بقلم: ماهر الجاولي 
يتجدد الجدل من حين لآخر حول مسألة تهنئة المسيحيين بأعيادهم، ويصل أحيانًا إلى حد التحريم والتشكيك، في مشهد يثير تساؤلات حقيقية حول منطق هذا الطرح، ومدى اتساقه مع النصوص القرآنية الواضحة التي نظّمت علاقة المسلم بأهل الكتاب على أسس إنسانية واجتماعية راسخة.
 
فالقرآن الكريم يقول صراحة:
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (المائدة: 5).
وهي آية محكمة ترسم بوضوح ملامح علاقة طبيعية بين المسلم وكلٍّ من المسيحي واليهودي، علاقة تقوم على التعايش والتواصل، لا على القطيعة أو الإقصاء.
 
إن إباحة تبادل الطعام بين المسلمين وأهل الكتاب ليس عملاُ عابرًا، بل عملاُ يحمل دلالة إنسانية عميقة؛ فالمائدة المشتركة عبر التاريخ كانت رمزًا للسلم الاجتماعي، وقبول الآخر، وبناء جسور الثقة بين المختلفين. وإذا كان الإسلام قد أقر هذا المستوى من التفاعل اليومي، فمن غير المنطقي تصوير مظاهر التواصل الإنساني وكأنها خطر على العقيدة.
 
كما أباح الإسلام الزواج من نساء أهل الكتاب، وهو أعلى درجات القبول الديني والاجتماعي، إذ يسمح بتكوين أسرة واحدة تجمع بين طرفين مختلفين دينيًا، تقوم على المودة والرحمة، وتُدار تفاصيل حياتها اليومية في إطار من الاحترام المتبادل. فهل يعقل أن يبيح الإسلام هذا الرباط الإنساني العميق، ثم يُحرّم مجرد كلمة تهنئة في مناسبة دينية؟
 
التهنئة، في جوهرها، ليست شريعة تعبدية، ولا إقرارًا بعقيدة الآخر، بل هي سلوك اجتماعي حضاري يعكس حسن الجوار، واحترام المشاعر، ومشاركة الناس أفراحهم. وتجريمها أو تصويرها كتهديد ديني يتناقض مع روح النص القرآني ومقاصده العامة التي دعت إلى البر، والتعارف، وحفظ السلم المجتمعي.
 
وفي مجتمع متنوع مثل المجتمع المصري، لا تُبنى الوحدة الوطنية بفتاوى الإقصاء ولا بخطاب التخويف، بل بتكريس القيم الإنسانية المشتركة التي أقرّها الدين قبل أن تنص عليها الدساتير. ومن هنا، يظل السؤال مطروحًا: إذا كان الإسلام قد أحلّ الطعام والزواج  مع المسيحي، فكيف يُحرَّم تهنئتهم بأعيادهم؟