بقلم: نادر شكري
يبدو أن وزارة العمل تعيش حالة من التخبط غير المبرر في التعامل مع ملف إجازات المواطنين المسيحيين، وهو تخبط لا يعكس فقط غياب الرؤية السياسية المتسقة مع توجهات الدولة، بل يكشف عن جهل صادم بمفاهيم المواطنة التي استقر عليها الوجدان الوطني المصري في السنوات الأخيرة.
البداية.. تجاهل الهوية
بدأت حالة اللغط حينما صدر قرار الوزير في البداية مشيراً إلى إجازات "غير المسلمين"، في صياغة أثارت استياءً واسعاً؛ فبدلاً من استخدام اللفظ الواضح والمباشر " المواطنين المسيحيين"، اختار الوزير مصطلحاً "إقصائياً" يُعرف المواطن بـ "النفي"، وكأن المسيحي هو مجرد "شخص ليس مسلماً". هذا المصطلح، رغم قانونيته الجافة في بعض السياقات القديمة، إلا أنه في سياق دولة المواطنة يُعد تراجعاً عن الاعتراف بالهوية الدينية الصريحة للمواطن المصري المسيحي.
تعديل "أسوأ" من القرار الأصلي
وعندما حاول الوزير تدارك الخطأ تحت وطأة الانتقادات، جاء التعديل "أسوأ" من القرار الأصلي. فبدلاً من ترسيخ قيمة المواطنة، سقط القرار في فخ "الفرز الطائفي"، بتقسيم المواطنين المسيحيين إلى (أرثوذكس، كاثوليك، وبروتستانت) لتحديد مواعيد إجازاتهم.
وهنا نسأل الوزير: هل تحولت مكاتب العمل إلى "سجل كنسي"؟ وكيف لموظف أو عامل أن يثبت مذهبه لمديره في العمل بينما لا يظهر هذا المذهب في بطاقة الرقم القومي؟ إن هذا التعديل لم يصحح الخطأ، بل كرس "المذهبية" في أوراق الدولة الرسمية، وهو أمر لم نكن نتخيل العودة إليه في ظل "الجمهورية الجديدة".
لغة "الإخوة" والجهل بالمسميات
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استخدم الوزير تعبير «الإخوة المسيحيين»، وهو تعبير وعظي مكانه المنابر، بينما لغة الدولة الرسمية يجب أن تخاطب «المواطنين المسيحيين». وزاد الطين بلة باستخدام لفظ «البروتستانت»، متجاهلاً المسمى القانوني والوطني الصحيح في مصر وهو "الأقباط الإنجيليون".
المواطنة ليست شعارات
إن ما حدث هو "سقطة إدارية وسياسية" بامتياز. فالمواطنة ممارسة تبدأ من دقة اللفظ واحترام الهوية وتجنب الفرز الطائفي. كان الأجدر بالوزير أن يصدر قراراً جامعاً بمنح إجازة للمسيحيين بوجه عام، دون الدخول في تفاصيل لاهوتية لا تخص جهة العمل، ودون استبدال مسمى "غير المسلمين" بتقسيم طائفي يفتت وحدة النسيج الوطني.
يا سيادة الوزير.. نحن نتطلع إلى دولة تتجاوز المذهبية، لا دولة تعيد إحياءها في كشوف الحضور والانصراف.
سؤال المسكوت عنه: متى نرى "عيد القيامة" إجازة رسمية؟
وبعيداً عن تخبط القرارات الوزارية، نصل إلى السؤال الجوهري والمؤجل: متى تتحلى الدولة بالشجاعة الكاملة للاعتراف بـ "عيد القيامة" إجازة رسمية شاملة لكل المصريين، أسوة بعيد الميلاد المجيد؟
إن منح هذا اليوم إجازة رسمية لا علاقة له بالاعتراف بمعتقد ديني أو الإيمان بلاهوت معين، بل هو إعلاء لقيمة المواطنة الحقيقية. هو نوع من إعطاء الفرصة للجميع للاحتفال، ومشاركة جميع المصريين في الاحتفاء مع شركاء الوطن في جو من الود والحب.
لقد حان الوقت لتتوقف الدولة عن سياسة "أنصاف الحلول" أو "الإجازات الفئوية" التي تفرق بين الزملاء في المؤسسة الواحدة. عيد القيامة هو العيد الأكبر للمسيحيين، وجعلُه إجازة رسمية لكل المصريين سيكون القرار الأكثر شجاعة وتعبيرًا عن "الجمهورية الجديدة" التي لا تعرف الفرز، وتؤمن بأن فرحة جزء من الوطن هي فرحة للوطن كله.





