بقلم : هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
تُعد مسألة تنظيم إقامة الأجانب داخل إقليم الدولة من أدق الملفات القانونية التي تتقاطع فيها اعتبارات السيادة الوطنية مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، وهي مسألة لا يجوز تناولها بمنطق الشعارات أو العواطف المجردة، وإنما يجب أن تُبنى على الصوص القانونية الحاكمة، والفلسفة التشريعية التي ارتضاها المشرّع، في إطار احترام الدستور وحماية الأمن القومي.
ومن هذا المنطلق، جاء القانون رقم 62 لسنة 2016 ليضع قواعد واضحة لمواجهة صور الإقامة غير المشروعة، ويغلق منافذ التحايل التي تُفرغ التنظيم القانوني من مضمونه.
استقر الفقه الدستوري وقضاء المحكمة الدستورية العليا على أن الدولة تملك سلطة أصيلة في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم وخروجهم من إقليمها، باعتبار ذلك مظهرًا من مظاهر السيادة التي لا تقبل الانتقاص، طالما تم ذلك في إطار من المشروعية واحترام الحد الأدنى من الضمانات القانونية.
ويؤكد هذا المبدأ أن إقامة الأجنبي ليس حقًا مكتسبًا بذاته، وإنما هو مركز قانوني تنظمه الدولة، ويخضع لشروطها وضوابطها، ويزول بزوال سنده المشروع.
حيث نصت المادة ( من القانون رقم 62 لسنة 2016 على توقيع عقوبة السجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه على كل من: «يؤجر أو يهيئ مكانًا لإقامة لاجئ أو أجنبي لا يحمل إقامة سارية داخل البلاد».
كما اعتبر المشرّع هذه الجريمة من جرائم أمن الدولة، وهو توصيف قانوني بالغ الدلالة، يُخرج الفعل من نطاق المخالفات الإدارية، ويضعه في مصاف الجرائم التي تمس النظام العام والأمن القومي.
ويُفهم من هذا النص أن المشرّع:
•لم يقصر التجريم على فعل الدخول غير المشروع فقط، بل امتد إلى كل سلوك إيجابي يسهّل أو يستمر به وضع غير قانوني، وهو ما يعكس تبني سياسة تشريعية وقائية، لا عقابية فحسب.
تقوم المسؤولية الجنائية المنصوص عليها في المادة (على علم المؤجر أو المهيئ للمسكن بعدم وجود إقامة سارية، وهو علم يُستدل عليه بكافة طرق الإثبات القانونية، باعتباره من قبيل القصد الجنائي العام.
ولا يشترط المشرّع تحقق ضرر فعلي أو وقوع جريمة لاحقة، إذ يكفي مجرد تمكين الأجنبي من الإقامة بالمخالفة للقانون لقيام الجريمة، تأسيسًا على أن الخطر ذاته هو مناط التجريم.
وهذا الاتجاه يتفق مع المبادئ المستقرة في السياسة الجنائية الحديثة، التي تُعلي من شأن درء المخاطر قبل تفاقم آثارها.
يخطئ من يظن أن تطبيق المادة ( يتعارض مع الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين. فالقانون الدولي ذاته يُقر بحق الدول في:
تنظيم الإقامة، وفرض الالتزام بالإجراءات القانونية، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمنها الداخلي.
إذ لا تمنح اتفاقية اللاجئين أو غيرها حصانة مطلقة من الخضوع لقوانين الدولة المضيفة، بل تشترط صراحة احترام نظمها وقواعدها، وهو ما يجعل توفيق الأوضاع القانونية شرطًا لازمًا للتمتع بأي حماية.
لا جدال في أن مصر كانت – ولا تزال – دولة مضيفة، تعاملت مع ضيوفها بروح إنسانية مشهودة. غير أن الإنسانية ، والضيافة لا تعني إسقاط القانون.
فاللاجئ الحقيقي هو من:
دخل البلاد وفق القنوات المشروعة، واحترم قوانين الإقامة. وخضع للرقابة والتنظيم القانوني.
أما من لا يحمل إقامة سارية، أو يصرّ على البقاء خارج الإطار القانوني، فلا يمكن أن يُمنح حصانة غير مباشرة تحت أي ذريعة، لأن في ذلك إهدارًا لمبدأ المساواة أمام القانون.
في ضوء ما تقدم، فإن عودة اللاجئين السوريين وغيرهم ممن لا يحملون إقامة سارية تُعد نتيجة قانونية منطقية لغياب السند المشروع للإقامة، ولا تُعد إجراءً تعسفيًا متى تمت: وفق إجراءات قانونية معلومة،وبما يضمن الكرامة الإنسانية، ودون إخلال بالضمانات المقررة .
فالإبقاء على وضع قانوني مختل يُفرغ النصوص التشريعية من قيمتها الإلزامية.
إن المادة ( من القانون رقم 62 لسنة 2016 تمثل نموذجًا لتوازن تشريعي دقيق، يُراعي الاعتبارات الإنسانية دون التفريط في سيادة الدولة أو أمنها. وهي تؤكد أن الالتزام بالقانون هو الأساس الوحيد لأي وجود مشروع على أرض الوطن.





