يوسف إدوارد
من وقت إلى آخر، ومع اقتراب بعض المناسبات، يعود إلى الواجهة نقاش قديم جديد حول تهنئة المسيحيين بأعيادهم. نقاش يظهر فجأة، ثم يختفى، قبل أن يعود مرة أخرى فى توقيت متوقع، وكأنه جزء من جدل موسمى لا يرتبط بواقع الناس بقدر ما يرتبط بإعادة طرح الأسئلة نفسها.
فى هذه اللحظات، يتعامل البعض مع التهنئة باعتبارها مسألة شديدة الحساسية، تحتاج إلى تحذير، أو ضبط، أو تنبيه، وكأن جملة بسيطة مثل «كل سنة وإنت طيب» تحمل أكثر مما تحتمل. ومع أن هذا النقاش لا يستمر طويلًا، إلا أنه يلفت الانتباه كل مرة إلى الفجوة بين الجدل النظرى، والواقع اليومى الذى يعيشه الناس.
فالواقع يقول إن المجتمع المصرى، بطبيعته، لا يتعامل مع التهنئة بهذا التعقيد. المصرى يهنّئ المسيحيين ببساطة، وبشكل تلقائى. يهنّئ الجار، والزميل، وصاحب المحل، والطبيب، والسائق، دون أن يشعر أنه أمام موقف دينى شائك، أو اختبار للهوية. بالنسبة له، التهنئة سلوك إنسانى طبيعى، لا يحتاج إلى اجتهادات ولا إلى تبرير.
ومع ذلك، ومع كل موسم أعياد، تظهر أصوات تحاول إعادة تعريف هذا السلوك البسيط، وتضعه فى إطار من التحفظ أو القلق، معتبرة أنه قد يمس الإيمان أو يفتح بابًا للتنازل عن الثوابت. وغالبًا ما يُقدَّم هذا الطرح فى صورة نصيحة أو حرص، لا فى صورة منع صريح، وكأن المشكلة ليست فى الرفض ذاته، بل فى الخوف من الفرح المشترك.
فى المقابل، تقف الشخصية المصرية بثبات هادئ. لا تدخل فى سجالات حادة، ولا تنشغل بالردود المطولة، ولا تشعر بالحاجة إلى الدفاع عن بديهيات عاشت بها طويلًا. تستمر فى حياتها، وتبادل التهانى، وتشارك الأفراح، باعتبار ذلك جزءًا طبيعيًا من نسيج المجتمع، لا يحتاج إلى خطاب ولا إلى بيان.
اللافت أن هذا السلوك الشعبى البسيط ينسجم، فى جوهره، مع ما أعلنته وتبنّته المؤسسات الدينية الكبرى فى مصر. فالأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، قدموا عبر سنوات طويلة خطابًا متزنًا، يؤكد أن تهنئة المسيحيين بأعيادهم تدخل فى إطار العلاقات الاجتماعية والإنسانية، ولا تتعارض مع جوهر الإيمان.
هذا التوافق بين وعى الناس وخطاب المؤسسات يعكس قوة الوسطية فى المجتمع المصرى، وقدرته على تجاوز الجدل العابر. فحين يكون الوعى العام مستقرًا، لا تتحول النقاشات الموسمية إلى أزمات، ولا تُحدث شرخًا حقيقيًا فى العلاقات بين أبناء الوطن الواحد.
وربما تكون الإشكالية الحقيقية ليست فى التهنئة نفسها، بل فى الخوف منها. خوف لا يعبر بالضرورة عن حرص، بقدر ما يعكس قلقًا من المساحة المشتركة، ومن فكرة الفرح الذى لا يُقصى أحدًا. وهو قلق سرعان ما يتراجع أمام بساطة الواقع، وهدوء الناس، واستمرار الحياة.
المصرى، بطبعه، أقوى من هذه الموجات العابرة. شخصيته تشكلت عبر قرون من العيش المشترك، والمشاركة اليومية، والتاريخ الواحد. يعرف أن المجتمعات لا تُبنى بالمنع، ولا تستقر بالتحذير المستمر، بل بالثقة، والاحترام، والطمأنينة المتبادلة.
ولهذا، تمر هذه الظواهر كما جاءت. نقاش محدود، ثم هدوء، ثم عودة إلى الإيقاع الطبيعى للحياة. ويبقى المصرى كما هو: يهنّئ المسيحيين دون تردد، ويبتسم دون حساب، ويؤمن أن الكلمة الطيبة لا تحتاج إلى إذن.
وفى النهاية، ربما يكون العنوان أقرب إلى توصيف واقع هادئ لا إلى سخرية:
لا تهنّئ أخوك... يسعدك!
لأن السعادة، حين تُشارك، لا تُنقص أحدًا، بل تزيد الجميع.
نقلا عن المصرى اليوم





