوة الأمر الأول الصادر ضد المسيحيين، على أن رسائل أخرى صدرت بعد ذلك بقليل تأمر بأن يزج في السجن جميع أساقفة الكنائس في كل مكان، وبعد ذلك تستخدم كل حيلة لإلزامهم بالذبح للأوثان، وقد قبض الوالي فلافيانوس على القديس بروكوبيوس الذي قبل أن يسجن صرح حال ظهوره أمام محكمة الوالي بأنه لا يعرف إلا واحداً يقدم له الذبائح، وذلك عندما أمر بأن يذبح للآلهة المزعومة، وعندما أمر بتقديم سكيب للأباطرة الأربعة نطق بعبارة أغضبتهم فقطعت رأسه في الحال.
وكانت العبارة مقتبسة من الشاعر القائل:
حكم الكثيرين ليس بصالح فليكن هناك حاكم واحد وملك واحد
ويقصد بذلك المقارنة بين حكم الألهة المتعددة وحكم السيد المسيح.
وفي منتصف شهر يونية واليوم السابع من الأسبوع، حينما قدم هذا المثال الأول في قيصرية الاراضى المقدسة، بعد ذلك تحمل كثيرون من رؤساء كنائس المملكة في نفس المدينة أهوالاً كثيرة، وقدموا للناظرين مثلاً في النضال النبيل، ولكن غيرهم خارت نفوسهم رعباً، وضعفوا لأول وهلة، أما الآخرون فقد تحمل كل واحد أنواعاً مختلفة من التعذيب، كالجلدات بلا عدد، وكشط الجلد، وتمزيق الجنب، والقيود غير المحتملة التي بسببها خلعت أيدي البعض..
ثانيا الشهيد بروكوبيوس الأورشليمي:
ولد في مدينة أورشليم من أب مسيحي يدعى خرستوفورس أي اللابس المسيح، وأم اسمها ثاؤدوسية، كانت تعبد الأصنام، ولما توفي والده أخذت ثاؤدوسية ابنها وذهبت إلى أنطاكية، وقدمت هدايا فاخرة إلى الملك دقلديانوس، وطلبت منه أن يقلد ولدها ولاية إحدى المدن، فقبل هديتها وأجاب طلبتها، وعين ولدها والياً على الاسكندرية، وأوصاه بتعذيب المسيحيين، وأعطاه أمراً بذلك، فلما ابتعد قليلاً عن أنطاكية، سمع صوتاً من العلاء يناديه باسمه، ويذم فعله ويتهدده بالموت لأنه تجاسر وقبل أن يعمل ما يخالف أمر اللـه، قال له: " من أنت يا سيدي، أسألك أن تريني ذاتك "، فظهر له صليب من نو ، وسمع صوتاً يقول له: " أنا يسوع ابن اللـه المصلوب بأورشليم "، فخاف جداً وإرتعب وعاد إلى بيت شأن، وعمل له صليباً من ذهب على مثال الصليب الذي ظهر له.
وحدث له وهو في طريقه إلى الاسكندرية أن هجم عليه بعض العرب لسلب ما لديه، فتغلب عليهم بالصليب الذي معه، وعندئذٍ قالت له أمه: " الأن يجب عليك أن تقدم الضحية للآلهة التي نصرتك على أعدائك "، فأجابها : " أنما أقدم الضحية ليسوع المسيح الذي عضدني بقوة صليبه "، فلما سمعت منه هذا الكلام غضبت، وأرسلت إلى دقلديانوس تعلمه بذلك، فأرسل إلى والي قيصرية الاراضى المقدسة أن يتحقق هذا الأمر ويتولى تعذيبه، فلما استحضره الوالي وأعترف بالمسيح ضربه ضرباً موجعاً حتى أشرف على الموت ثم زجه في السجن، فظهر له السيد المسيح محاطاً بملائكته ثم حله من وثاقه وشفاه من جراحه، وفي الصباح سأل عنه الوالي فقيل له أنهم وجدوه مفكوكاً سليماً، فإستحضره إلى بيت الأصنام حيث كان قاصداً إلى هناك ليصلي، فلما حضر القديس رآه الجميع صحيحاً، تعجبوا كلهم ونادوا باسم المسيح قائلين: " نحن مسيحيون مؤمنون بإله بروكوبيوس"، وكان بينهم أميران واثنتا عشرة امرأة وثاؤدوسية أمه، فضربت أعناقهم جميعاً ونالوا إكليل الشهادة، وكان ذلك في اليوم السادس من شهر أبيب، وأمر الوالي بإعادة القديس إلى السجن، لينظر في أمره، وبعد ثلاثة أيام إستحضره وقال له: " أنا أبقيتك هذه المرة لترجع إلى عقلك وترحم ذاتك وتقدم الضحية للآلهة "، فأجابه القديس: " أن السيد المسيح هو وحده الإله الحقيقي، أما هذه التماثيل المصنوعة من الحجارة والأخشاب، فليست آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع "، فغضب الأمير وأمر أن يشق جنباه بالسيف، فمد سياف اسمه ارشيلاؤس يده بالسيف، فيبست للحال وسقط ميتاً، فأمر الوالي بطعنه بالسكاكين ووضع الخل في مكان الطعنات، ثم سحبوه من رجليه إلى السجن، فمكث فيه ثلاثة أيام، والأمير حائر في أمر تعذيبه، ثم ألقاه في حفرة بها نار، فنجاه الرب ولم ينله أذى، وأخيراً أمر الأمير بقطع رأسه فنال إكليل الشهادة يوم 8 يوليو سنة 303 م.





