بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقول يوسابيوس القيصرى : أُذيعت في كل مكان بكل مقاطعة رسائل من مكسيمينوس ضدنا، وقد حث الولاة والقائد الحربي القضاة والموظفين في كل المدن – بأوامر ورسائل ومنشورات عامة – لكي ينفذوا أمر الإمبراطور القاضي أن يعاد بناء مذابح الأوثان على جناح السرعة، وأن يقدم الجميع الرجال والنساء والأولاد، حتى الأطفال الرضع، الذبائح والسكائب، وأنه يجب بذل كل جهد وعناية لدفعهم إلى أن يتذوقوا التقدمات الكريهة، وأن ما يباع في السوق يجب أن يدنس بسكائب الذبائح، وأن يقف الحراس أمام الحمامات ليدنسوا بالذبائح الكريهة كل من يدخلون للاغتسال في الحمامات ولما بدئ بتنفيذ هذه الأوامر تضايق المسيحيون جداً في بدء الأمر بطبيعة الحال، وحتى الوثنيون غير المؤمنين استاءوا جداً من قسوة وسخافة تلك الإجراءات التي بدت في أنظارهم متطرفة وعبئاً ثقيلاً.
وهكذا أمر بترك الموتى في العراء طعاماً للوحوش وحراستهم نهاراً وليلاً، وظل عدد كبير من الرجال يحرصون على مراقبة تنفيذ هذه الأوامر الوحشية الهمجية أياماً طويلة، وكانوا يتطلعون من أماكن مراقبتهم للتأكد من أن الأجساد لم تسرق، كان هذا أمر حري بالاهتمام، وصارت الوحوش والكلاب والطيور الجارحة تنثر الأشلاء هنا وهناك، وأصبحت المدينة كلها مليئة بالأحشاء والعظام البشرية.
فلم يظهر شئ آخر قط أشد رعباً وهولاً حتى في أعين الذين أبغضوا المسيحيين سابقاً، ولو أنهم لم يرثوا لحال الذين ارتكبت ضدهم هذه الأهوال بقدر ما تألموا للتنكيل بسبب الثورة ضدهم شخصياً وضد شركائهم في الطبيعة البشرية، فقد كانت ترى بجانب الأبواب مناظر يجل عنها كل وصف، لأن لحوم البشر لم تلتهم في مكان واحد فحسب، بل كانت تتناثر في كل مكان، حتى قال البعض أن الأشلاء وكتل لحمية وبعض أجزاء من الأحشاء كانت ترى حتى داخل البوابات.
وبعد أن استمرت هذه الأمور أياماً عدة حدث حادث عجيب، كان الجو صافياً براقاً، ومنظر السماء رائقاً جداً، وإذ بنقط ماء كثيرة تسقط كالدموع فجأة من الأعمدة التي تستند عليها الأقبية العامة وذلك في كل أرجاء المدينة، وأبتلت الأسواق والشوارع، وبالرغم من عدم وجود ضباب في الجو، برذاذ من الماء لست أعلم من أين جاء، عندئذٍ قيل في الحال في مكان أن الأرض لم تحتمل هذه القبائح فسكبت الدموع بكيفية سرية، وأن الحجارة والأخشاب عديمة الحياة بكت بسبب ما حدث، وذلك توبيخاً لطبيعة الناس عديمة الإحساس التي لم تعرف سبيلاً للرحمة، وأنا أعلم جيداً أن هذه الرواية قد تبدو خرافية في نظر من يأتي بعدنا، ولكنها ليست كذلك في نظر الذين تأيد لهم الحق في ذات الوقت.
وفي الحادي عشر من ديسمبر، ألقى القبض ثانية على بعض أشخاص من مصر بمعرفة من كانوا يفحصون كل من يجتاز الأبواب، وكانوا قد أرسلوا لخدمة المعترفين في كيليكية، فحكم عليهم بنفس الحكم الصادر ضد من أرسلوا لخدمتهم، إذ شوهوا في عيونهم وأقدامهم، وقد أظهر ثلاثة منهم في أشقلون، حيث سجنوا، واظهروا شجاعة عجيبة جداً في تحمّل أنواع العذابات المختلفة، حكم على أحدهم - واسمه ارس - بالطرح في النار، وقطعت رأسا الباقيين، وأسمهما بروبس والياس.
جمع الولاة عدداً عظيماً من المعترفين وأتوا بهم إلى منجم النحاس في الاراضى المقدسة وكان من بينهم بيليوس ونيليوس وهما أسقفان مصريان وكانا يتصرفان بجراة عظيمة حتى أنهم بنوا أماكن للعبادة، وكان حاكم الإقليم رجلاً شريراً قاسيا في تصرفاته مع الشهداء والمعترفين ولذلك لما أتيا إلى هناك وعلم بما فعله الأسقفان نقلها إلى الإمبراطور وكتب معها سيل من الأتهامات، ولأنه كان قد عين مشرفا على المنجم قسم جماعة المعترفين كما لو كان بأمر ملكي وأرسل البعض للإقامة في قبرص والبعض في لبنان وشتت آخرين في أنحاء مختلفه في الاراضى المقدسة، وأمرهم بالعمل في أعمال مختلفه.
