القمص يوحنا نصيف
    ونحن نعيش في أجواء شهر كيهك، وتسابيحه الجميلة.. لنتأمّل في هذه الكلمات الرائعة عن السيّدة العذراء، والموجودة في خِتام ئيؤطوكيّة يوم الجمعة من التسبحة اليوميّة..

   + تكثُر مدائحُكِ أيّتها المزيّنة بكلّ كرامة، لأنّكِ صِرتِ مسكنًا لحكمة الله.
   + أنتِ هي الصنّارة التي تصِيد المسيحيين، وتُعلِّمهم السجود للثالوث المُحيي.
   + أنتِ التي حملتِ العامود الذي رآه موسى (عامود النار). هو ابن الله أتى وحلّ في بطنك.

   + صِرتِ تابوتًا لخالق السماء والأرض (مثل تابوت العهد)، حملتِهِ في بطنك تسعة أشهر عَدًّا.
   + وأنتِ أيضًا اؤتُمِنْتِ على سِعة السماء والأرض، وصرتِ لنا سببًا للارتقاء إلى السماء.
    لنقف قليلاً، ونتأمّل في هذه العبارة الهائلة: "اؤتُمِنتِ على سِعة السماء والأرض"..

    في البداية، تكشف لنا هذه العبارة عن المسؤوليّة الرهيبة التي تمّ تكليف السيّدة العذراء بها، وهي لا تزال فتاة صغيرة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها..! فالله الجالس على العرش الملتهب الشاروبيمي، والمخدوم من القوّات النارية، والذي لا تَسَعُهُ السماء والأرض، قد ارتضى أن يتّخذ من بطن مريم البتول مسكنًا له..!

    يا لهذا الاتضاع العجيب..!
    يا للروعة ويا للمجد..!
    ويا للمسؤوليّة الهائلة في ذات الوقت..!

    قديمًا صلّى سليمان بعد أن بَنَى الهيكل قائلاً: "هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا مَعَ الإِنْسَانِ عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ!" (2أخ6: 18).. وها هي العذراء تصير مثل المركبة الشاروبيميّة (حز1) الحاملة للعرش الإلهي، بل إنّها تحمله في أحشائها، وتعطيه كلّ عجينة البشريّة (القطعة السادسة من ثيؤطوكيّة الخميس) ليتّحد بها منذ اللحظة الأولى للحَبَل الإلهي.. وباتحادنا به ارتقينا إلى السماء..!!

    السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا وكيف استحقّت السيّدة العذراء أن يستأمنها الله على نفسه؟!
    تقول ثيؤطوكيّة الأربعاء: "تطلّع الآب من السماء، فلم يجد مَن يُشبهُكِ، أرسل وحيده، أتى وتجسّد منكِ"..

    نعم، السيّدة العذراء لم يوجَد لها نظير في كلّ العالم..
    1- لم يوجَد لها نظير في القداسة وتكريس القلب للحبيب الأوحَد، والتعفُّف عن كلّ ما في العالم..
    2- لم يوجَد لها نظير في التواضُع، واتّخاذ المتّكآت الأخيرة في كلّ شيء.. بل وإنكار الذّات بشكل كامل وصولاً إلى ما يسمّيه الآباء بدرجة "اللاهَوَى".. والتي يتحرّر فيها الإنسان من كلّ هوى شخصي ورغبة ذاتيّة..!

    3- لم يوجَد لها نظير في الهدوء والصمت، وحِفظ كلّ الأسرار متفكِّرةً بها في قلبها.. وبلغَتْ في هذا إلى مستوى يفوق العقل، لدرجة أنّها لم تُخبِر أحدًا ببشارة الملاك لها، حتّى يوسف النجار خطيبها..!!

    4- لم يوجَد لها نظير في الاحتمال، والصبر على المشقّات، بدون تذمُّر أو شكوى، مهما كانت قسوة الظروف.. كما رأينا أثناء ولادة المسيح في مذود حقير، وفي الهروب المفاجئ والشاقّ إلى مصر، وفي أحداث الصلب الرهيبة التي كانت كسيف اخترق قلبها الرقيق.. كلّ هذا احتملته بصلابة وشُكر وتسليم كامل لله..!

    5- لم يوجَد لها نظير في الحُبّ وروح الخدمة والاهتمام بالآخرين.. فتسافر أميالاً طويلة لتخدم أليصابات العجوز، وتساعِد في خدمة المطبخ أثناء عُرس قانا الجليل، على الرغم أنّها كانت من كبار المدعوّين..!

    6- لم يوجَد لها نظير في الحكمة واختيار متى تتكلّم؟ ومتى تصمت؟ وماذا تقول؟ وكيف تتفاعَل مع الأحداث الضخمة أو الصغيرة؟ وكيف تتقبّل خطّة الله لحياتها؟ وكيف تتاجر بوزناتها لمجد الله وبنيان الكنيسة؟!.. حقًّا كانت مملوءة بالحكمة الإلهيّة الطاهرة الوديعة المسالمة المترفّقة المملوءة من الأثمار الصالحة (يع3).

    7- لم يوجَد لها نظير في الأمانة خلال تحمُّل المسؤوليّة الضخمة جدًّا التي لسرّ التجسّد الإلهي بكلّ تفاصيلها..
    بالحقيقة قد استحقَّتْ أن تُستَأمَن على سِعَة السماء والأرض..!!

القمص يوحنا نصيف
* الأيقونة هي على سِتر الهيكل بكنيستنا الجميلة بشيكاجو، من عمل راهبات دير القدّيسة دميانة بالبراري.