بقلم الأب يسطس الأورشليمى
كان هناك شاب من خدم بمفليوس تربى في الحياة الفضلى التي هذبه فيها يده، صرخ وسط زحام الجمع طالباً دفن أجسادهم، وللحال برهن الوالي على أنه لم يكن إنساناً بل وحشاً أو أشد وحشية من الوحش ولم يراعي سن الشاب، أله نفس السؤال ولما رأى أنه قد اعترف بأنه مسيحي ثار ثورة عنيفة كأنه قد جرح بسهم حاد، وأمر المعذبين بإستعمال أقصى قوتهم معه، ولما راى أنه رفض الذبح للأوثان كما أمر أمرهم بكشط جلده بصفة مستمرة حتى يصلوا على العظم والأحشاء، كأنه لم يكن لحماً بشرياً بل حجارة أو خشباً أو أي شيء عديم الحياة، وبعد فترة أدرك أن كل هذا ليس بذا فائدة معه لأن الرجل فقد النطق والشعور أصبح جسده منهوك القوى بسبب التعذيب أمر بوضعه في نار بطيئة ففارقت روحه الجسد قبل موت سيده الأرضي، أما بروفيروى فقد خرج ظافراً من كل تلك الألام وكانت طلعته للموت بكل شجاعة نادرة وثبات عجيب حتى وهو مشدود على الخشبة، فقام الوالي بإشعال النيران حوله حتى صار يستنشق اللهب في فمه ولكنه ظل صامتاً حتى مات بعد أن طلب المعونة من رب المجد.

الشهيد سلوكس :
قام هذا الرجل بعمل بسيط ولكن أعتبره الحاكم عملاً يستحق العقاب ألا وهو نقل أنباء موت الشهيد بروفيرى خادم القديس بمفليوس إلى الشهيد بمفليوس وأعتبره الحاكم مستحقاً لنفس المصير، وقاده الجنود إلى الحاكم الذي أمر بموته في الحال، وكان هذا الشهيد من كبادوكية تميز بالقوة البدنية والشجاعة النادرة وكان ذا حظ وافر في هذه النواحي بسبب حجمه وتناسق جسمه وكان كل اهتمامه أن يقوم بمساعدة المتألمين والفقراء والأيتام والأرامل اللواتي لا سند لهم كأنه ولي أمرهم ولهذا السبب عد خليقاً بالدعوة إلى الإستشهاد التي وجههن إليه من اللـه الذي يسر بمثل هذه الأمور أكثر من الذبائح، وما أن قبض عليه الوالي حتى شرع في تعذيبه بأقسى أنواع العذاب ومنها الجلد الشديد وكان هذا القديس هو العاشر من الشهداء الذين أنهوا حياتهم في يوم واحد ليدخلوا إلى ملكوت السموات.

الشهيد ثيودولوس :
كان هذا القديس شيخ وقور تقي وكان أحد خدام الوالي إحترمه فرمليانوس أكثر من كل من في بيته بسبب تقدمه في السن, ولأنه كان أباً للجيل الثالث وأيضا بسبب الرقة واللطف والأمانة التي أظهرها نحوه، إذ أقتفى أثر الشهيد سلوكس غضب عليه أكثر من أي شحص آخر، فحكم عليه بإلإستشهاد على الصليب كالمخلص.

الشهيد يوليانوس : 
وإذ كان عدد الشهداء السابقين ينقص واحد ليكملوا اثنى عشرة جاء يوليانوس لتكملتهم وكان قد وصل مباشرة من الخارج، وكان من مدينة كبادوكية وفي سلوكه حريصاً أمينا مخلصاً غيوراً في كل النواحي منقاداً بالروح القدس نفسه، ولم يكد يدخل من باب لمدينة حتى سمع بالشهداء وهو لايزال في الطريق, فأندفع في الحال لرؤياهم، ولما رأى أجساد القديسين على الأرض عانقها وقبلها جميعهاً، وكان ممتلئ فرحاً، أما سافكي الدماء فقد ألقوا القبض عليه في الحال وهو يفعل هذا, ثم أستاقوه إلى فرمليانوس، وحكم عليه كعادته بالموت بالنار البطيئة، وعلى أثر هذا قفز يوليانوس فرحاً، بصوت مرتفع شاكر الرب أنه حسب أهلاً لمثل هذه الأمور ونال اكليل الشهادة.

