القمص يوحنا نصيف
+ مُنذُ اليوم الأوّل صُعِقنا بحديثه الذي احتوى من النعمةِ أعذبَهَا، ومن الإقناع قوّة إلزامِهِ.. أبقانا بقُربِه -لا أعرف كيف- من خلال كلماته وبِفِعل قوّة إلهيّة. وها قد أصابَنا بلدغة الصداقة القاطِعة والمُختَرِقة، التي يصعُب نزعها. إنّها لدغةُ لُطفِهِ وتدابيره الحَسَنة، وكلّ العطف الذي كان يَظهَر في كلماته عند تواجده معنا وتوجيهه الحديث معنا. لم يُحاوِل قطّ خداعَنا بأحاديثه أو بشيء آخَر، بل أن يُخَلِّصنا بأفضَل نيّة حُبّ وتسامُح.
+ إنّ الألوهة قد منحته أكثر من الباقين، أو ربّما أكثر من جميع رجال عصره، أن يكون شريكَ مُعَلِّم التقوى الكلمة المُخلِّص.. ها هي الشرارة مرميّة في وسط نفوسِنا، تُشعِل وتُلهِب فينا، مِن جِهةٍ، حبّ الكلمة القدّوس المحبوب للغاية، الذي بجماله الفائق الوصف يجتذب نحوه جميع الناس، ومن جهة أخرى حُبّ هذا الرجل [يقصد أوريجينوس] صَديق الكلمة والناطق باسمه.
+ لَمّا جُرِحتُ بعمقِ هذا الحُبّ (نش2: 5، 5: 8)، أَسلَمتُ نفسي لتقتنع بإهمال كافّة الأعمال.. ووطني وأهلي وأقاربي.. شيءٌ واحدٌ صار غاليًا ومحبوبًا، ألا وهو الفلسفة [المسيحيّة] ومُرشدها، هذا الرجل القدّيس. "وتعلّقَت روح ناثان بداود" (1صم18: 1)؛ قرأتُ فيما بعد هذه الجملة في الكتاب المقدّس، إلاّ أنّه سبق لي واختبرتُ هذا الشعور نفسه [يُشير إلى علاقته بأوريجينوس] بشكل واضح كما هو مكتوب.
+ كان يُعلّمنا عدم الاكتفاء بالخارج والظواهِر التي هي في بعض الأحيان فاشِلة ومُزَوَّرة، بل أن نبحث بتدقيق في جوهر الأشياء. وأن نطرُق حول كلّ واحِدة منها لنُدرِك جمال الصوت [أي نفحصها جيِّدًا لنعرف ما بداخلها، كَمَن يطرق على آلَةٍ ويسمع صَدَاها]، وعندها فقط نُصادِق على الخارج بعد أن نكون قد تنبّهنا له بالكامل.
+ أمّا هدفه الأهمّ، فهي الفضائل الأخلاقيّة الإلهيّة، التي تجلب وحدها الهدوء والتوازُن للدوافِع النفسيّة.. أراد حقًّا أن يعصمنا من الشجَن والألم النابعَين من جميع أنواع الشرور بلا استثناء. أرادَنا مُنَظَّمين ومتوازنين وطوباويّين ومُشابِهين فعلاً لله. هذا هو الهدف الذي سعَى لبلوغِهِ، من خلال أحاديث مُوَجَّهة ومُقنِعة وحكيمة، لكنّها مُلزِمة أيضًا، عن أخلاقنا ومسيرتنا.
+ بِمَثَلِه الحيّ، أكسَبَنا حُبّ العدالة الجميلة، مُظهِرًا وجهها البرّاق كالذهَب، وحُبّ الفِطنة الذي ينادي به الجميع، وحُبّ الحكمة المحبوبة كلّيًّا، وحُبّ الاعتدال الإلهي الذي هو صفاء الروح والسلام لجميع من يملكونه.. وعلّمنا أنّ كلّ شيء يكمُن في صبرِنا، وحُبّ العبادة المُلَقَّبة بصوابٍ "أمّ الفضائل"، لأنّها لجميع الفضائل المبدأ والهدف. فإذا انطلقنا منها يَسهُل علينا كثيرًا امتلاك باقي الفضائل.. كأنّنا بِرِفقَةِ مرشدٍ أمين وكاهن كُليّ الحكمة.
+ كان ينتقي من كلّ فيلسوف الأفيَد والأصحّ، ويعرضه علينا. ويُبعِد بالعكس ما كان زائفًا.. وكان ينصحنا بعدم التعلُّق بأيٍّ من الفلاسِفة، حتّى بِمَن يتمتع منهم -لِحكمته- بسُمعة عظيمة لدى جميع الناس، بل بالله وحده وبأنبيائه يجب أن نتعلّق.
+ تَلَقَّى هذا الرجل من الله العطيّة العُظمى، ومِن السماء النصيب الأفضل. إنّه مُفَسِّر كلام الله للبشر. يَفهَم الأمور من الله، وكأنّه يكلّمه، ويشرحها للبشر ليَسهل لهم استيعابها.. بكلمةٍ واحِدة؛ كُنّا في الجنّة، وكأنَّى بها جنّة الله الكُبرى.. كان حقًّا فردوس النعيم والملذّات الوافِرة ما تمتّعنا به فيما مضى من الوقت.. كُنّا نهارًا وليلاً نَهِذُّ بالوصايا الإلهيّة والتسابيح والأناشيد.. حيث يضيء نورٌ يُشبه تمامًا نور الشمس المستمرّ. كُنّا في الحقيقة نأنَس نهارًا بالأسرار الإلهيّة، ونغوص ليلاً في تَخَيُّل ما شاهدته نفوسُنا وقامت به أثناء النهار.
* فقرة من رسالة إوريجينوس إلى غريغوريوس العجائبي:
+ افرح بالربّ يا سيّدي المُعَلِّم الغيور، وابن أوريجينوس، المحترم غريغوريوس.
+ يا سيّدي وابني: اجتهد بِعناية كلّيّة وفوق كلّ شيء، في قراءة الكتاب المقدّس. فمِنَ الضروري لنا نحن الذين نقرأ الكتُب الإلهيّة، أن نَحرِص بشدّة ألاّ نُعَبِّر بتهوُّر، أو نأتي بأفكارٍ طائشة حيالها. وفي تكرُّسِكَ على قراءة النصوص المقدّسة بإيمانٍ وخير استعدادٍ يُرضي الربّ، اِقرَعْ على الكلمات المُغلقة، فيَفتَح لكّ البوّاب الذي قال عنه يسوع المسيح: "لَهُم يفتح البوّاب" (يو10: 3). وأيضًا ابحَث باستقامة وإيمان في الربّ عن معنى الكتابات السماويّة المَخفيّة عن الأكثريّة. لكن إيّاك أن تتوقّف عن القرع والبحث. ولكي تفهم الأمور المقدّسة لا غِنى عن الصلاة، ففي نُصحِهِ لنا، لم يكتَفِ المُخَلِّص بالقول: "اطلبوا تَجِدوا، اقرعوا يُفتَح لكم" بل أمَرَ أيضًا: "اسألوا فتُعطَوا" (مت7:7، لو11: 9).
[المرجع: خطاب إلى المُعَلِّم أوريجينوس – تأليف أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس العجائبي – نقلَه إلى العربيّة مكاريوس جبّور وناتاشا يازجي – منشورات النور 2000م]
القمص يوحنا نصيف





