القمص يوحنا نصيف
    احتفلنا في الأسبوع الماضي بعيد نياحة القدّيس غريغوريوس العجائبي (213 – 270م)، أسقف قيصريّة الجديدة بآسيا الصغرى التي هي تركيا حاليًا. وهو الذي قيل عنه أنّه عندما استلم الأسقفيّة كان عدد المسيحيّين في مدينته 17 شخصًا فقط، ولكن بسبب خدمته وكرازته الأمينة كان الباقون وقت نياحته من غير المؤمنين 17 شخصًا!

    هذا القدّيس عَرفَ المسيح على يد العلّامة أوريجينوس في قيصريّة فلسطين، وغالبًا نال صبغة المعموديّة المقدّسة على يديه، وتمتّع بالتلمذة اللصيقة له عِدّة سنوات؛ لذلك فإنّ شهادته عن المعلّم العظيم أوريجينوس لها قيمة كُبرى، إذ أنّه رآه وسمعه بنفسه. وليس مثل آخَرين يحاوِلون التطاوُل على أوريجينوس، وهُم لم يروه، وبعضهم لم يقرأ كتابًا واحِدًا كامِلاً له. بل أنّنا من خلال تعليم القدّيس غريغوريوس وكتاباته نستطيع التلامُس مع روح وفِكر أوريجينوس أيضًا، إذ أنّ غريغوريوس شَرِبَ من روحه ومِن أسلوبه البديع في شرح الكتاب المقدّس.

    يقول الباحثون أنّ القدّيس غريغوريوس العجائبي هو أصدَق مَن تكلّم عن مُعَلِّم الكنيسة أوريجينوس، وأنّ كلّ مَن يَدَّعِي معرفة أوريجينوس ولم يقرأ كتاباته كلّها، ليس سوى متهوِّر وقاسٍ.. وأنّه لو لم يَكُن أوريجينوس قدّيسًا، لَمَا أمكنه أن يَصنَع من غريغوريوس قِدِّيسًا عجائبيًّا!

    بنعمة المسيح أحاول في هذين المقالين تقديم بعض المقتطفات من رسالة طويلة كتبها القدّيس غريغوريوس الصانع العجائب كخطاب شُكر أو حديث عام شامِل عن مُعلِّمه أوريجينوس، مع فقرة صغيرة من رسالة المُعلِّم أوريجينوس التي ردّ فيها على خطاب غريغوريوس:

    + أنوِي التحدُّث عن رَجُل يبدو في الظاهِر رَجُلاً، أمّا هو فبعيون القادرين على تقدير ذاك السموّ الذي ارتقَت إليه نفسُه، قد تجاوَز الحالة البشريّة، مُتَخَطِّيًا إيّاها إلى حالةٍ أفضل في ارتقائه نحو التألُّه.

    + سأذكُر ما هو سامٍ في هذا الرجل، وما هو قريب من الألوهة.. وسأحاوِل خصوصًا أن أشكر العناية الإلهيّة التي منحتني نعمة الالتقاء بهذا الرجُل. لم أكُن لأتصوَّر أبدًا أن أُحرَم مِن امتيازٍ كبير كهذا.

    + إنّي أعتَبِر نُكران الجميل شرًّا فظيعًا وشنيعًا ومُخِيفًا للغاية. فَمَن لا يجتَهِد بعد حصولِه على إحسانٍ ما، مُبادلته بالمثل، إن كان يستطيع، عليه على الأقل أن يُقَدِّم الشكرَ شفويًّا، وإلاّ فهو يتصرّف كرجُلٍ أبله وعديم الحِّسّ والضمير.

    + هكذا قد كُتِبَ في الكتب المقدّسة، عن تلك السيّدة المتواضِعة والمُعدَمَة، التي توسَّطَت أثرياء الرجال وذوي النفوذ، بينما كانوا يُقَدِّمون تقدمات ثمينة وذات أهمِّيَّة وِفقًا لثرواتهم. أمّا هي فكانت الوحيدة بينهم التي قدّمَت هِبة في غاية التواضُع. إلاّ أنّ هِبتها تناسَبَت مع كلّ ما تملك، وبالتالي فقد اعتُرِفَ لها بأنّها أعطَت الأكثر. أعتقد أنّ الكلمة الإلهي، لم يُقَدِّر بهاء وعظمة الِهبة المادّيّة الخارجيّة، بل بالأحرى النيّة والحسّ اللذَين تَحَلَّى بهما التبرُّع.

    + أريد لحديثي هذا أن يكون تعبيرًا عن عِرفان الجَميل تجاه هذا الرجل القدّيس أكثر مِن أيّ أناسٍ آخَرين.. إنّه ملاك الربّ القدّيس.. هذا الملاك الذي كان يُهَذِّبُني بأسلوبه، ويعتني بي جيِّدًا في كافّة الظروف، وبدون استثناء.. وكما في الماضي، الآن أيضًا يُرَبِّيني ويُعَلِّمني ويُرافقني.. هذا الرجُل الذي لم تَكُن تربطني به أيّ قرابة دمويّة أو ذات نسل، ولم يكُن منزله قريبًا من منزلي، ولم يكُن من جيراني، ولا ينتمي لأهالي بلدتي.

    + بالنسبة للرجُل القدّيس الحاضِر هُنا [يقصد أوريجينوس]، فقد دفعته ظروفٌ من مصر، من مدينة الإسكندريّة حيث كان يسكُن.. وقادته إلى هذا المكان ليلتقي بِنا. أنا نفسي لا أعرف أن أشرح أسباب هذه الوقائع، وسأتركها جانبًا..

    + استقبلَنا هذا الرجُلُ منذ اليوم الأوّل.. وللمرّة الأولَى تُشرق لي شمس الحقيقة.. استخدَمَ كلّ وسيلة ليُقرِّبنا منه. فكان يتحدّث بمختلَف الأحاديث ويشرح.. واضِعًا كلّ إمكانيّاته في الخدمة.

(يُتَّبَع)

[المرجع: كتاب خطاب إلى المُعَلِّم أوريجينوس – تأليف أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس العجائبي – نقلَه إلى العربيّة مكاريوس جبّور وناتاشا يازجي – منشورات النور 2000م]
القمص يوحنا نصيف