وبأمر الحاكم الفاجر تركت أجسادهم الطاهرة المباركة طعاماً للوحوش مدة أربعة أيام وأربعة ليالي، والغريب أنه بعناية خاصة من اللـه لم يقترب إليها شيئاً لا وحوش ضارية ولا طيور جارحة, ولا كلاب, لذا رفعت سليمة ودفنت بالإكرام اللائق، هذه هي الجماعة التي حسبت خليقة بالإستشهاد مع بمفليوس.

الشهيدان أدريانوس ويوبوليس : 
وبعد أن أنتشرت أخبار إستشهاد هؤلاء الأبطال حضر اثنان من مملكة منجانيا إلى قيصرية لرؤية المعترفين الباقين فسئل أيضا في باب المدينة عن سبب مجيئهما، وإذ اعترفا بالحق قدما أمام الوالي فرمليانوس الذي عذبهما عذاباً شديداً بدون إبطاء في جنبيهما، ثم حكم عليهما بالطرح للوحوش وقدما بعد يومان في يوم ميلاد الإله الحارس لقيصرية إذ جرت العادة أن تقام إحتفالات بهذه المناسبة وتتم فيها مصارعة الوحوش، غير أن ما حدث هو أن هذين الشهيدان قدما طعاماً للوحوش طرح أولاً أدريانوس للأسد وإذ لم يقضى عليه أمر الوالي بقتله بالسيف فيما بعد، وبعد يومان قدم يوبوليس هو الأخر للوحوش، وذلك بعد أن رفض أن يقدم الذبائح للأوثان ليتمتع بالحرية المزعومة، ففضل الموت الشريف من أجل الإيمان على الحياة الزائلة فكان أخر الشهداء في قيصرية.

ومن المناسب أيضا أن نروي كيف أن غضب السماء حل في وقت وجيز على الولاة الفجار, وكذلك على الطغاة أنفسهم لأن فرمليانوس هذا نفسه الذي أساء إلى شهداء المسيح قتل بالسيف بعد أن عانى أقسى عذاب مع الجلادين الآخرين.

ثلاث شهــداء وعــذراء :
لم تضعف الآلام من عزيمة الشهداء فهم قد ماتوا عن الشهوات قبل موتهم عن العالم ولذلك أنضم ثلاثة من المؤمنين معاً وأندفعوا نحو الحاكم وهو يذبح للأوثان وصرخوا إليه ليكف عن ضلالته، مبينين له أنه لا إله آخر سوى بارئ وخالق الكون، ولما سألهم عن شخصيتهم أجابوا بشجاعة بأنهم مسيحيون.
فاشتد غضب فرمليانوس وحكم عليهم في الحال بالإعدام دون توقيع أي تعذيب، كان اسم الأكبر أنطونينوس، والثانى زبيناس وكان من أهل اليوثيروبوليس، والثالث جرمانوس، وقد حدث هذا في منتصف نوفمبر.

وكان مرافقاً لهم في نفس اليوم أناثاس، وهي امرأة من سيثوبوليس تحلت بإكليل العذراوية، صحيح أنها لم تفعل ما فعلوه ولكنهم جروها عنفاً وقدموها للقاضي, فجلدت وأهينت بقسوة بمعرفة مكسيس والي الإقليم المجاور، وقد تجرأ على إرتكاب كل هذا دون علم السلطات العليا، وهذا كان رجلاً أشر من سلفه، سفاك دماء، في منتهى القسوة، مذموماً من كل معارفه، هذا الرجل جرد المرأة الفاضلة من كل ملابسها، حتى أنها لم تتغط إلا من حقويها حتى قدميها، أما باقي جسمها فكان عارياً، ثم قادها في كل مدينة قيصرية، وأعتبره أمراً عجيباً أن يضربها بالكرابيج وهم يجرونها في الأسواق.

وبعد هذه المعاملة أظهرت منتهى الثبات لما مثلت أمام كرسي الحاكم نفسه.  وحكم عليها القاضي بالحرق حية، ثم أنه أيضا تمادى في ثورة غضبه إلى أقسى حد، وتعدى نواميس الطبيعة، إذ لم يخجل من منع دفن جثث القديسين المجردة من الحياة.