القمص يوحنا نصيف
حاول الربّ يسوع المسيح كثيرًا مع رؤساء كهنة اليهود والكتبة والفرّيسيّين، لكي يتوبوا ويَقبَلوا بتواضُع ملكوت الله، ولكنّ كرامتهم ومصالحهم الأرضيّة كانت دائمًا تقف كحجر عثرة في طريق إيمانهم بالمسيح، بل وتجعلهم يرفضونه، ويسعون لإلصاق أيّ تُهمة به، حتّى يستطيعوا أن يحاكموه ويقتلوه، وبالتالي يتخلّصوا منه بشكل نهائي، إذ وجدوه خطَرًا على نفوذهم.. ولم يُدرِكوا أنّهم بهذا ينتحِرون ويَطعنون قلبهم طعناتٍ قاتلة؛ فالمسيح هو قلبهم الذي أتى إليهم لكي يمدّهم بالحياة، ولكنّهم إذ رفضوا الحياة، فقد حكموا على أنفسِهم بالموت.
من جهةٍ أخرى، فإنّ مخلّصنا الصالح، عندما وجد هؤلاء الفرّيسيّين في هذه الحالة الرافِضة المُستَعصية، اهتمّ بالشعب البسيط الذي كان يسمعهم ويسير وراء تعاليمهم الفاسِدة، لكي يحميهم من ضلالاتهم، وينير لهم الطريق إلى الملكوت.. ويُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذا فيقول:
+ إنّ رؤساء اليهود لم يُراعوا الحقّ على الإطلاق، وإذا أراد أحدٌ أن يَعرِف ما هو سبب كرههم الفظيع للتعلُّم؟ فليسمع السبب مِنّي: إنّه تصميمهم عن ألاّ يتخلّوا عن محبّة المديح المغروسة فيهم، ولا أن يهجُروا شهوتهم الملعونة للربح.
+ المخلِّص نفسه وبّخهم مرّةً بقولِه: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه" (يو5: 44). لقد كان من واجبهم أن يطلبوا المجد الذي من الله، لا المجد الذي من الناس، لأنّ مجد الناس وقتيٌّ ويتلاشى مثل الحلم.
+ لذلك فللفائدة، من أجل أن يحفَظ جماعة التلاميذ القدّيسين أنقياء من مثل هذه الأخطاء الشائنة، فإنّه يَشهَد لهم قائلاً: "احذروا من الكتَبة والفرّيسيّين" أي لا تُعَرِّضوا أنفسَكم لأن تكونوا فريسة لرذائلهم، ولا أن تكونوا شركاءهم في استخفافهم بالله.
+ فماذا كانت عاداتهم؟ لقد كانوا يسيرون في الطُّرُق وهُم متزيّنون حسنًا، ويَجلِبون لأنفسِهم كرامةً طنّانة، حتّى ينالوا مديح أولئك الذين ينظرونهم. وبينما هُم اشرار وقلبهم ممتلئ من عدم الاستقامة، فإنّهم يَنسِبون لأنفسِهم -كذبًا- سُمعة التقوَى والأخلاق الحسَنة، التي لا وجود لها في الواقع.
+ إنّهم يجتهِدون أن يُطِيلوا صلواتهم بكلماتٍ كثيرة، مُفتَرِضين أنّه ربّما لو لم يَستَعمِلوا كلماتٍ كثيرةً فإنّ الله لم يَعلَم ما هي طلباتِهم! وأمّا مُخَلِّص الجميع فإنّه لم يَسمَح للذين يعبدونه أن يفعلوا مثل ذلك، فيقول: "حينما تُصَلُّون لا تُكَرِّروا الكلام باطلاً كالأمم، لأنّهم يَظُنُّون أنّه بكثرة كلامهم يُستَجَاب لهم" (مت6: 7).
+ إنّ الله أوصاهم أن يكونوا متواضِعين غير مُحِبِّين للافتخار، وأن لا يعطوا أيّ اعتبار لحُبّ المجد الباطِل، ولكن أن يَطلبوا بالأحرى الكرامة التي تأتي من فوق من الله. وبهذا فإنّه يُوْدِع فيهم معرفة سرّه؛ وهكذا فإنّه يُجَهِّز الذين سوف يُرشِدون الآخَرين لأن يحوزوا معرفةً صحيحة وبلا لوم للتعاليم المقدّسة.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 137) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





