د.ماجد عزت إسرائيل
لم يكن ميلاد السيد المسيح في بيت لحم اليهودية (مت 2: 1) حدثًا عابرًا في مجرى التاريخ، ولا مجرد قصة مؤثرة تُروى كل عام، بل كان فعلًا إلهيًا مقصودًا يحمل في جوهره خلاص البشرية كلها. فقد جاء الميلاد استجابةً لحاجة الإنسان العميقة إلى الخلاص، بعد أن انكسرت العلاقة بين الله والإنسان بسبب الخطية، وعجز الإنسان عن أن يخلّص نفسه بقوته أو بأعماله. ويُعدّ ميلاد السيد المسيح إعلانًا صريحًا عن محبة الله وخطته للخلاص، إذ يعلن الكتاب المقدس بوضوح سبب مجيء المسيح إلى العالم: «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونَ لَهُ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ» (يو 3: 16). فالميلاد هو التعبير العملي عن هذه المحبة، إذ اقترب الله من الإنسان لا من بعيد، بل دخل إلى واقعه، وشارك ضعفه وفقره، وولد في مزود متواضع وسط روث المواشي ببيت لحم، ليعلن أن الخلاص موجّه لكل إنسان، لا للأقوياء أو العظماء وحدهم.

ويتجلّى تواضع السيد المسيح من أجل الإنسان في اختياره أن يولد في مزود لا في قصر، كاشفًا بذلك طبيعة رسالته، فهو لم يأتِ ليؤسس ملكًا أرضيًا، بل قال: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ» (يو 18: 36)، بل ليقيم ملكوت الله في القلوب. وكما يقول الرسول بولس: «الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلَّهِ، لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ… وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ وَضَعَ نَفْسَهُ» (في 2: 6–8). فالمزود لم يكن علامة فقر فقط، بل علامة محبة وتواضع، ودعوة للإنسان أن يلتقي بالله بعيدًا عن الكبرياء والادعاء.

ويمثّل الميلاد أيضًا بداية طريق الصليب والخلاص، إذ وُلد السيد المسيح لكي يفدي الإنسان. فالمزود منذ البداية يشير إلى الصليب، لأن المسيح جاء ليحمل خطية العالم، كما أعلن الملاك ليوسف: «فَسَتَلِدُ ابْنًا، وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ، لِأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ» (مت 1: 21). وهكذا لم يكن الخلاص مجرد تعليم أخلاقي، بل عملًا فدائيًا، بدأ بالتجسد واكتمل بالصليب والقيامة، وكان الميلاد هو الخطوة الأولى في مسيرة خلاص البشرية.
  
وفي ليلة الميلاد كان الإعلان الأول إعلان سلام: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ» (لو 2: 14). فهذا السلام ليس مجرد غياب للحروب، بل هو مصالحة الإنسان مع الله، وشفاء القلب من الخوف والاغتراب. ولذلك قال السيد المسيح لتلاميذه: «سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا» (يو 14: 27).

الخلاصة أن السيد المسيح وُلد لأن الإنسان كان محتاجًا إلى مخلّص، ولأن الله أراد أن يعيد الإنسان إلى حضنه. وُلد في مزود ليقترب من كل إنسان، وحمل ضعفنا ليهبنا الحياة. وهكذا يظل مولود المزود علامة رجاء دائم: أن الخلاص ممكن، وأن المحبة أقوى من الخطية، وأن الله ما زال يقترب من الإنسان ويطرق باب قلبه، لا بقوةٍ تُرهب ولا بسلطانٍ يُخيف، بل بمحبةٍ تُحرّر، وسلامٍ يُجدِّد، ونعمةٍ قادرة أن تغيّر الإنسان من الداخل متى فتح قلبه واستجاب لنداء الميلاد، ليصير التجسد خبرة حيّة تُعاش لا مجرد ذكرى تُحتفل بها.