وأختار الأربعه الذين بدا له أنهم هم القاده، وأرسلهم الي قائد الجيوش في ذلك الاقليم، وهؤلا الأربعه هم بيليوس ونيليوس وهم الأسقفان مصريان، ثم قس، وشخص آخر يدعي بترموثيوس، كان معروف بغيرته نحو الجميع، فأمرهم قائد الجيش بإنكار الإيمان، ولما رفضوا حكم عليهم بالموت حرقا.
بطرس الناسك :
وفي اليوم الثامن والعشرين من ديسمبر، وفي نفس مدينة قيصرية، قدم بطرس الناسك الملقب أبشالوم برهاناً بالنار على إيمانه بمسيح اللـه، وكان بطرس هذا من مدينة أنيا على حدود اليوثيروبوليس، وكان كالذهب الخالص، وبالرغم من أن القاضي ومن حوله رجوه مراراً أن يشفق على نفسه وينجي شبابه، فأنه لم يبال بهم مفضلاً الرجاء في إله الكون على كل شئ، بل على الحياة نفسها، وفي نفس الوقت كان هنالك شخص اسمه اسكلبيوس، يزعم أنه أسقف من شيعة مركيون، ويعتقد أنه غيور على المسيحية "ولكن ليس حسب المعرفة" وهذا ختم حياته حرقاً بنفس الطريقة، هذا ما كان من هذه الأمور التي تمت على هذا النحو.
بمفيلوس البيروتي :
بناء على المرسوم الخامس الذي أصدره مكسيمينوس دازا، قبض أوريانوس حاكم قيصرية على بمفيلوس سنة 307، ذلك الرجل الذي كان حسبما رأى أوسابيوس صديقه الحميم وتلميذه، من أكبر علماء الكتاب المقدس… ، نشأ مواطناً في بيروت من أسرة شريفة، وتلقى العلم في معاهدها الوثنية، ونبذ الثراء والشهرة العالمية، وأنكب على الدراسات الدينية المسيحية ، كان يسلك في حياته مسلكاً نسكياً، فباع كل ما آل إليه، ومنحه للفقراء، ثم رحل إلى الإسكندرية حيث تتلمذ على بيريوس Pierius، مدير مدرستها اللاهوتية وهو رابع خلفاء أوريجانوس في إدارة هذه المدرسة، ثم هجرها على نحو ما فعله أوريجانوس من قبل، إلى قيصرية عاصمة الاراضى المقدسة حيث سيم قساً، وهناك نصب نفسه لتكملة عمل أوريجانوس، لا في تعليم الطلاب الذين اختلفوا إليه فحسب، بل في مقارنة نصوص الإنجيل، فجمع في بيته مكتبة ضخمة، جمع كتبها من أماكن كثيرة في العالم، ثم حوكم أمام الوالي أوربانوس، فأظهر فصاحته وسعة اطلاعه الفلسفي، وإذ رفض تقديم القرابين للآلهة، وقعت عليه تعذيبات مبرحة، وأودع السجن، وكان غاصاً بالمعترفين المسيحيين، بقي بمفيلوس في سجنه سنتين كاملتين، لم يضيعهما سدى، بل ألف مع أوسابيوس المؤرخ الكنسي، كتاباً من ستة أجزاء، دفاعاً عن أوريجانوس، وجهه إلى المعترفين الذي كانوا يعملون في مناجم النحاس بالاراضى المقدسة.
ثم حوكم أمام والى آخر يدعى فرميليأنوس خلف أوربانوس في الولاية، وبعد أن علم أنه ورفاقه مروا بمراحل تعذيب متعددة، أحس بأن محاولة إكراههم على الإرتداد عن المسيحية أنما هي مضيعة للوقت، وأكتفى بسؤالهم، ما إذا كانوا يميلون إلى التقريب للآلهة، ولما رفضوا أصدر حكمه عليهم بقطع رؤوسهم.
وقد أعدم مع بمفيلوس أحد عشر شخصاً آخر، وأمر فرميليانوس بترك جثث هؤلاء الشهداء أربعة أيام بلياليها للوحوش والطيور الجارحة، ومع ذلك لم يقربها طير ولا وحش، وفي اليوم الخامس نقلها المسيحيون، ودفنوها بإجلال في الكنيسة، وكان ذلك سنة 309.





