د. مينا ملاك عازر
لم يكن إغلاق محال البازار في عدد من المدن الإيرانية حدثًا عابرًا، ولا مجرد احتجاج اقتصادي محدود على ضرائب أو رسوم أو تراجع العملة. في إيران، للبازار معنى يتجاوز التجارة، ويتخطى الحسابات اليومية للربح والخسارة. ما جرى هو إشارة سياسية ثقيلة الدلالة، تستدعي قراءة أعمق مما يظهر على السطح.

الحدث: ماذا جرى وكيف؟
خلال الأيام الماضية، شهدت أسواق تقليدية في طهران ومدن أخرى حالة إغلاق أو شبه إضراب من قبل شريحة من التجار، في سياق ضغوط اقتصادية خانقة، وتراجع حاد في القدرة الشرائية، وتضييق ضريبي متزايد. المشهد بدا هادئًا في صورته، لكنه صاخب في معناه:

بازار ينسحب من المشهد، ولو جزئيًا، ولو مؤقتًا.

لماذا خرج البازار الآن؟
خروج البازار لم يكن فعلًا مفاجئًا ولا اندفاعًا عاطفيًا، بل نتيجة تراكم ضغوط مركّبة وصلت إلى نقطة لم يعد معها الصمت خيارًا منطقيًا.

اقتصاديًا، يواجه التجار تضخمًا مرتفعًا أفقد التسعير أي معنى، وانهيارات متكررة في قيمة العملة، وصعوبات حقيقية في الاستيراد والتحويلات والتمويل. والبازار، بطبيعته، يقوم على قدر من الاستقرار النسبي، لا على المقامرة اليومية، ومع غياب هذا الاستقرار باتت التجارة نفسها مخاطرة خاسرة.

إلى جانب ذلك، تصاعدت السياسات الضريبية الصارمة وآليات الجباية الرقمية التي شددت الخناق على الاقتصاد التقليدي، في وقت شعر فيه كثير من التجار أن كيانات اقتصادية كبرى مرتبطة بمراكز قوة نافذة أقل تعرضًا للمحاسبة. هذا الاختلال خلق إحساسًا واسعًا بأن البازار يدفع ثمن أزمة لم يكن صانعها.

الأعمق من ذلك أن النظام، تحت ضغط العقوبات، أعاد ترتيب أولوياته الاقتصادية، فتعاظم دور اقتصاد موازٍ تديره مؤسسات شبه عسكرية، وتوسع نفوذ شركات مرتبطة بالحرس الثوري، مقابل تراجع وزن البازار التقليدي في صناعة القرار. هنا شعر التجار بأنهم لم يعودوا شركاء، بل مجرد ممولين صامتين.

وعلى مدى عقود، قام عقد غير مكتوب بين النظام والبازار: الولاء مقابل الحماية، والدعم مقابل الاستقرار. ما جرى مؤخرًا أن هذا العقد تآكل من طرف واحد؛ لا استقرار مضمون، ولا حماية حقيقية، ولا صوت مسموع في السياسات الكبرى.

لذلك، فإن خروج البازار لا يعني انضمامه إلى المعارضة ولا تبنيه مشروع إسقاط النظام، بل هو رسالة ضغط وإنذار مبكر. البازار لا يتحرك إلا حين يدرك أن الخسارة باتت مؤكدة سواء التزم الصمت أم لا.

لماذا يُعد هذا خطيرًا؟
لأن البازار في إيران ليس مجرد سوق.

هو:
 • أحد الأعمدة الاجتماعية التي قامت عليها ثورة 1979
 • شريك تاريخي للمؤسسة الدينية
 • مصدر تمويل وتأثير وشرعية للنظام في أوساط الطبقة المحافظة

خروج البازار، أو حتى تململه العلني، يعني تصدع التحالف المؤسس للنظام، لا تمرد فئة هامشية، وهو ما يمنح الحدث وزنه الحقيقي.

اقتصاديًا: أكثر من إضراب
يمتلك البازار شبكات توزيع داخلية واسعة، وسيولة نقدية خارج النظام المصرفي، وقدرة على التأثير في حركة السلع والأسعار. صحيح أن النظام الإيراني بات أقل اعتمادًا عليه مقارنة بالعقود الأولى بعد الثورة، لكنه لا يزال يتأثر بشدة عند تحركه. الإغلاق لا يسقط النظام، لكنه يسرّع الاختناق ويكشف هشاشة الداخل.

سياسيًا: جرس إنذار لا إعلان سقوط
هل يعني هذا أن النظام ينهار؟
الجواب: لا.
لكن هل هو إنذار حقيقي؟ نعم وبقوة.

النظام اليوم يعتمد بدرجة أكبر على الحرس الثوري والاقتصاد الموازي وشبكات الالتفاف على العقوبات، لكن فقدان دعم البازار، أو حتى حياده، يعني تآكل الشرعية الاجتماعية المحافظة، وهي أخطر من أي هتاف عابر في الشارع.

كيف يُتوقع أن يتعامل النظام؟
السيناريو المرجح ليس القمع المباشر، بل الاحتواء: تفاوض غير معلن مع كبار التجار، تسهيلات ضريبية وانتقائية، ومحاولة حثيثة لمنع اتساع الشرخ، لأن الصدام العلني مع البازار يعني نقل الأزمة من الاقتصاد إلى السياسة مباشرة.

وماذا عن الأيدي الخارجية؟
لا دلائل على إدارة أمريكية أو إسرائيلية مباشرة لتحريك البازار، ولا على غرف عمليات تدير الإغلاق. لكن في المقابل، هناك عقوبات تخنق الاقتصاد عن قصد، وحرب نفسية وإعلامية، واستثمار ذكي في الأزمات الداخلية. بعبارة أدق: الخارج لا يشعل النار، لكنه ينفخ فيها.

هل قررت أمريكا وإسرائيل إسقاط النظام بلا حرب؟
الإجابة الواضحة: لا، ليس الآن.
إسقاط النظام الإيراني بالكامل مكلف وفوضوي وخطر على استقرار الإقليم. الهدف الواقعي هو إنهاكه، تقليص نفوذه الإقليمي، ودفعه لتنازلات استراتيجية، لا إسقاطه دفعة واحدة. النموذج الأقرب هو تفكك بطيء من الداخل لا صدمة عسكرية شاملة.

الخلاصة
خروج البازار في إيران ليس تفصيلًا اقتصاديًا، بل حدث سياسي بامتياز.
هو لا يعني سقوط النظام غدًا، لكنه يقول شيئًا خطيرًا: أن أحد أهم أعمدة الشرعية التاريخية بدأ يتصدع.
والأنظمة قد تصمد طويلًا أمام الشارع،
لكنها حين تفقد حلفاءها التقليديين…
تبدأ المرحلة الأصعب.