كمال زاخر
•  لماذا هو إقتراب حذر؟.
•  منظومة وفلسفة الأحزاب
في حياة المرء كما في حياة الوطن لحظات فاصلة وأخرى ضاغطة وثالثة مربكة، وفيها على نفس الضفة ما هو مؤلم وموجع وصادم،  وهي ـ على تنوعها ـ نحتاج إلى قدر من هدوء وثبات النفس لا يجعلها تأخذنا إلى ردود فعل انفعالية، وتنطلب أيضاً قراءة متبصرة موضوعية، ويدق الأمر عندما يكون المرء، والوطن أيضاً، خارجاً لتوه من معارك وجود ممتدة ومتنوعة، وبالكاد يضع قدماه على مسار الخروج من نفق طال، وسط تحديات قائمة وكثيرها متربص وساع لإجهاض حلمه، بعيداً عن نظرية المؤامرة، بعضها من خارجه وبعضها نيران يحسبها صديقة.
 
سطوري تقترب من الحالة المصرية، وتحديداً من 1952 وحتى اللحظة المعيشة، وهو تحديد مقصود، لأن مشهد اليوم غير منبت الصلة ببدايات هذه المرحلة، والتي تحسب لحظة فاصلة بين عهدين وبين رؤيتين متناقضتين، وأسست لتحولات سياسية وحياتية واقتصادية حادة لا يمكن فصل مشهد اليوم عنها، خاصة مع ما شهدته هذه الحقبة الزمنية من تناقضات عبر مراحلها المختلفة، انتقلت فيها من النقيض إلى النقيض، ومع كل انتقال كانت تشيطن المرحلة السابقة لها، فيوليو اعتبرت ما سبقها عهداً بائداً، لم تترك مناسبة دون أن تؤكد ما ذهبت إليه، بامتداد عقدين من الزمان، وسخَّرت كل آليات تشكيل الوعي الجمعي، كتباً وصحافة ومناهج تعليمية ومنابر وابداع فني، في توطين هذا التوجه، ثم تأتي سبعينيات القرن العشرين لتشيطن ما قبلها، وتراه دكتاتورياً لا يتورع عن ملاحقة مخالفيه، وتتبني نفس النسق في توظيف آليات التشكيل نفسها، وتتوالى سياسات الشيطنة ولا تتوقف عجلتها عن الدوران في المراحل اللاحقة، اللافت هو انتقال بعض من شخوص تلك الآليات، المتورطون في التوظيف الأول، إلى دعم التوظيف الثاني، بل والقفز من السفينة الثانية إلى الثالثة والرابعة وما بعدها، بدم وعقل باردين.
 
 اللافت أيضاً أن الاقتراب من أي مرحلة منها، تقييماً وفحصاً، لا يتم إلا بعد انتهائها، وإلا فستلاحقه اتهامات التخوين والمؤامرة والتكفير، ربما لهذا يأتي اقترابي حذراً، خاصة وإنني مصرياً مسيحياً (!!) وهو توصيف، يحمل عند البعض تشكيكاً في وطنية اصحابه، نحته وعمقه الفرز الطائفي الذي اخترقنا وحاصرنا مع المد المتطرف مع تحولات السبعينيات، وإن كانت جذوره تمتد إلى لحظة سقوط الخلافة العثمانية، 1923، وتولد حلم إعادة الإحياء، والذي يقف وراء تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، 1928، والتي ناصبت الوفد، رؤية وحزباً، العداء لأن دعوته تقوض حلمها والذي ترجمه شعارها ومبادئها التي أعلنها مؤسسها في احتفالية الذكرى الخامسة لتأسيسها. فيما يؤكد الوفد على أن مصر وطن لكل المصريين، وأن الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة، ولعل هذا يفسر تحالف الملك فؤاد والملك فاروق مع الجماعة، واستبعاد الجماعة من قرار حل الأحزاب، 1953، ولم يتم مواجهتها والصدام معها إلا بعد منتصف 1954، عقب محاولتها اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في صراعهما على السلطة، ويفسر إعادة بعثها ودعمها والتحالف معها في سبعينيات القرن العشرين، والذي تلاقى مع مداً مثيلاً في المحيط الإقليمي وبامتداد خريطة العالم الإسلامي.
 
لكنه حَذَر لم يفلح في منعي من الاقتراب من الحالة المصرية، ربما لتحصني بمصريتي  ولكوني غير مصنف على تيار أو جناح أو توجه في دوائر الصراع، فضلاً عن معاصرتي والاشتباك مع احداث هذه الحالة بوعي ممتد لأكثر من نصف القرن، شاباً وكهلاً، مدفوعاً بحلم الخروج بالوطن من نفق طال، وأعول على قدرة الأجيال القادمة في تحقيقه، وهم أوفر حظاً من جيلنا في توفر المعلومة بيسر مع تقنيات التواصل، وهو أمر سيكون له تأثيره في انفتاحهم الفكري وقدرتهم على الخروج خارج القوالب التي تحاصر عالمنا الثالث.
 
واحدة من معالم الحالة المصرية منظومة الأحزاب السياسية، والتي عرفتها مصر مع اطلالة القرن العشرين، ففي العام  1907 يتم الإعلان عن  تأسيس حزبين؛ الحزب الوطني المصري بقيادة مصطفى كامل، وحزب الأمة بقيادة أحمد لطفي السيد، والحزبان يتفقان على المطالبة بالاستقلال، ووضع دستور يكفل الرقابة على الحكومة والاهتمام بالصناعة والتجارة والزراعة، لكنهما يختلفان في المرجعية، فبينما يرى مصطفى كامل أن السبيل إلى الاستقلال يأتي من دعم الدولة العثمانية، والسعي لتأسيس الجامعة الإسلامية كإطار داعم لمصر، كان لطفي السيد ينطلق من أرضية ليبرالية ويرفع شعار مصر للمصريين. حتي يتبلور الحس المصري المطالب باستقلال مصر فيتأسس حزب الوفد 1919 بقيادة سعد زغلول، لتشهد مصر حينها تأسيس وإعلان العديد من الأحزاب مختلفة الاتجاهات والمرجعيات. حتى يأتي عام 1953 وفيه يصدر قرار حل كافة الأحزاب.
 
اكتشفت حركة يوليو حاجتها إلى ظهير سياسي يملأ فراغ غياب الأحزاب، فتوالت التنظيمات السياسية بدءاً من هيئة التحرير وصولاً إلى الإتحاد الإشتراكي، مروراً بالاتحاد القومي، وكانت كلها تنويعات على نمط الحزب الواحد، ليشهد الشارع السياسي انحساراً متتالياً، لم يتسع لغير صوت ورؤية السلطة الحاكمة، حتى قرر السادات إطلاق التعددية مجدداً عبر ما سميَّ بالمنابر، التي بشكل كاريكاتوري توزعت عبر ثلاث منابر يمين ويسار ووسط، وبقرار فوقي، وما لبثت أن تحولت إلى أحزاب، بقرار فوقي، لم تبتعد كثيراً ـ واقعياً ـ عن انساق الحزب الواحد، الذي يمثله "الوسط"، فكان حزب مصر الذي تغير مسماه فيما بعد إلى الحزب الوطني، ويترأسه رئيس الدولة، بينما كانت الأحزاب الأخرى وصيفات له. ثم تشهد الساحة قيام أحزاب أخرى لكنها منزوعة الفاعلية.
 
يأتي حراك يناير 2011 و30 يونيو 2013 ليشهد انفجار ماسورة الأحزاب حتى تتجاوز التسعين حزباً. كان اللافت فيها أن تشكيل غالبيتها لم ينطلق من قواعد شعبية، ولا يمكن للمتابع التعرف على تمايزاتها، إذ تكاد برامجها وبيانات تأسيسها أن تتطابق، وبعضها ـ وهو غير قليل ـ لا يتجاوز مقراً ولافتة وربما جريدة في القليل منها، وتكاد تتماس مع الجمعيات الأهلية، ليختفي الدور السياسي الذي يترك موقعه للدور الاجتماعي في ابسط صوره. بينما تقوم فلسفة الأحزاب في النظم الديمقراطية على كونها تنطلق من القاعدة.
 
وفي تعريف الحزب السياسي تقول دراسة "هو تنظيم حر لمجموعة من الأفراد يجمعهم هدف مشترك وهو المشاركة في إدارة شؤون الحكم عبر تحقيق برامج محددة، وذلك بتقديم المرشحين للانتخابات الحرة والديمقراطية وتشكيل السياسات العامة، ويعمل كجسر بين المواطنين والحكومة لتجميع آرائهم ونقلها لصناع القرار، وتختلف أهدافه من التقدم إلى المحافظة على الوضع القائم، ولعب دور حيوي في الأنظمة الديمقراطية الحديثة".
 
والأساس أن تتنافس الأحزاب عبر صناديق الاقتراع للفوز بالأغلبية التي تفوضها في ادارة البلاد من خلال تشكيلها للحكومة التي تتبنى تطبيق مشروعها السياسي الاقتصادي الاجتماعي، وتخضع لرقابة البرلمان الذي يمكنه سحب الثقة منها حال اخفاقها في مهمتها.
 
لهذا تحتاج الحالة المصرية سعيا لبناء الثقة بين مكوناتها، وخلق منافسة حقيقية بين القوى السياسية، تحتاج إلى إعادة فحص الحياة الحزبية، بما يكفل قيام أحزاب تعبر عن الأثقال السياسية الحقيقية ورؤاها بغير أن تكون مرجعيتها دينية أو عسكرية.
 
في الأجزاء القادمة من الطرح نتناول:
•  الدولة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني.
•  الحكومة بين السياسيون والتكنوقراط.
•  مدنية الدولة وإدارة الإقتصاد.
•  التعليم الإشكاليات والطموحات.
•  الدستور أبو القوانين ودواعي تعديله.